“ماذا تكتب! قُل لي وإلا توقف عن هذا الهراء فورًا!”، هكذا صرخ بوجهي، ولكنني لم أتوقف… بدأ جندي المارينز في إلقاء الكراسي من حولي وضربني برأسه، ونعتني بكل ما يمكن أن تتخيله بلا سبب واضح… أنا وعائلتي وديني، ناهيك عن التهديدات بإلحاق الضرر بأهلي ردًا على “الجرائم” التي ارتكتبها… كنت أعلم أنه يتحدث بالنيابة عن أقوى بلد في العالم، وأنه يتمتع بالدعم الكامل من حكومته… “هل تعرف من استضافنا؟ الرئيس بنفسه! وأمضينا وقتًا طيبًا بالبيت الأبيض،” هكذا قال ذات مرة… ولكنني سأوفر عليك عزيزي القارئ عناء معرفة تفاصيل ما نعتني به لأنه ببساطة رجل مجنون أخذ يسألني عما لا أعرف، وعن أسماء لم أسمعها قط في حياتي… وأخذ يسألني ويجيب على أسئلته بنفسه!

هذه السطور، والآلاف غيرها، ستجد طريقها اليوم إلى المكتبات في بريطانيا وحول العالم، بعد أن ظل يكتبها الموريتاني محمد ولد صلاحي من سجنه في غوانتانامو خلال عام 2005 في 466 صفحة، واصفًا فيها كل ما رآه وعاشه في السجن، والذي لا يزال قابعًا فيه لأسباب لا تبدو منطقية سوى لسجّانيه في الدولة الأمريكية.

لماذا تأخرت تلك المذكرات لتسعة أعوام قبل أن تصل للقراء؟ لأن كل ما خطته يد محمدو، وبموجب الرقابة الصارمة في سجن غوانتانامو، تم التحفّظ عليه باعتباره وثائق سرية، وإرساله إلى الحكومة الأمريكية للمراجعة ليخُتَم بكلمة “سري” SECRET، وكلمة “نوفورن” NOFORN، أي أنه لا يمكن إفشاء محتواه للعامة ولا حتى للحكومات والاستخبارات الأجنبية.

لسنوات طويلة، خاض محامو محمدو معارك مضنية للوصول إلى مذكراته، وهو ما نجحوا فيه بالفعل عام 2012، لتُنشر في العشرين من يناير من قبل دار النشر البريطانية “كانون جيت”، وبعد أن قام بتحريرها لاري سيمز، مدير برنامج حرية الكتابة لدى مركز “بِن” الأمريكي، ومؤلف كتاب “تقرير التعذيب: ماذا تقول الوثائق عن برنامج التعذيب الأمريكي بعد 11/9.”

كيف بدأت رحلة محمدو وكيف انتهى به الحال في غوانتانامو؟

وُلِد محمدو عام 1970 لإحدى عشر أخٍ وأخت، ولأب كان يرعى الجمال والبقر في مدينة روصو الواقعة على الحدود مع السنغال، والذي توفي حين بلغ محمدو 13 عامًا، لتتجه الأسرة بكاملها إلى العاصمة نواكشوط. في عام 1988، حصل محمدو، الذي عشق الكرة والسينما، على منحة للدراسة في ألمانيا، وتخرّج من قسم الهندسة بجامعة دوسبورج، ثم عاد ليتزوج ويستقر في نواكشوط.

في عام 1991، سافر محمدو إلى أفغانستان، وخاض تدريبًا عسكريًا في قندهار، وأعلن ولاءه للقاعدة، ولكنه على حد قوله شعر بالضجر مع الوقت، وبالكاد أطلق النيران من سلاحه بوجه النظام الشيوعي الذي حكم البلاد آنذاك. لاحقًا، عاد محمدو لألمانيا وعمل كمهندس كهرباء لسبع سنوات، ثم انتقل لمونتريال في كندا حيث أمّ صفوف المصلين في إحدى جوامع المدينة.

طوال تلك الفترة، احتفظ محمدو بتواصله مع مجموعة من أعضاء القاعدة، أحدهم كان قريبًا له وادعى العمل بالقرب من بن لادن، واثنين منهما التقاهما عام 1999 في ألمانيا، وشاركا لاحقًا في حادثة 11 سبتمبر. يقول محمدو أنه تخلى عن ولائه للقاعدة عام 1992، وقد نفى الاتهامات الموجهة له بأنه ساعد على جلب أعضاء جدد للتنظيم أثناء إقامته بألمانيا وكندا، ولكن تلك التجارب العابرة، والتي لم تستمر سوى لبضعة أعوام، كانت قد جذبت الأنظار بالفعل.

في عام 2002، خرج محمدو من منزله في نواكشوط متجهًا إلى مقر الشرطة الموريتانية للإجابة على بعض الأسئلة، ولم يعد منذئذ.

بعد بضعه أشهر في غوانتانامو، انتقل محمدو إلى سجن “خيالي” بالأردن، ولكن ذلك لم يكن سوى جزءًا من الخطة التي وافق عليها وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد، والتي تتضمن عملية يعتقد المسجون معها أنه قد تم نقله إلى بلد آخر، وتعريضه لأساليب تعذيب أشد وعلى أيدي فرق تعذيب غير أمريكية أحيانًا، لكن محمدو كان يعلم كل ذلك، وسمعه حين وصل إلى غوانتانامو من العشرات.

لم يكن محمدو في طريقه للأردن، ولكن نُقِل في شاحنة لساعات تعرّض فيها للضرب والسب، ثم إلى مركب سريع قيل لهفيه أنه في وسط المحيط ليوقن أنه منقول إلى بلد آخر، ثم وجد نفسه على شاطئ مجهول بعد ساعات لم يعد يستطيع معها الكلام بوضوح، نظرًا لتورم شفتيه من الضرب وإجباره على شرب الماء المالح من البحر.

بوصوله للشاطئ، وجد محمدو رجلًا مصريًا وآخر أردنيًا، استأنفا حفلة التعذيب بتغطية وجهه بكيس أسود، ووضع مكعبات ثلج داخل ملابسه، على غرار التعذيب في العصور الوسطى، وبين الحين والآخر، كان أحدهم يضربه بعصا على ما يبدو ليكسّر الثلج داخله، والذي غطا جسده بالكامل من عنقه وحتى أخمص قدميه، أو بضربه على وجهه المغطى كما فعل النازيون يومًا ما في ضحاياهم.

“حين سمعت الكلمات العربية بين المصري والأردني، وشعرت بهما من حولي في البداية، شعرت ببعض الدفء، ولكن ذلك الشعور ما لبث أن انقشع،” هكذا يقول محمدو في مذكراته.

جرت محاولات عدة لمحاكمة محمدو عسكريًا منذ وصوله للسجن بتهمة دعم الإرهاب ماديًا، ولكنها محاولات باءت بالفشل نظرًا لرفض الكولونيل الأمريكي ستوارت كاوتش الضلوع في أي من هذه الإجراءات المشينة، والتي رآها بأم عينه في غوانتانامو، وفي اعترافات الكثير من المسجونين التي أيقن أنهم تعرضوا للتعذيب ليتفوهوا بها.

بالإضافة إلى ذلك، رفضت محكمة أمريكية الاتهامات الموهجة لمحمدو، وقالت بأن “الدلائل على تزويد محمدو للإرهابيين بالدعم المادي ضعيفة، ومشوبه بالإكراه وسوء المعاملة، ولا يمكن بناء حكم جنائي استنادًا بها،” وهو أمر تأكد بالفعل في إحدى التحقيقات التي قامت بها لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، والتي أخذت على عاتقها تعقب مساوئ منظومة التحقيق مع المساجين في غوانتانامو، لتكشف أن محمدو مُنِع من النوم، وتعرّض للأضواء الشديدة، وتم وضع رأسه تحت الماء، وإجراء تحقيقات معه وصلت لعشرين ساعة متواصلة، وتهديده بالكلاب، وإجباره على ملامسة المحققات من الإناث، واتخاذ أوضاع تقوم بها الكلاب.

حاول الضالعون في عالم غوانتانامو حماية سمعتهم وأساليبهم، واقترحوا على الكولونيل موريس ديفيس، النائب العام المختص بلجان جونتانامو، أن يدلي بأقواله في القضية، ويقول بأن أساليب التعذيب تلك تؤدي للحصول على معلومات مفيدة وضرورية، وهو ما رفضه الكولونيل واستقال على إثره، ليفشي لنا الكثير عما يجري داخل السجن، ولمحمدو بالتحديد، والذي يقول بأن المسؤولين عنه يعلمون جيدًا أنه ليس إرهابيًا.

بالنظر لغياب أي سند قانوني لاستمرار سجنه في غوانتانامو، طلبت محكمة أمريكية الإفراج عنه، ولكن وزارة العدل الأمريكية استأنفت، لتجبر المحكمة على إعادة النظر في القضية، وليظل محمدو إلى اليوم أسير سجاني وجنود غوانتانامو.

في حديث للجمهور إبان صدور المذكرات، تحدث لاري سيمز عن الصعوبات والعقبات والتي واجهته لنشر المذكرات، والتي شملت 2500 حادثة تنقيح وحذف قبل السماح بالوصول للمذكرات لحماية معلومات سرية، طبقًا للحكومة الأمريكية، وهي أجزاء ستظهر كمقاطع أو كلمات محذوفة في الكتاب المنشور لتفضح الرقابة الصارمة وتقييد الحرية الذي تمارسه واشنطن، ولتجبر الناس على مواجهتها أثناء قراءة المذكرات، وربما الضغط من أجل نشر المذكرات كاملة، بكل الأسماء التي ذكرها محمدو، وكل التفاصيل والوقائع.

جزء من المذكرات بصوت الممثل البريطاني المرموق كولين فِرث

بالتزامن مع نشر الكتاب، نشرت صحيفة الغارديان اليوم على موقعها فيديو قصيرًا من إنتاجها يحكي حكاية محمدو ولد صلاحي، كما وضعت رابطًا متاحًا للمذكرات الكاملة كما هي بخط يده — وإن بالأجزاء المحذوفة أيضًا.

لمشاهدة الفيديو الذي أنتجته صحيفة الغارديان
لمطالعة مذكرات محمدو كاملة بخط يده باللغة الإنجليزية