منذ سقوط الدولة المركزية في الصومال واندلاع الحرب الاهلية والصوماليون يحاولون الخروج من ازمتهم بشتى الطرق، فمنذ عام 1991 والمؤتمرات تتوالى تباعاً. اهم هذه المؤتمرات هو مؤتمر عرتا التاريخي الذي افتتح رسمياً في 2 مايو/ أيار عام 2000م بمدينة عرتا على بعد 40 كيلومتراً غربي العاصمة جيبوتي. استمر المؤتمر مدة اربعة شهور وشارك فيه اكثر من 450 مندوبا صوماليا يمثلون مختلف الفعاليات الصومالية وبحضور كثيف لممثلي المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بالشأن الصومالي، بالإضافة إلى ممثلي دول الجوار. 

في نهاية المطاف نجح اعضاء المؤتمر في الاتفاق على صيغة شبه فدرالية على تقسيم الادارة الحاكمة للبلاد وتشكيل أول مجلس تشريعي وانتخاب أول رئيس صومالي منتخب بشكل حر ونزيه منذ ما يقرب عقدين من الزمن ليقود المرحلة الانتقالية، وهو ما اعتبر في حينه حدثا تاريخيا بالغ الأهمية.

بعد عامين من عرتا، لم يتحق الكثير من حكومة عبدالقاسم صلاد رئيس الدولة المنتخب في عرتا، وكان لزاماً عقد مؤتمر آخر وهو مؤتمر المصالحة الصومالية في كينيـا -المعروف بمؤتمر امبغاتي-  والذي استمر قرابة سنتين 2004-2002 تمخضت عنه في نهاية المطاف حكومة صومالية فيدرالية مؤقتة قائمة على أساس ميثاق فيدرالي حيث يتم تقسيم السلطات ما بين ولايات صومالية متحدة ومتوافقة فيما بينها. 

تعريف الفدرالية:
الفدرالية كلمة ذات اصل لاتيني تعني الميثاق، اي عقد ميثاق يوحد الاهداف ولو اختلف الجزئيات، إذ أن الميثاق المبرم بين الاطراف يخيلهم الى تجاوز خلافاتهم الفرعية ليدير كلٌ على حدة اموره الادارية ولكنهم صفٌ واحد بسيادتهم ووحدة ارضهم ضد اعدائهم.
فالفيدرالية نظام لتقاسم السلطة واتخاذ القرارات المهمة للشعب وللوطن فهي تحفظ من جهة وحدة الدولة وسيادتها على ارضها وكيانها السياسي، ومن جهة أخرى تمنح الأقاليم حريتها لادارة نفسها بنفسها، سياسياً واقتصادياً وادارياً. وفي نفس الوقت يكون للاقاليم نصيبهم من التاثير والمشاركة في الحكومة الفدرالية
هناك ما يقرب من 193 دولة في الامم المتحدة، حوالي 30 دولة من هذه الدول هي دول فدرالية، منها الارجنتين، الهند، البرازيل، أستراليا، نيجيريا، إثيوبيا، كندا، المانيا، جنوب افريقيا، كينيا، فنزويلا والمكسيك. وطبعاً الولايات المتحدة الامريكية وسويسرا وهما اقدم دولتين فدراليتين في العالم.
من الملاحظ ان معظم هذه الدول ان لم اقل كلها، تعيش نوعاً من الاستقرار والازدهار لشعوبها، حيث ان الواجبات والحقوق واضحة ولا يمكن لفصيل فكري او لعرق معين ان يستاثر بالحكم ويظلم بقية الشعب. كل دولة من هذه الدول تطبق فدرالية خاصة بها، وعليه فإن الفدرالية غير مقتصرة على الدول ذات الاحجام الكبيرة كالولايات المتحدة وكندا بل نجدها في دول صغيرة ايضاً كالامارات العربية وجزر سانت كيتس ونيفيس في منطقة شرق البحر الكاريبي وهي جزر صغيرة للغاية.

الفدرالية وأهميتها للصومال:

مر الصومال بفترة حروب أهلية خلقت جوا من عدم التفاهم، والا اريحية للآخر، وفقدان الثقة بين القبائل، والخوف من عودة النظام الدكتاتوري المتسلط، وهذا يجعل النظام الفدرالي ضرورياً لوحدة الصومال وسيادته على جميع اراضيه. 

النظام الفدرالي يمكن هذه القبائل او المناطق من تكوين دويلات ذات سيادة ذاتية في حين تشارك المصالح العامة مع باقي الدولة بشكل يحفظ لها نوعاً من الاستقلالية ويكون لها منصب مأثر في الحكومة الفدرالية. 
وهذا بدوره يمنع تكرار اخطاء النظام الدكتاتوري، من ظلم وتجاهل وبطئ في الخدمات وسوء توزيع للسلطات والثروات، لذا فالنظـام الفيدرالي صمام امان لا بد منه في دولة عاشت ما عاشته من ظلم وتهجير وإقصاء للاقليات وتهميش للاقاليم.

أنواع الفدرالية التي يمكن تطبيقها في الصومال:

هناك أنواع كثيرة من الفدرالية التي يمكن تطبيقها ولكن أهمها هي الفدرالية الثنائية اللامركزية (decentralised) والفدرالية التعاونية المركزية (cooperative). 
النموذج الاول طبقي، بحيث يكون هناك هناك حكومات ذات قدرات طبقية مختلفة، مثال هذه الفدرالية هي الولايات المتحدة، كندا والبرازيل. حيث هناك الكثير من الادارات التي تساعد الاقاليم في حكم نفسها بنفسها بشكل تنسيقي مع الولايات الاخرى وبدون مرجعية مركزية.
النوع الثاني اكثر تعقيداً وقد يسبب بعض الارباك بين المركز والاقليم، حيث ان الاقليم يتمتع بحرية فائقة لادارة مناطقة بدون اي تنسيق مع بقية الاقاليم ولكنه يتعاون مباشرة مع المركز والذي بدوره قد يطر الى كبح بعض القرارات او الجدال فيها مع الاقليم لان لها آثار على الاقاليم الاخرى. مثال هذا النوع نجده في جنوب افريقيا والمانيا. 
توزيع السلطات بين المركز والاقليم في النظام الفدرالي:
تندرج تحت الحكومة الفدرالية كلٌ من الاشاء التالية: 
الحركة الجوية، الجمارك، مراقبة الحدود وخفر السواحل والموانئ والمطارات الدولية والملاحة والشحن البحري، الهجرة والجنسية والجوازات، الدفاع، المحاكم الفدرالية، الاتصالات السلكية واللاسلكية، التصديق على المعاهدات، الإذاعة والتلفزيون، المصرفية والعملة وأسعار الفائدة، المعاشات التقاعدية، والتجارة الخارجية، وشؤن السياسة الخارجية وغيرها من الامور السيادية.
اما الاقاليم فلها السلطات التالية: 
ادارة المستشفيات، التعليم،والموارد الطبيعية، الطرق والبنية التحتية، الشرطة المحلية، السجون، الملكية والحقوق المدنية، تراخيص الزواج، المحاكم الاقليمية، محاكم الاستئناف في كل اقليم، الإسكان، النقل، رخصة القيادة، التأمين، الضرائب العقارية وغيرها من الامور الادارية.
اما التجارة، البيئة، العمالة، البنية التحتية، والزراعة، القوانين الجنائي، ضرائب الشركات والاشخاص فهي اشياء يتم التعاون والتنسيق فيها بين المركز والاقليم.
من الواضح أن الصومال مع وضعه الحالي لن يتمكن من تنفيذ اي نوع من الفدرالية بدون مساهمة المجتمع الدولي وبدون إيمان ابنائه بهذه الفكرة. الفدرالية تحتاج الى قادة حقيقيين ذو خبرة ونظرة ثاقبة واخلاص للوطن قبل القبيلة او الاقليم. لتتحقق هذه الفكرة بجدارة على المثقفين واصحاب الشهادات العالية ان يعودوا الى الوطن ليساهموا في بنائه ولاعطائه فرصة أخرى للحياة.