تسيبراس يحيي أنصاره من أمام مقر رئاسة الوزراء قبل أداء القسم

بدون رابطة عنق كما قال لأنصاره، أدى أليكسيس تسيبراس، زعيم حزب سيريزا المنتصر في الانتخابات اليونانية، القسم رئيسًا للوزراء في اليوم التالي للانتخابات العامة، التي جرت يوم 25 يناير، ليصبح رئيس الوزراء الأصغر سنًا للبلاد منذ قرن ونصف، إذ يبلغ من العمر 40 عامًا فقط.

“الأمل لا يزال قائمًا”، بهذا الشعار دخل حزب سيريزا الانتخابات اليونانية قاطعًا وعودًا بإنهاء التقشف الاقتصادي الذي تفرضه برلين على اليونانيين حتى يخرجوا من أزمتهم المالية، وبالقضاء على كافة المشاكل الرئيسية في الداخل من ارتفاع البطالة والأسعار وغياب الخدمات الأساسية عن قطاعات واسعة من المواطنين، وهي وعود يبدو أن اليونانيين قد وثقوا بها بشكل كبير، حيث حصل الحزب طبقًا للنتائج الرسمية على 36.3٪، و149 مقعدًا من مقاعد البرلمان الـ300، وهو ما يعني أنه كان على بُعد مقعدين فقط من الحصول على الأغلبية المطلقة.

هذا وحل حزب الديمقراطية الجديدة الحاكم ثانيًا بنسبة 27.8٪، وهو ما يعطيه 76 مقعدًا فقط، وحزب الفجر الذهبي اليميني ذو النزعات النازية ثالثًا بنسبة 6.3٪ (17 مقعدًا)، ولكن سيريزا، والذي لا يحتاج سوى مقعدين، قد اتجه لحزب اليونانيين المستقل اليميني القومي، الذي حل سادسًا بـ13 مقعدًا فقط، ليعلن تشكيل ائتلاف معه في غضون ساعات من إعلان النتيجة، وبعد أقل من ساعة من المفاوضات بين رئيسي الحزبين.

ورُغم أن مواقف الطرفين تختلف بشدة بخصوص علاقة الدولة بالكنيسة الأرثوذكسية، وبخصوص المهاجرين الوافدين إلى اليونان، إلا أن خيار سيريزا يعكس إداركه أن الناخبين اختاروه بالأساس لموقفه الرافض للتقشّف، وهو الموقف الذي يتشارك فيه بوضوح مع حزب اليونانيين المستقلين.

أزمة اليورو ومأزق السياسة ثنائية القطب
على مدار خمسة سنوات احتدم النقاش في أوربا حول كيفية معالجة الأزمة الاقتصادية التي عصفت باقتصادات الجنوب، اليونان وأسبانيا وإيطاليا وفرنسا، بين من قال بأن التقشّف هو الحل الأساسي، وألمانيا على رأس هذا المعسكر، ومن حاول طرح حل يتضمن تحفيز الاقتصاد بالدعم المالي وشطب الديون، بيد أن كلمة ألمانيا كانت الكلمة النافذة طوال هذه الفترة.

بفوز حزب سيريزا المعادي للتقشّف، سيكون ذلك إلهامًا للكثير من الأحزاب الراديكالية والشعبوية المعادية للسياسيات الألمانية، لا سيّما حزب بوديموس اليساري في أسبانيا، وحزب حركة النجوم الخمسة في إيطاليا، وحزب الجبهة القومية اليميني في فرنسا، وهو فوز لا نعلم بعد تبعاته على الموقف الألماني الرافض حتى الآن لتغيير موقفه، رُغم تبنيه مؤخرًا خطوة التسهيل الكمي بضخ 1.1 تريليون يورو في السوق الأوربية لإنعاشها بعد اقتراح من البنك المركز الأوربي الذي بدأ يختلف قليلًا هذا العام مع سياسات ألمانيا.

يُعَد فوز سيريزا أيضًا ضربة واضحة للسياسة التقليدية في اليونان، والتي هيمن عليها لسنوات حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ وحزب الحركة الهللينية الاجتماعية اليساري (باسوك)، وهو اتجاه عام في أوربا يتنامى مؤخرًا خاصة في فرنسا وبريطانيا، إذ هيمن عادة في كل بلد حزبان، يمين محافظ ويسار معتدل، ولكنها هيمنة سقطت حين فازت ولأول مرة أحزاب اليمين واليسار الشعبوي على الأحزاب التقليدية في انتخابات البرلمان الأوربي العام المنصرم، ومن المتوقع أن تُحدِث مفاجآت أكبر خلال الانتخابات العامة والرئاسية في بريطانيا وأسبانيا هذا العام، وفي فرنسا 2017.

بين ميركل وتسيبراس
رُغم الخطابات والدعايا الانتخابية الساخنة، من المتوقع أن يسير تسيبراس بحذر في المفاوضات الجديدة مع ألمانيا بشأن أزمة اليورو في بلاده، لا سيما وقد أعلن بوضوح أنه يفضّل بقاء بلاده في اليورو عن عودتها إلى عملتها القديمة، ولكنه قال في نفس الوقت أن خيار العودة للدرَخما موجود على الطاولة في جميع الأحوال.

سيتمتع تسيبراس بطبيعة الحال بقوة في مواجهة ألمانيا نظرًا لتمثيله بوضوح توجهات شعبِه، كما أبرزت صناديق الاقتراع، وهو ما يعني أن أي محاولة ألمانية للاصطدام به ستكون رسالة بأن ألمانيا لا تحترم إرادة الشعب اليوناني، ومع ذلك، فإن المطالب التي قد يطلبها تسيبراس، وعلى رأسها شطب نصف ديون اليونان، قد لا تكون في يده بالكامل، بل قد يكون البرلمان (وتباعًا الناخب الألماني) هو المنوط باتخاذ القرار بشأنها.

يتوقع البعض أن تصل المفاوضات لطريق مسدود، خاصة إذا ما أصرت ألمانيا على موقفها، وهو طريق يتمناه بقوة اليساريون واليمينيون المتطرفون في اليونان ليخرجوا من اليورو، بل ونظراؤهم في فرنسا وبريطانيا، والذين يحاولون الترويج لدعوات الخروج من اليورو أو الاتحاد الأوربي، أو كليهما، بيد أن الترجيحات تشي بأن الخروج من اليورو سيعصف بالاقتصاد اليوناني بشكل قد يطيح بسيريزا نفسه من السلطة، ويزيد من حدة الأزمة التي يعانيها اليونانيون، كما سيؤثر سلبًا على اليورو، وهو ما يقول المحللون أنه يحتّم على الطرفين الوصول لحل وسط، وسيكون على ألمانيا أن تُبدي مرونة أكبر للوصول لذلك.

ما إذا كانت مِركِل، التي سخر منها تسيبراس في مؤتمراته الشعبية وقال عنها أنها شديدة الصلابة في منهجها ومواقفها نظرًا لخلفيتها البروتستانتية، ستلين أو تُبدي استعدادًا للإبقاء على اليونان، هو أمر في علم الغيب، ولكن الكرة الآن في ملعبها.