تواجه الدولة المصرية خلال السنوات الماضية أزمة أمنية عميقة في أرض الفيروز، تبدو مظاهرها في تكرار العمليات الإرهابية التي تستهدف جنود الجيش والتي كان آخرها الهجوم على عدة كمائن بالعريش راح ضحيتها عشرات الجنود، كما أن تمدد تنظيم بيت المقدس والذي أعلن سابقًا موالاته لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وفرض سيطرته على مساحات من أرض سيناء لدرجة تمكّنه من إقامة كمائن لتفتيش المواطنين والبحث عن رجال الشرطة وتنظيمه عروضًا عسكرية بأسلحة ثقيلة في شوارع المدينة، خير دليل على فشل الدولة المصرية في التعامل مع هذه الأزمة.

تاريخ العمليات الإرهابية ضد الجيش في سيناء ليس جديدًا وإن كان من الواضح تطوره بعد الانقلاب العسكري، حيث تم تنفيذ سبع هجمات إرهابية أودت بحياة 11 جنديًا خلال فترة المجلس العسكري بعد ثورة يناير، وعلى الرغم من صعود رئيس إسلامي إلى الحكم، فقد استمرت الهجمات الإرهابية حيث قُتل خلال العام الذى أدار فيه الدكتور محمد مرسي البلاد 23 جنديًا وتم اختطاف 7 جنود استطاعت الدولة استعادتهم بعد ذلك، ومن المهم الإشارة إلى أن مرسى توعد الإرهابيين في خطاباته، وذكر أن الدولة عازمة على المواجهة وأنه من يقود العملية "نسر" التي أطلقها الجيش ضد الجماعات المسلحة في سيناء بنفسه، الأمر الذي يجعلنا نتساءل هل كان هذا ما يؤمن به الرئيس الذي ينتمى لتيار إسلامي معتدل أم أن للدولة والسلطة حسابات أخرى؟

أعتقد أنه كان تعبيرًا حقيقيًا عن فكر جماعة الإخوان المسلمين المعتدل والسلمي في صراعه مع السلطة قبل الثورة وبعد الانقلاب، وأعتقد أن مرسي كان صادقًا في خطاباته تلك عن المواجهة مع الجماعات المسلحة في سيناء.

مرسى وحكومته كانا قد أعلنا عن خطط كبيرة لتنمية سيناء وأن التنمية ستكون جزءًا كبيرًا من حل المعضلة الأمنية هناك، لكن هذه الخطط لم تر النور وﻻ يُعرف مصيرها بعد انقلاب العسكر.

بعد الانقلاب العسكري زادت وتيرة العنف بشكل كبير من الطرفين؛ فالدولة وجهت كامل طاقتها للقضاء تمامًا على هذه التنظيمات: مما وضعها تحت دائرة الاتهام باستهداف مدنيين عزل وقصف وهدم بيوت أهالي سيناء ممن ليس لهم علاقة بالإرهاب وقتل النساء والأطفال وتهجير المواطنين، وهذا ما منح التنظيمات المسلحة حاضنة شعبية ربما لم تكن موجودة من قبل، تلك الحاضنة مكنتهم من شن هجمات أشد ضراوة تجاه الجيش، حيث تم قتل ما يقارب من 176 جندي منذ الانقلاب العسكري وحدث تمدد وسيطرة أكبر لتنظيم بيت المقدس والذي أذاع عدد من الفيديوهات توضح ما قام به في تحدي للجيش.

إصرار السلطة الحالية على اعتماد الحلول الأمنية وحدها ودون تقديم رؤية لتنمية حقيقية ومعالجة لقضايا التهميش والفقر والتوقف عن قمع التيارات المعتدلة؛ يعني أن سيناء ستظل مصدر قلق وفرصة للجماعات المسلحة للتمدد وتهديد الدولة المصرية.

المؤسف هو محاولة السلطة التوظيف السياسي لقضية سيناء في عدائها وخصومتها مع المعارضة السياسية الممثلة في جماعة الإخوان المسلمين ونشطاء وأحزاب من التيار العلماني والثوري، وهو ما يعني أحد أمرين: أن السلطة تداري فشلها في مواجهة الإرهاب الحقيقي وتعلق كافة أخطائها على شماعة الإخوان، وبالتالى هي تستفيد من وجود الإرهاب وتعتمد عليه كمبرر لوجودها، أو أن السلطة تجهل حقيقة الفرق بين خصومها السياسيين في القاهرة والإرهاب وما يمثله في سيناء وهو أمر يثير مخاوف أن تقودنا السلطة الحالية لتحويل مصر كلها إلى الحالة التي تعيشها سيناء.

ختامًا، إدانة ورفض تلك الأفكار المغلوطة والأفعال الإرهابية التي تتمثل في تكفير الجنود وقطاعات من المجتمع وتكرار حوادث القتل هو واجب وطني بطبيعة الحال، وحسب ما أعلنه اتحاد علماء المسلمين فهو واجب ديني أيضًا، كما هو الحال مع رفض انتهاكات الدولة بحق أهالي سيناء.