ترجمة وتحرير نون بوست

يزداد الحديث هذه الأيام عن إعادة رسم الخارطة في الشرق الأوسط، ولكنه قليلًا ما يأتي على ذكر القارة الهندية، التي شكّل البريطانيون خارطتها، إذ تجري تغيّرات قد تطال هذه المنطقة، وفي فترة ليست بعيدة كما قد نظن.

يعتقد الكثيرون أن باكستان كيانًا اصطناعيًا صِرفًا، بيد أن هذه النظرة ليست دقيقة، إذ تجسد باكستان بشكل عام ثمرة الحضارات والغزوات المتعاقبة التي تمركزت في وادي السند، بدءًا من حضارة هارابّا، التي امتدت من بلوشستان وحتى كشمير قبل الميلاد، وحتى مختلف السلطنات الإسلامية التي حكمت المنطقة الواقعة اليوم في أفغانستان وباكستان وشمال الهند، في الحقيقة، لطالما كانت الجغرافيا بين أفغانستان وشمال الهند موحدة، في حين كان شمال الهند منفصلًا عن جنوبها في أغلب الأوقات.

من إذن رسم الخارطة كما هي الآن؟ إنهم البريطانيون، الذين وحّدوا شبه القارة الهندية بالكامل في القرن التاسع عشر عبر خطوط السكك الحديد التي بنوها من كاراتشي إلى تشيتاجونغ في بنغلادش اليوم، ومن سريلانكا إلى حدود أفغانستان التي ظلت عصية عليهم، وخارج نطاق حكم إدارتهم الاستعمارية لتلك المنطقة.

بيد أن تلك المنظومة قد بدأت في التهاوي منذ ما لا يقل عن ثلاثة عقود، حيث بدأ الخط الفاصل بين أفغانستان وباكستان في التلاشي تدريجيًا إبان الغزو السوفيتي، والذي خلق فيضًا من اللاجئين الأفغان نحو باكستان، ومسح الحدود الفاصلة بين البشتون في جنوب وشرق أفغانستان والبشتون في غرب باكستان، وأثّر بشكل غير مسبوق على طبيعة السياسة الباكستانية، وجعل إسلام آباد أقل قدرة على بث سلطانها المركزي نظرًا لضلوعها لوقت طويل في صراع غير تقليدي وغير مركزي عبر حدودها.

بالنظر لانسحاب القوات الأمريكية الجاري حاليًا، تُطرَح اليوم الكثير من الأسئلة حيال مستقبل أفغانستان، وبالتبعية باكستان، وما إذا كانت تلك المنطقة ستكون أكثر هشاشة وقابلية للتفكك بعد رحيل الأمريكيين، السؤال الرئيسي هنا هو ما إذا كانت باكستان كدولة ستنجو بحدودها مع الهند من توابع ذلك الانسحاب، كما أن هناك سؤالًا على الناحية الأخرى من القارة عن بنغلادش، والتي تعاني هي الأخرى من دولة ضعيفة ذات حدود مصطنعة، تخلق أزمة لاجئين في شرق الهند التي تضم نصف ولاية البنغال الأخرى وعاصمتها كالكوتا.

كما قلنا، باكستان ليست دولة مصطنعة بالكامل، ولكنها مصطنعة نوعًا ما نظرًا لاتساع الديمغرافيا المسلمة في شتى أنحاء القارة الهندية، والتي حاولت إسلام آباد منذ ميلادها ادعاء كونها الممثل الوحيد لها بحجمها الصغير والمحدود في شمالي غربي القارة، ما يعنيه هذا هو أن بقاء باكستان كدولة هو رهن قدرتها على خلق دولة مؤسسات قوية وفعّالة، وكذلك امتلاكها لمجتمع مدني قوي ومؤثر في جوارها القبلي، كما هو واضح، لا تملك باكستان حاليًا أيًا من  تلك الشروط.

تباعًا، ستترتب نتائج عديدة على انسحاب الأمريكيين الآن من أفغانستان، أولها تمدد النفوذ الإيراني في غرب ووسط البلاد، وكذلك تعزيز النفوذ الإيراني في الشرق؛ سيؤدي هذا بالطبع إلى ضغوط على مشروع باكستان في المنطقة، لاسيما وهي غير قادرة على دعم طالبان بشكل مفتوح وغير محدود كما كانت في تسعينيات القرن الماضي نظرًا للمشكلة الداخلية التي تعانيها مع طالبان باكستان، بدورهم، سيحاول السعوديون دعم باكستان بشتى الطرق لاحتواء النفوذ الإيراني المتزايد، وكذلك الروس عبر حلفائهم من دول أسيا الوسطى، والتي تتقاطع ثقافات بعض من شعوبها مع الإثنيات الموجودة في شمال أفغانستان، أما الهند فستحاول التنسيق مع الإيرانيين والروس قدر الإمكان لبث نفوذها وتحديد الدور الباكستاني والسعودي.

بالطبع لن تنهار باكستان هكذا بين ليلة وضحاها، ولكنها ستفعل بشكل تدريجي، وسيحاول الكثير من أنصارها، والمهتمين ببقاء الوضع كما هو عليه في المنطقة بشكل عام، وإنكار سقوطها.

ما هي العلامات الأبرز لانهيار الدولة الباكستانية إذن؟ ستتجلي تلك العلامات في فشل الدولة في القيام بمهام مدنية رئيسية، مثل انقطاع الكهرباء والمياه، وتدهور المجال المدني، وعدم القدرة على الحركة في الداخل نظرًا لتدهور الوضع الأمني في مناطق عدة، وهي مشاكل موجودة بالفعل منذ زمن طويل، ولكنها ستزداد بشدة بشكل غير مسبوق.

حين تصبح باكستان، أو أي دولة، غير قادرة على احتكار القوة المسلحة، وغير قادرة على تزويد القاطنين فيها بالخدمات العامة، فإنها ستكون في طريقها إلى التفكك، حتى ولو كانت الديمقراطية الإجرائية تتحسن فيها، كما نرى منذ سنوات، فمقادير الأمور في إسلام آباد في نهاية المطاف ستتحدد بالوقائع على الأرض في مناطق مثل بلوشستان وكراتشي وبيشاور، أكثر منها بالسياسة التقليدية والانتخابات.

إلى ما قد يؤول الوضع في باكستان إذا ما وقع سيناريو كهذا؟ ستصبح بالأساس تحت قبضة السياسة المحلية، وسنرى بوضوح الاتجاه الانفصالي في بلوشستان والسند اللتين لم تقبلا أبدًا بدولة باكستانية مركزية قوية منذ تقسيم الهند، وقد قالت لي قيادات من المنطقتين بوضوح بأنهما تفضّلان دلهي على إسلام آباد كشريك في المنطقة؛ وهو ما يعني بزوغ المنطقة الأفغانية البشتونية مع الوقت كقلب الفوضى والعنف في القارة الهندية، وإعادة انفتاح ولايتي البنجاب الهندية والباكستانية، ذات الثقافة واللغة المشتركة، على بعضهما البعض.

ماذا سيكون موقف الهند؟ على العكس مما يظن كثيرون، لن يروق أي من هذا للهند، والتي تحبذ بقاء الأمور على ما هي عليه بدلًا من انزلاق جوارها إلى الفوضى، ولكنها شاءت أم أبت ستحتاج إلى مواجهة واقع تحلل سلطان إسلام آباد، والتغيّر الذي سيعنيه ذلك للخارطة الهندية، والاضطلاع بدور أكبر مما تقوم به حاليًا كقوة من الدرجة الثانية على الساحة الدولية، وهو دور تنبأ به هنري كسنجر في كتابه عن النظام العالمي، والذي قال فيه إن الهند ستكون نقطة ارتكاز الجغرافيا السياسية العالمية في القرن الواحد والعشرين.

بالنظر لوقوعها بين الشرق الأوسط، بالتحولات الجذرية الجارية فيه، والشرق الأقصى، بالاضطرابات غير المسبوقة بين أقطابه الرئيسية، قد تكون الهند بالفعل في القلب من تحولات الخارطة السياسية العالمية للقرن القادم، ما إذا كان ذلك سيعزز من ثِقَل دلهي، أو يُثقل كاهلها بما لا تريد، هو أمر سيعتمد على رؤى القائمين عليها حينذاك.

المصدر: فوربس