إذن تتوالى التسريبات التي تخرج من داخل أروقة الغرف العسكرية المغلقة التي تدير الدولة المصرية، إذ حصلت أربع وسائل إعلامية مختلفة على مقاطع فيديو مصورة ومقاطع صوتية خاصة لأعضاء بالمجلس العسكري المصري ومن داخل مكتب الجنرال "عبد الفتاح السيسي" الرئيس الحالي لمصر وقائد انقلاب 3 يوليو 2013 على الرئيس الأسبق "محمد مرسي"، بل وتسريبات شخصية للجنرال نفسه متحدثًا مع ضباطه بالجيش.

فالتسريبات تلاحق نظام الجنرال منذ الانقلاب وحتى هذه اللحظة، فمنذ الحديث عن المتحدث العسكري ووسامته التي تجذب النساء، والخطة التي تحدث الجنرال عنها بنفسه للسيطرة على وسائل الإعلام عن طريق "إستراتيجية الأذرع الإعلامية"، وصولاً لإعطاء الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية بالقمع والبطش دون حساب في حديثه عن الضابط الذي سيوجه سلاحه لقتل المتظاهرين ولن يُحاسب، فكان هذا التسريب بمثابة الإعلان عن ظهور الدولة العسكرية في وجه أكثر شراسة وبطشًا أمام كل من يعترض عليها، وقد تم بالفعل مقتل العديد من المتظاهرين دون حساب أو رادع لأجهزة الأمن كما وعد الجنرال.

انتقلت التسريبات بعد ذلك لأحلام الجنرال وطموحاته التي سجلها مع أحد إعلامييه في لقاءٍ خاص فكانت بمثابة الإعلان عن ظهور نية الجنرال لاعتلاء عرش مصر، وغيرها من التسريبات التي تحدثت عن ملف سيناء والتهرب من الإجابة على نتيجة التحقيقات في حادثة مقتل الجنود المصريين في رفح إلى آخره من تسريبات مصورة بالفيديو للجنرال أثناء حديثه إلى بعض الضباط في الأسلحة المختلفة لتوضيح موقف الجيش في قضايا معينة بعد الانقلاب العسكري، وكانت الفيديوهات مصورة من وحدات بالشؤون المعنوية للقوات المسلحة وكأن السيسي أراد ضمان الجبهة الداخلية وطمأنتها وتسريب مثل تلك الفيديوهات، التي لم تكن بالخطورة أو الإدانة التي يخشاها النظام، بل ذهب البعض ليؤكد أنها بمثابة توضيح لرؤية القائمين على الأمر للفترة القادمة، وفحواها مقصود تمامًا إيصاله للجمهور لكن عن طريق وسائل إعلام مناوئة للنظام.

أما المرحلة الثانية من التسريبات فأتت من مكان أكثر حساسية وهو مكتب الجنرال نفسه بحضور أحد أعضاء المجلس العسكري ومدير مكتب الجنرال والحديث عن اختطاف الرئيس الأسبق وكيفية تزوير العسكر لقضايا الرئيس الأسبق محمد مرسي واحتجازه في مكان غير قانوني، وتورط النائب العام معهم في ذلك الأمر، ظن البعض أن هذا التسريب هو الأخطر على الإطلاق وأن الدولة ستنقلب رأسًا على عقب بعد إذاعته لكن مر التسريب بسلام دون أن يتحرك ساكن.

بعد ذلك ظهر الأدهى منه مؤخرًا بصوت مدير مكتب الجنرال واللواء "ممدوح شاهين" بطل التسريبات الأخيرة وعضو المجلس العسكري ومستشاره للشؤون القانونية والدستورية متحدثًا عن رغبته في تمرير قوانين لعرضها على مجلس الوزراء، ما يجيب عن تساؤل من حكم مصر في تلك الفترة التي تلت الانقلاب العسكري مباشرةً، ولكن عند هذا الحد كان الحديث في أمور سياسية إلى أن تحدث رجال الجنرال عن قضية مقتل 37 شخصًا قُبض عليهم عقب فض اعتصام رابعة العدوية وقُتلوا داخل سيارة ترحيلات أمام سجن أبو زعبل، القضية التي قُدم فيها للقضاء عددٌ من رجال الشرطة المتورطين في الحادث، توسط أحد آباء هؤلاء الضباط المتهمين - وهو ضابط بالمناسبة - لدى الجنرال لإنهاء القضية دون إدانة للضباط، فتحدث مدير مكتب الجنرال السيسي للواء ممدوح شاهين عن رغبتهم في إنهاء القضية دون إدانة للضباط فتجاوب شاهين معه، ووعده بالتحدث إلى القاضي لتسهيل بعض الأمور القانونية التي تساعد في براءة الضباط، وهو ما قد حدث بعد ذلك في صدور الحكم على الضباط المتهمين بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ وخروجهم جميعًا.

انتقلت التسريبات إلى مرحلة أخرى بالحديث عن رجال الأعمال وفسادهم؛ فالكاتب "محمد حسنين هيكل" لديه القدرة أن يتحدث إلى الجنرال ورجاله لإزالة اسم ابنه من قوائم المنع من السفر بسبب تورطه مع "جمال مبارك" نجل الرئيس المخلوع "حسني مبارك" في قضايا فساد تتعلق بالبورصة، كما يملك مدير مكتب السيسي اللواء "عباس كامل" أن يرفع سماعة الهاتف ليتحدث إلى النائب العام لحل تلك المعضلة التي تواجه نجل هيكل الذي يبدو وأن كلمته مسموعة لدى الغرف المغلقة العسكرية في كل الأنظمة.

إذن تحالف الجيش بقادته وضباطه والشرطة المصرية كأحد أدوات القمع والقضاء ممثل الغطاء القانوني لقرارات دولة الضباط بالإضافة لرجال الأعمال الفاسدين هم أبرز أبطال هذه التسريبات وهم بمثابة تجسيد واقعي لحقيقة من يحكم مصر.

في أي بلد بالعالم به أقل درجات الشفافية والنزاهة والمحاسبة كانت لتحدث ثورة على كل تلك المؤسسات بعد بيان مدى توغل الفساد فيها دون رقيب وبعد التلاعب الذي أوضحته تلك التسريبات الأخيرة بأرواح البشر بل وبالعدالة بأكملها، وكان من الممكن أن نستعيد في الأذهان فضيحة "وتر جيت" الأمريكية وما فعلته بالنظام هناك وتسريبات ويكيليكس وما أحدثته من ضجة عالمية، لكن الأمر بدا هينًا للغاية لدى النظام في مصر ولم يحدث أكثر من فتح تحقيق في التسريبات لبيان صحتها من فبركتها علمًا بأن النيابة العامة المصرية قد اتخذت موقفًا من التسريبات قُبيل فتح التحقيق حيث اعتبرتها ملفقة وعارية من الصحة ما يؤكد معرفة نتائج التحقيق قبيل بدأها بالأساس.

تحدث الجميع عن كيف تم تسريب هذه المقاطع؟ وفي مصلحة من؟ ومن قام بهذا؟ وهل هذه التسريبات مقصود تسريبها أم لا؟ وكثرت التحليلات بهذا الاتجاه.

لكن لم يسأل أحد إطلاقًا عن لماذا لا يخشى نظام الجنرال من هذه التسريبات أيًا كان مصدرها وسببها، ولماذا لم تُحرك ساكنًا بداخله، بل من الواضح أن النظام متعايش تمامًا معها ويبدو أنها لا تؤرقه بالمرة، وهذا ما سنحاول تحليله للوصول إلى إجابة شافية.

قد يكون اعتماد دولة الجنرالات على عقيدة الصدمة وانتهاجهم لها في إعلان خططهم وأهدافهم واضحًا تمامًا في هذه التسريبات خصوصًا الأولى منها، إذ تحقق معظمها فقد ترشح السيسي للرئاسة وفاز بها وقد استخدم القمع تجاه المتظاهرين ولم يحاسب القائمين به من رجال الشرطة أو الجيش.

فهذا الأمر يستخدمه الجنرال دائمًا في أحاديثه الاقتصادية التي تسحق الفقراء وتقضي عليهم بالتدريج دون أن يواجهه أحد أو يتعرض عليه، ولو كانت هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية متوافرة في نظام آخر لأقامت ثورات وانتفاضات في وجه من تسبب بها، فربما نفس ذلك الأمر يمكن القياس عليه بالنسبة لأمر التسريبات فعلى فداحتها هي تعتبر بمثابة صدمة للجمهور يمكن اللعب على تبعاتها واستكمال الطريق دون أن يعترض أحد.

يعتمد النظام العسكري في مواجهة مثل هذه التسريبات على حاضنته الشعبية التي تُدافع عنه إما بسبب ارتباطهم بمصالح مباشرة مع النظام أو نتيجة تجييشهم في حرب وهمية يعمل النظام على الترويج لها كل فترة ليحافظ على بقائه، فما عادت التسريبات تُجدي معهم إلى الحد الذي خرج فيه أحد الإعلاميين الموالين للجنرال للتعليق على التسريبات الأخيرة بقوله: "إن هذا الأمر تم بعلمنا" وأنهم يعلمون جيدًا ما يدور في الغرف المغلقة وموافقون عليه كليةً، هذا الإعلامي هو أحد الممثلين لجماعات المصالح المستفيدة من النظام والتي تُستخدم في تجييش الحاضنة الشعبية التي تؤيد الجيش وعلى رأسه الجنرال والتي تختزل الوطنية في تأييد طرف الجيش بغض النظر عن كل ما يحدث من كوارث وبغض النظر عن كل ما يقال عن الجيش وقادته، لأن الأمر أصبح شبه عقيدة لديهم فلا يمكن لأحد أن ينتقد سياسات الجيش أو الجنرال إلا ويواجه بكم من التخوين وانعدام الوطنية من الشارع الذي يقف بشكل كبير بجانب تحركات الجنرال ورجاله.

أما في اتجاهٍ آخر، لو افترضنا أن النظام سيحدث له بعض من الاهتزاز نتيجة تشويه صورته بهذه التسريبات فإنه لا يمانع أبدًا من استغلالها في الإطاحة ببعض الوجوه بداخله وما حادثة إقالة اللواء "فريد التهامي" ببعيدة، حيث إن ثمة مصلحة أخرى يرنو إليها النظام قد لاحت في الأفق، فلا يوجد أدنى مانع من التضحية ببعض الرجال لبقاء المجموع وهي إستراتيجية واضحة يعتمد عليها السيسي في حكمه، فمن غير المُستغرب تمامًا أن يُطيح السيسي بأحد الأسماء الواردة في هذه التسريبات كنوع من إضفاء الشفافية على حكمه إذا ما أحس بأن لهذه التسريبات صدى في الشارع أو تأثير سلبي، لكن الأمر حتى الآن يسير في اتجاه العدم، فالتسريبات لا تُقيم حجة على نظامه أمام الشعب حتى الآن، وإن أقامت فالقمع وسيلة لن يعدمها أمام المعترضين من كافة التيارات وهو أمر آخر يعتمد عليه النظام في مصر بسياسة ممنهجة واضحة، إن القمع والتنكيل سيكون مصير من يعارض أو يستغل هذه التسريبات داخليًا، وطالما الأمر لا يتجاوز الفضائيات الخارجية فأمن الجنرال ونظامه مستتب.

أمر مستجد يجعل الجنرال في مأمن من مغبة التسريبات، إذ إن الظرف الإقليمي في صالحه وأن ثمة شيكًا قد وُقع على بياضٍ للجنرال ونظامه يحق للجنرال به استخدام كافة الوسائل للوصول لأجندته الداخلية مقابل انبطاحات إقليمية ودولية، كنتيجة للتغاضي عن تلك الأمور التي تظهر ضد النظام فلم نسمع أي إدانة خارجية أو تعليق على هذه التسريبات ولم تهتم الصحافة العالمية الاهتمام الأمثل بالأمر، والنظام يسير بخطى ثابته تجاه مآربه ولكن مع بعض الإزعاج القادم من هنا أو هناك لكن كل شيء على ما يرام بعد تخلصه من الصداع القطري الذي كان ليقوي من شأن هذه التسريبات إذا اُستغلت إعلاميًا بآلته الإعلامية القوية التي سكتت عن الجنرال، كذلك الأمر مع إرهاصات المصالحة التركية التي تلوح في الأفق؛ كل ذلك يُفقد التسريبات قوتها في وجه السيسي ورجاله.

هذا الظرف الإقليمي أيضًا أثر بالسلب على القوة الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين فالترويج لمثل هذه التسريبات الأخيرة هو أضعف بكثير من سابقه في وجود قنوات احترافية تعمل على الترويج للتسريب بأكثر من طريقة بحيث يصل إلى الجمهور، فالتخلي الإعلامي القطري عن الجماعة لا شك وأنه أثر على هذه التسريبات ولم يجعلها تُحدث النكاية المطلوبة في النظام لاسيما وأن القنوات الأخيرة التي بثت التسريبات لا تحظى بأي شعبية في مصر سوى بين الرافضين للانقلاب العسكري ومعظمهم من جمهور الإخوان المسلمين، ولا تتمتع بنفس الشعبية التي تملكها قنوات الجزيرة في مصر بالرغم من الحملة التي يشنها النظام تجاهها وبالتالي ليست لها نفس المصداقية فالأمر لم يأخذ شكل البروباجاندا الكافي نظرًا لتواضع الإمكانيات الإعلامية للجماعة وحلفائها.

أمر لا يخفى على أحد لا يجعل لهذه التسريبات قيمة حقيقية أو أثر هو أن هذه الدولة المكونة من طوائف تمثل نظام الحكم موزعًا بين الرئاسة ووزارة الدفاع والأجهزة السيادية وجهاز الشرطة والقضاء ورجال الأعمال المالكين للإعلام متمكن تمامًا من مفاصل الدولة، وقد يبدو أن ثمة صراعًا بين بعضهم البعض لكنهم متفقون على الحد الأدنى من المحافظة على روح النظام، فمن سيحاسب من في هذه التسريبات؟ هل الجيش سيحاسب الرئيس وقادته أم القضاء سيحاسب الشرطة بعدما تورط معاها في التسريبات أم أن رجال الأعمال سيحركون الإعلام الخاص بهم لإذاعة التسريبات التي تهدد مصالحهم المباشرة؟ فالأمر أصبح معقد للغاية والجميع مُدان في القضية برمتها فلا يستطيع أحد التنصل منها والحديث خارج السرب، فالآن أصبحنا أمام دولة مُدانة بأكملها في قضية التسريبات، وهذا يخدم الجنرال وبالتأكيد هو في قمة الفرح والسعادة به وهذا أحرى ألا يعطي بالاً للأمر.

ولا مانع من أن يتخذ النظام مناعة احتياطية ضد هذا الإزعاج بتحريك رجال الأعمال لقنواتهم الخاصة بافتعال مشكلات وأزمات تأخذ حيزًا كبيرًا من الرأي العام، وتنحى بها في اتجاه بعيد عن الأمور السياسية أو عن أمر التسريبات بالتحديد، فتغييب وعي الجمهور هو حائط الصد المنيع الذي يعتمد عليه النظام من خلال الإعلام الموالي له وبالتالي فإن وقته بالتأكيد قد حان لمواجهة مثل هذه التسريبات.

سيفتح تحقيق جديد في التسريبات الأخيرة دون أن يعلم أحد نتيجة التحقيق الأول بالأساس وسيستمر النظام في كونه الخصم والحكم دائمًا حتى لا يشكل أحد أو شيء تهديد لوجوده وبقائه وستظل التسريبات تُعلن عن وجه النظام الحقيقي الذي لا يخجل منه بأي حال من الأحوال.

فالنظام لا يأخذ مسألة التجمل بشيء من الجدية، وذهب البعض إلى القول إن النظام يُعلن عن نفسه من خلال هذه التسريبات، فلا يستطيع أحد أن يحرك ساكنًا بعد أن يتملكه اليأس والإحباط من هذا النظام الذي يتواطأ فيه الجميع على الشعب فهذا يُحبط الروح اليائسة لأي محاولات للتغيير فلسان حال البعض "الجيش والشرطة والقضاء والإعلام" يتآمر على الثورة فأي ثورة تنجح، ورجل الشارع العادي يعتقد أنه وقع في ورطة بين كل تلك الجحافل الفاسدة التي تريده أن يقول "لا فائدة من المعارضة"، فلا تستطيع القوى الفاعلة في الشارع استغلال الحدث بعد السلبية التي أصابت كثير في الشارع أمام تعالي أصوات البطش والقمع.

أشعلت تلك التسريبات الأخيرة مواقع التواصل الاجتماعي في غيابٍ تام للمتيمين بحكم الجنرال، وسيطرت الروح الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي في تناولها لكافة القضايا على الساحة في الفترة الأخيرة، فقد تكون مواقع التواصل الاجتماعي هي رأس الحربة الآن للترويج لتلك التسريبات بين قطاع واسع من الشعب المصري ليس بينه وبين الجنرال "عمار" كما يُقال، ألا وهم الشباب الذي لم يستطع السيسي ونظامه استرضاءهم لا في الجامعات ولا في الشارع.

ولكن الأمر لا يعدو عن كونه ظاهرة إعلامية نجح النظام في احتوائها بكل تلك العوامل التي سردناها آنفًا فجعلته لا يخشها ولا يتحرز لها كثيرًا، ولكن ربما يكون الأمر تراكميًا وذا فائدة مستقلبية للحراك الثوري في مصر إذا أُعيد إحيائه أثناء لحظات ضعف النظام وهذا وضع مستقبلي غير مضمون وموضوع بين خيارات وأدوات القائمين على الحراك، بينما الوضع الحالي يؤكد أن النظام غير قلق من تلك التسريبات ولا يحمل وزرها أمام الناس إلى أن يجد جديد في الشأن المصري.