في إطار ملف الشهر عن جماعات الضغط واللوبيات على موقع نون بوست؛ نشر الموقع مقالاً قد يعد بمثابة مدخل إلى  فهم طبيعتها كمنظمات رسمية وشبه رسمية وأثرها على الممارسة السياسية بشكل عام.

ربما يكون من المهم هنا دراسة طبيعة هذه الجماعات في الولايات المتحدة نظراً لطبيعة الوضع الاقتصادي  وسيطرته على هامش كبير من الاقتصاد العالمي، ونظراً لموقع السياسات الخارجية الأمريكية المحوري في واقع تسوده الهيمنة الاقتصادية العسكري الأمريكية، وأصبحت العولمة وسرعة حركة رؤوس الأموال والمعلومات منها وإليها واقعاً محوري من الواقع اليومي.

تتسم طبيعة عمل اللوبيات وجماعات الضغط في الولايات المتحدة بالتعقد والتشعب الشديدين، فطبيعة النظامين الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة تتسم بتعدد مستوياتها ونقاط تقاطعها. تنقسم مستويات الحكم في الولايات المتحدة إلى المحليات والولايات التي تجمعها وتحكمها والنظام الفيديرالي الحاكم للولايات والمسؤول عن حفظ الوحدة ورعاية الروح القومية وأمنها الخارجي بالكامل وبعض أوجه الأمن الداخلي. تتسم كل هذه المستويات باستقلالية نسبية وتقسيم واضح للمهام مما يجعل المناخ السياسي في الولايات المتحدة بشكل عام يتصف بقدر كبير من اللا مركزية والتنوع. وبالنظر إلى عدم تواجد فروق شاسعة في مؤشرات الإنتاج الاقتصادي بين الولايات المتحدة المختلفة؛ يمكن القول بأن هناك تواجد واضح للقوى الاقتصادية والانتاجية الكبرى في كافة الولايات الأمريكية وبالتالي تأثير وتأثر مباشر بالسياسات في كل الولايات.

يحدث التأثير والضغط بثلاثة أشكال على كافة مستويات التحاكم السياسي في الولايات المتحدة، شكل رسمي وشبه رسمي وغير رسمي. الشكل الرسمي غالباً ما يكون في صورة قيام الجماعات والأفراد من ذوي المصالح المشتركة بالتكتل والاعتماد على ضاغط محترف؛ الذي غالباً ما يكون بدوره محامي مختص بالشؤون السياسية أو رجل ذا نفوذ ومعارف سابقة بالدوائر الحكومية. غالباً ما تستهدف هذه الاستراتيجية الضغط على أعضاء المجالس المنتخبة سواء الكونجرس أو مجالس الولايات والمدن عن طريق تطويع أموال الحملات الانتخابية أو الكتل التصويتية.

الشكل شبه الرسمي يماثل السابق ذكره تقريباً إلا أنه يهدف بالأساس للضغط على أعضاء الأجهزة التنفيذية كالحكومات بمستوياتها المختلفة باللعب على المصالح والانتماءات الحزبية للأعضاء

يعتمد الشكل غير الرسمي على العلاقات الشخصية بالأساس. يسيطر 10% من سكان الولايات المتحدة على قرابة نصف الناتج القومي للبلد وفقاً لأرقام هيئة الضرائب الأمريكية. وهذا يعني بطبيعة الحال أن تكون العلاقات الشخصية والمصالح المشتركة داخل هذه الشريحة السكانية أكثر كثافة بكثير من خارجها. ونظراً لأن أعضاء الحكومات والمجالس المنتخبة غالباً ما ينتمون لهذه الشريحة فإن الفصل بين تركز رؤوس الأموال والقرارات السياسية على المستوى الشخصي غير ممكن واقعياً.

بالنظر إلى طبيعة المجتمع الأمريكي المعتمدة بشكل كبير على الإعلام؛ تصبح المؤسسات الإعلامية الضخمة ومؤسسات العلاقات العامة المملوكة للشركات العملاقة ذات دور محوري في تحريك التوجهات الشعبية بل وحتى الاختيارات الانتخابية. ومن هنا يتضح أن جماعات الضغط المدعومة من قبل المؤسسات الاقتصادية تمتلك قدرة حقيقية على الإضرار بالمصالح الحزبية لمراكز صنع القرار في صورة هيئاتها المنتخبة وأفرادها.

هذا الخليط الغريب بين المستويات العامة والشخصية يعد جزءاً أصيلاً من الأيديولوجية الليبرالية الحاكمة للسياسية الأمريكية والتي تعطي أهمية ضخمة للفرد بشخصه وصفته وقدرته على تغيير الدفة السياسية.

إلا أن التركز الشديد لرؤوس الأموال في أيدي عدد محدود من الأفراد يعني بالضرورة أن قيمة الفرد الواحد وقدرته على التغيير تختلف كثيراً وفقاً لقدرته الاقتصادية. في هذا السياق يمكن فهم تاريخ طويل من القرارات السياسية التي صبت في مصلحة القوى الاقتصادية الضخمة على حساب خسائر واضحة للنسيج الاجتماعي بشكل عام وللأفراد المنتمين للطبقات الاقتصادية الدنيا في الولايات المتحدة.

وبينما ينبع الاعتراف الأمريكي بجماعات الضغط والترحيب بها من فكرة كونها مساحات لتكون مجال عام يوحد  من قوى الأفراد ويسمح بتحقيق إرادات الأفراد وفقاً للأيديولوجيا الليبرالية، فإن الواقع يشير إلى وضع مختلف تماماً تهيمن فيه الإرادة الاقتصادية على مصالح الأفراد؛ تحت ستار من الادعاءات بأن المصلحة الاقتصادية للمؤسسات الكبرى هي في مصلحة الأفراد في صورة نمو اقتصادي ورفاهة تسمح بخلق المزيد من فرص العمل وزيادة الدخول.

وقد كانت جماعات الضغط تسببت بالفعل في إثارة عدد ضخم من المشاكل فيما يخص دعمها لمجموعة من مشاريع القوانين التي تخالف في جوهرها عدداً من القيم المؤسسة للولايات المتحدة كحرية التعبير وسيادة الفرد فقط على ملكيته الخاصة وعدم التدخل بها أو التعدي عليها.

وبينما يشتهر الحديث عن دور جماعات الضغط واللوبيات في التأثير على قرارات مصيرية في تاريخ الولايات المتحدة مثل قرار شن حرب العراق لإنقاذ صناعتي السلاح والطاقة الأمريكييتين من كساد مقبل، بل وحتى ما زالت شبكة العلاقات المعروفة "بمجمع المصالح الصناعية العسكرية" والغير رسمية هي المتهم الرئيسي باغتيال الرئيس جون كينيدي لما بدر منه عن نوايا لعقد سلام مبكر مع الاتحاد السوفيتي وإنهاء الحرب الفيتنامية بما كان سيضر بالانتاج الحربي الأمريكي بشدة.

إلا أن تأثير هذه الجماعات على الحيوات اليومية للمواطنين داخل الولايات المتحدة يبقى مجالاً غير مطروق للحديث، منذ ثلاث سنوات وتحديداً في الفترة بين 2010 و2012 تمت مناقشة مشروع حماية الأمن الالكتروني المعروف بـ (SOPA) في الكونجرس بدعم شديد وتمويل من كيانات ضغط مدعومة من شركات الانتاج الفني والموسيقي بل وحتى شركات انتاج الأفلام الإباحية. كان الهدف الرئيسي من هذا القانون هو السماح لقوات الأمن بإغلاق أي موقع على الانترنت عند مجرد الشك في خرقه لحقوق الملكية الفكرية أو تهديده للأمن بدون الحاجة إلى إذن قضائي. ومن الواضح تماماً أن هذا المشروع يمثل خرق واضح لحقوق حرية التعبير وعدم تدخل الدولة في حيوات وملكيات الأفراد.

كاد القانون أن يمرر لولا أن قامت مجموعة من عمالقة شركات الإنترنت (من أمثال جوجل وياهو) بتكوين جماعة ضغط مقابلة وهددوا بإيقاف نشاطاتهم في حالة تمرير القانون.

يتضح من السابق أن مجموعات الأفراد المعنيين بحماية حقوقهم الأساسية لم تكن لتستطيع إيقاف هذا المشروع لولا دعم من عدد من المنتمين لذات الطبقة التي طالبت بالمشروع من الأساس.

هذا المقال هو الثالث من ضمن ملف "جماعات الضغط" على نون بوست