شن مسلحون برشاشات خفيفة هجومًا على مبنى مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية في العاصمة باريس، مرددين شعار "الله أكبر" ومتحدثين باللغة الفرنسية أثناء قتلهم لـ 12 شخصًا من بينهم 4 من أبرز رسامي المجلة ورجلي شرطة حاولا التصدي لهما.

ويعتبر الاعتداء الذي استهدف المجلة الفرنسية الساخرة هو الاشد دموية في فرنسا منذ أربعين عاما حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وفي مقطع فيديو نُشر على شبكة الإنترنت صوره مواطنون كانوا متواجدين في المباني المقابلة لمبنى المجلة، أظهر المسلحون الملثمون حرفية عالية في التحرك ودقة في التنفيذ، كما أنهم تمكنوا من الفرار ووجدت السيارة التي كانا يركبانها فارغة في أحد الشوارع الفرعية.

http://www.youtube.com/watch?v=zUWUaxd-190

ومجلة "شارلي إيبدو" هي أشهر مجلة كاريكاتير ساخر في فرنسا، وعُرفت طيلة العقود الماضية بجرأتها التي لم يسلم منها أحد، حيث سخر رساموها من كل الديانات ومن كل التيارات السياسية، وكان القائمون عليها يدافعون عن مستوى السخرية الذي يكون شديد الانحطاط أخلاقيُا في العديد من الأحيان مع التأكيد على حقهم في حرية التعبير وعدم الرضوخ لأي قيود مهما كانت.

وتفتخر مجلة "شارلي إيبدو" باستفزاز الجميع على قدم المساواة، ومن دون أي تمييز بينهم ومن دون خوف أو محاباة. ويضع رسامو الكاريكاتير والكُتّاب في الصحيفة نصب أعينهم الديانات الرئيسية في العالم والسياسيين والمشاهير، رافعين لواء حرية التعبير وساخرين مما يسمى باللياقة السياسية. وأُسست هذه الصحيفة الأسبوعية -ذات التوجهات اليسارية- عام 1970 لتخلف صحيفة "هارا كيري" الأسبوعية التي تم حظرها بسبب محتواها الذي اعتبرته السلطات الفرنسيةعدائياً للغاية حينئذ.

ورغم أن رسامي المجلة تعرضوا لكل الديانات فإن أكثر من أثارت تلك الرسوم غضبهم في السنوات الأخيرة هم المسلمون، حيث نشرت في سنة 2006 في صفحاتها 12 رسمًا كاريكاتوريًا مسيئًا للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، وصورًا أخرى ساخرة من الذات الإلهية، وفي سنة 2011 أصدرت المجلة عددًا تحت عنوان "شريعة إيبدو" مباشرة بعد فوز حركة النهضة بالانتخابات التأسيسية في تونس، واختارت المجلة وقتئذ غلافًا تضع فيه كاريكاتيرًا تجسد فيه الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال ناشرو الصحيفة حينها إن "النبي محمد هو كاتب ومحرر ضيف لهذا العدد”، وإن "النبي محمد يهدد بـ100 جلدة لكل من يقرأ مقالات هذا العدد من دون أن يموت ضحكاً".

وفي اليوم الذي تم فيه نشر هذا العدد من الصحيفة في أكشاك الجرائد تم تفجير مقر الجريدة في باريس، في حين تم شراء كل نسخ هذا العدد في غضون ساعات فقط ودافع السياسيون الفرنسيون عن "حق صحيفة شارلي إيبدو في حرية التعبير".

وكثيراً ما اضطر ممثلو صحيفة "شارلي إيبدو" إلى المثول أمام القضاء والمساءلة في المحاكم بسبب تهم تتعلق بقضايا التشهير، كما أنها أثارت أيضاً ناراً حقيقية بسبب نشرها الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد في عدة مناسبات. وكانت الصحيفة مثار جدل في فبراير 2006، حين أعادت الصحيفة نشر اثنين من الرسوم الدنماركية المسيئة للنبي محمد، وهي رسوم كانت قد أدت بالفعل إلى أعمال شغب قاتلة قبل ذلك.

وفي يناير 2013، نشرت الصحيفة إصدارا مؤلفاً من 64 صفحة، ووصفت هذا العدد بأنه الجزء الأول لسلسلة من الرسوم الكاريكاتورية التي تصور حياة النبي محمد. وعلق ستيفان شاربونييه رئيس تحرير الصحيفة بمناسبة نشر هذا العدد قائلاً: "إذا أراد الناس الشعور بالصدمة فإنهم سيشعرون بالصدمة" عند تصفح هذا الإصدار من الصحيفة.

وفي إطار ردود الأفعال التي تلت الحادثة، كتب المفكر الإسلامي، طارق رمضان، تعليقًا باللغتين الإنجليزية والفرنسية استنكر من خلاله الحادثة وقال عبره إن الهجوم لم يكن انتقامًا للرسول وإنما انتقامًا من الإسلام ومن قيمه وأخلاقه، مع العلم أن طارق رمضان كان من أشد منتقدي المجلة ووصف السخرية التي تقدمها خلال مناظرة بينه وبين مدير المجلة بأنها سخرية جبانة وتبحث عن الظهور عبر استفزاز مشاعر المسلمين ثم الاختباء خلف ذريعة حرية التعبير.

كما أدان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية "الهجوم الإرهابي ذا الطبيعة العنيفة الغريبة الذي استهدف مجلة شارلي إبدو ". وأكد المجلس في بيان "هذا العمل الهمجي الخطير للغاية هو أيضا هجوم على الديمقراطية وحرية الصحافة".

ومن بين الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها المجلة، رسم ساخر من جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ويظهر في الكاريكاتير صاروخ إسرائيلي وهو يقترب من أحد مقاتلي المقاومة الإسلامية، في حين يقول المقاوم: "الرحمة! لست تلميذًا ولست من العزل"، فيرد الإسرائيليين: "عفوًا نحن آسفون"، مشيرين بذلك إلى استهداف الإسرائيليين للمدنيين والعزل والأطفال دون غيرهم.

ونُشرت في أعداد الصحيفة آلاف الرسوم الكاريكاتورية التي طالت الجميع بما في ذلك الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، الذي ظهر في أحد الرسوم وهو يتلقى النصائح من بشار الأسد حول كيفية التعامل مع العرب المهاجرين إلى فرنسا ويقول له: "لا تتعب نفسك بالعرب"، ورسم آخر "لا أخلاقي" يسخر من الرئيس الفرنسي الحالي بعد الفضيحة التي تعرض لها حول علاقة سرية تجمعه بفنانة فرنسية.

وبعد اجتماع حكومي طارئ، قررت الحكومة الفرنسية رفع التأهب الأمني إلى أقصى درجاته في العاصمة باريس ونواحيها، كما زار الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، مقر الصحيفة وندد بالهجوم واعتبره "إرهابيًا"، وقال: "هذا الهجوم يمس صميم مبادئ الجمهورية الفرنسية، وهي الحرية وحرية التعبير، وهو غير معزول عن العمليات الإرهابية التي شهدتها فرنسا من قبل".

ويُعتقد أن المضايقات التي يتعرض لها مسلمو فرنسا من قِبل متطرفي الإسلاموفوبيا ستتزايد بعد هذه الحادثة، حيث تشهد فرنسا منذ سنوات تزايدًا في نسق العمليات المعادية للإسلام والمسلمين، كما يُفترض أن يستغل سياسيو اليمين المتطرف هذه الحادثة لتمرير مشاريعهم السياسية المعادية للمهاجرين العرب.
وفي ذات السياق، وأثناء تغطيته للحادث، قال مراسل الجزيرة في باريس نور الدين بوزيان إن تداعيات الهجوم لن تكون سهلة على المسلمين في فرنسا.
http://www.youtube.com/watch?v=oi70-kAEKPY

بعض المعلقين ربطوا أيضا بين الحادث واستغلال الديكتاتوريين العرب له لتسويق قمعهم للإسلاميين.

العديد من المعلقين حول العالم شاركوا بالعديد من الكتابات المتضامنة مع ضحايا الهجوم، والتي تضمنت عددا من الاتهامات للمسلمين، وأخرى في الدفاع عن المسلمين والإسلام، وغيرها في الإعلان عن مسؤولية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عن العمليات، وآخرون قاموا بإعادة نشر كاريكاتيرات المجلة، ونُشر تحت هاشتاج فرنسي بعنوان “أنا شارلي”  #jesuischarliehebdo أكثر من 300 ألف تغريدة حتى كتابة هذا التقرير

آخرون أيضا كتبوا في مدح العملية، وكتبوا تحت عدة هاشتاجات من بينها #باريس_تشتعل

مشيخة الأزهر، وجامعة الدول العربية، والخارجية المصرية، والبحرين والإمارات، قاموا بتعزية فرنسا واستنكار الحادث، إلى حد أن استفز بعض المعلقين لتجاهل أخبار مقتل أكثر من أربعين يمنيا في صنعاء.