كشفت مجموعة من الملفات حصل عليها صحافيون يعملون بصحف الجارديان البريطانية، ولوموند الفرنسية، وقناة بي بي سي بانوراما، وتجمّع الصحافيين التحقيقيين الدولي في واشنطن (ICIJ)، أن بنك إتش إس بي سي السويسري ساعد بعضًا من عملائه الأثرياء على تفادي دفع الضرائب وكنز ملايين الدولارات بشكل سرّي، بل وقدم المشورة لعملائه في كيفية تفادي سلطات جمع الضرائب.

هذا وتضم الملفات، البالغ عددها 60،000، والتي تغطي الفترة الممتدة من 2007 إلى الآن، تفاصيل عن حسابات لأكثر من 106،000 عميل من 206 بلدًا قد تصل قيمتها إلى 120 مليار دولار، لتكون بذلك أكبر تسريب بنكي في التاريخ، وهي تأتي في إطار حملة في الولايات المتحدة وبريطانيا وبلدان أوربية أخرى لتعقّب الأثرياء المتهربين من الضرائب باستخدام قوانين البلدان الأجنبية، والذين يكلّفون اقتصاداتهم خسائر بشكل متزايد.

لكن ما هي طبيعة التواطؤ الذي قام به بنك إتش إس بي سي السويسري؟

أولًا، وبشكل روتيني، كان يسمح لعملائه الكبار بسحب كميات كبيرة من المال الكاش وبعملات أجنبية غير متداولة بكثرة في سويسرا؛ ثانيًا، روّج بقوة لمشاريع تساعد عملائه الكبار على تفادي منظومات الضرائب الأوربية؛ ثالثًا، ساعد بعض العملاء في إخفاء أموالهم في حسابات سوداء لم تُسجّل بأسمائهم للتهرب من سلطات الضرائب في بلادهم؛ رابعًا، فتح حسابات لشخصيات معروفة بسجلها الإجرامي على مستوى العالم، ولرجال أعمال فاسدين، ولأشخاص آخرين تُعَد مناصبهم وسجلاتهم شديدة الحساسية.

كيف تم تسريب هذه الكمية من الملفات؟ بدأ عام 2007، حين اخترق خبير تكنولوجيا المعلومات لدى البنك في سويسرا، هِرفي فالسياني، الملفات الخاصة بحسابات العملاء، وهرب إلى فرنسا بعد أن كشفت الشرطة السويسرية أمره، لتقوم السلطات الفرنسية بإلقاء القبض عليه قبل أن تُدرك أن الملفات التي بحوزته تدين الآلاف من الفرنسيين المتهرّبين من الضرائب، وهو ما دفعها لإطلاق سراحه وإبقائه تحت الحراسة في فرنسا.

تباعًا، أعدت فرنسا قوائم سرية بالأسماء التي احتوت عليها الملفات المسرّبة عام 2010 تحت إشراف وزيرة المالية الفرنسية آنذاك كريستين لاجارد، والمعروفة الآن بقوائم لاجارد، وأعطتها للدول المعنية، وهو ما أدى إلى فضائح كبرى وحملات اعتقال في اليونان وأسبانيا والولايات المتحدة وبلجيكا والأرجنتين، دفع البنك على إثرها 1.9 مليار دولار كتعويض للولايات المتحدة، كما تسلمت سلطات الضرائب البريطانية نفس القوائم، والتي اكتشفت أكثر من ألف اسم بريطاني فيها، واستطاعت استرداد أكثر من 135 مليون جنيه إسترليني (206 مليون دولار)، ولكنها أدانت شخصًا واحدًا فقط دون الكشف عن الأسماء التي حصلت عليها ودون القيام بأي تحرّك قانوني.

قد يشي الموقف البريطاني المتحفّظ بالكثير عن علاقة البنك السويسري بفرعِه الأم في العاصمة البريطانية لندن، والذي قال في أولى ردود أفعاله بأن العلاقة بينه وبين الفرع السويسري كانت لامركزية نوعًا ما، وأنه اتخذ إجراءاتٍ عام 2011 للضغط عليه وإجباره على الالتزام بالقوانين، في حين رفض وزير التجارة البريطاني الأسبق، ستفين جرين، والذي كان رئيسًا لإتش إس بي سي في تلك الفترة، التعليق على التسريب.

طوال هذه الفترة كانت كافة بلدان العالم على علم بهذه القوائم والملفات، ولكن التسريب لم يصل للعامة أو الإعلام حتى مساء أمس.

فضائح التسريب السويسري
تفضح الوثائق بجلاء تقديم البنك لخدماته لقيادات سياسية شمولية ودموية معروفة وللمقربين منها أيضًا، وللمُدانين في جرائم الفساد في أفريقيا، وللضالعين في تجارة السلاح، وغيرهم الكثير، رُغم وجود قوانين سويسرية واضحة تمنع التعامل مع هكذا أشخاص.

واحدة من الملفات تشير لإمانويل شالوب، والمُدان في تجارة الماس غير المشروعة في أفريقيا، والذي ساعده البنك على فتح حساب في دبي، إذ تقول عنه الوثائق، “عملينا يتوخى الحذر الشديد لأنه يتعرّض لضغوط شديدة من سلطات الضرائب البلجيكية التي تحقق في نشاطاته في التهرّب من ضرائب تجارة الماس.”

بالمثل، تَرِد في وثيقة أخرى كلمات لأحد موظفي البنك متحدثًا عن عميل بريطاني يعمل في مجال التطوير العقاري، وتصفه بأنه “قلق للغاية بأن يتم إفشاء المعلومات الخاصة به، وقد شرحتُ له بأننا نتّبع قواعد سرية البنوك السويسرية الأكثر صرامة في العالم.”

سنجاي سِتي، عميل أمريكي آخر تمت إدانته عام 2013 بخداع سلطات الضرائب الأمريكية، كان قد وعده البنك بأن “حسابه غير المُعلَن سيتيح لأرصدته أن تنمو دون ضرائب، وأن قوانين سرية البنوك في سويسرا ستخفي تمامًا وجود حساب له.”

لم يقتصر الأمر على الأثرياء فقط، بل ووصل إلى المسؤولين الكبار في أفرع البنك، وإلى التجارة في الممنوعات، حيث سمح البنك لنسيم المالِح، مدير فرع إتش إس بي سي في فرنسا، بإيداع الأموال التي حصل عليها من بيع الماريجوانا للمهاجرين في ضواحي باريس بشكل دائم عبر وضعها في حقائب بلاستيكية.

لم يكتفي البنك بذلك، بل وبادر بنفسه في التواصل مع عملائه عام 2005 لتقديم اقتراحات حيال كيفية التهرّب من الضريبة الجديدة على الحسابات السويسرية لمواطني الاتحاد الأوربي، والتي فرضتها اتفاقية وقعتها سويسرا مع الاتحاد الأوربي.

السرية البنكية: ثُقب الثروات الأسود

“أعتقد أن البنك لم يكن سوى خدمة للتهرّب من الضرائب، فهذا هو ما يقدمونه بالفعل وهم يعلمون ذلك، ويدركون أن كل من يأتي إليهم يطلب خدماتهم لتفادي دفع الضرائب، عدا ذلك ليست هناك أي أسباب وجيهة لفتح حساب بنكي ببلد أجنبي،” هكذا قال ريتشارد بروكس، مسؤول الضرائب البريطاني السابق ومؤلف كتاب “سرقة الضرائب الكبرى.”

في تعقيب على مسألة التهرّب المتنامي على مستوى العالم، يقول الاقتصادي الفرنسي المعروف توماس بيكِتي، مؤلف كتاب “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”، أن التهرّب عبر البنوك الأجنبية خطر لا يُستهان به على المؤسسات الديمقراطية والعقد الاجتماعي في كل بلد، وأن “الغموض المالي” هذا هو أحد أبرز أسباب انعدام المساواة الاقتصادية والاجتماعية حول العالم بسماحه لنُخبة الأثرياء بدفع الفتات عن أرباحهم، في حين يمكن للضرائب الخاصة بهم تمويل مشاريع كبرى في مجال الخدمة العامة وتعزيز النمو الاقتصادي، خاصة للبلدان النامية.

لا تزال هناك الكثير من الأسرار فيما يخص عالم الحسابات السرية في البنوك، والتي يقدّر الأكاديميون أنها قد تحتوي على 7 تريليون دولار لا يدفع عنها أصحابها الضرائب بإخفائها في بنوك أجنبية بهذا الشكل، وأنها تكلّف الحكومات حول العالم حوالي 200 مليار دولار سنويًا.

سياسيون وأثرياء عرب في التسريب

في إطار كشف التسريب السويسري الذي سلط الضوء على تعاملات بنك إتش إس بي سي سويسرا حتى العام 2007 مع سياسيين وأثرياء ومشاهير أتاحت لهم التهرّب من الضرائب والاحتفاظ بأموالهم في حسابات سرية، ترد في الملفات التي احتوت على أسماء أكثر من 100،000 شخص أسماءً عربية أبرزها ما يلي:

وزير الصناعة المصري الأسبق رشيد محمد رشيد، وهو مذكور في الوثائق بصفته رئيس شركة يونيليفر للشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، وقد أصبح عميلًا للبنك عام 2003، وكان المالك المستفيد لحساب مسجل باسم “لِكسنغتون إنفستمنتس ليميتد” (Lexington Investments Limited) ضم عشرة حسابات مجمّعة بلغت قيمتها 31 مليون دولار عام 2006/2007.

الأمير بندر بن سلطان رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، وقد أصبح عميلًا للبنك عام 1999، وكان مرتبطًا بأربعة حسابات بنكية، منها حساب مسجّل باسم “كاف إنفيست أوبيرِتنغ ليميتد” (Kafinvest Operating Limited) فُتِح عام 2005، ويضم ثلاثة حسابات بلغت قيمتها 15.6 مليون دولار في 2006/2007، وأما الحسابات الثلاثة الأخرى فتم إغلاق اثنين منها عام 2000، في حين يبلغ ميزان الثالث صفر.

الملك محمد السادس ملك المغرب، وقد أصبح عميلًا للبنك عام 2006، وهو مرتبط بحساب يحمل الرقم 45500MK والذي تتمتع بخدمات خمسة حسابات بنكية بلغت قيمتها 9.1 مليون دولار عام 2006/2007، كما تضم العائلة المالكة عملاء آخرين لدى بنك إتش إس بي سي السويسري.

رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد ورجل أعمال سوري، وهو على صلة بما لا يقل عن 18 حساب بنكي موصولة بـ14 حسابًا عاديًا، بلغت قيمتها مجتمعة عام 2006/2007 أكثر من 27.5 مليون دولار، وكانت منها ثلاثة بأسماء “بولتر إنفستمنتس إنك” (Polter Investments Inc)، و”لوري ليميتد” (Lorie Limited) الذي تم إغلاقه عام 2004، و”درِكس تكنولوجيز إس إيه” (Drex Technologies S.A.) الذي تم تسجيله في لوكسمبورج وحظرته عام 2012 بلدان عدة منها الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوربي.

الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، وقد أصبح عميلًا للبنك عام 2006، وكان على صلة بحساب عادي أنشيء عام 2004 باسم مسؤول مهم في القصر الأردني، بالإضافة إلى صلته بحسابات ثلاثة أخرى، وقد بلغ إجمالي كل ذلك عام 2006/2007 41.8 مليون دولار.

بلحسن طرابلسي، وهو أبرز رجل أعمال في عهد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، وأصبح عميلًا للبنك عام 2006، وكان المالك المستفيد لثلاثة حسابات بنكية مسجّلة باسم “زيناد ريسورسز ليميتد” (Zenade Resources Limited) بلغت قيمتها 2.8 مليون دولار عام 2007، كما تكشف الملفات ارتباطه بسحاب يحمل الرقم 48451MH ضم أربعة حسابات بنكية، وبلغت قيمته 22 مليون دولار عام 2007.

الأمير سلمان آل خليفة، وقد أصبح عميلًا للبنك عام 2001، وكان المالك المستفيد لحسابين عاديين باسم “فيجن ماكرو فاند إل تي دي” (Vision Macro Fund Ltd)، والذي امتلك منه 11٪، و”فيجن أربيتراج فاند إل تي دي” (Vision Arbitrage Fund Ltd)، والذي امتلك منه 9٪، وقد وصله هذان الحسابات بما لا يقل عن عشرة حسابات أخرى احتوى في المجمل على 20.9 مليون دولار، وهو ما يعني أن نصيبه وصل لـ2.2 مليون دولار.

السلطان قابوس سلطان عُمان، وقد أصبح عميلًا للبنك عام 1974، وكان على صلة بأربعة حسابات عادية متربطة بعشرة حسابات بنكية منها اثنان باسمه، وواحد باسم “يخت سكواندرون عمان ليميتد” (The Yacht Squadron Oman Limited) هو المالك المستفيد له، وكان إجمالي قيمة حساباته 44.6 مليون دولار عام 2006/2007.

البلدان العربية على القائمة

في قائمة البلدان المائة التي تأتي منها أكبر كمية من الأموال من عملائهم ببنك إتش إس بي سويسرا في الوثائق، يرد 18 بلدًا عربيًا.

11) السعودية: 1504 عميل و2762 حساب بنكي تصل قيمتها لـ5.8 مليار دولار
12) لبنان: 2998 عميل و4450 حساب بنكي تصل قيمتها لـ4.8 مليار دولار
20) مصر: 700 عميل و1478 حساب بنكي تصل قيمتها لـ3.5 مليار دولار
22) الإمارات: 1126 عميل و1702 حساب بنكي تصل قيمتها لـ3.5 مليار دولار
37) المغرب: 1068 عميل و2200 حساب بنكي تصل قيمتها لـ1.6 مليار دولار
40) سوريا: 690 عميل و1281 حساب بنكي تصل قيمتها لـ1.3 مليار دولار
42) الكويت: 475 عميل و674 حساب بنكي تصل قيمتها لـ1.1 مليار دولار
49) الأردن: 679 عميل و738 حساب بنكي تصل قيمتها لـ842.8 مليون دولار
55) الجزائر: 440 عميل و1148 حساب بنكي تصل قيمتها لـ671.1 مليون دولار
59) تونس: 256 عميل و679 حساب بنكي تصل قيمتها لـ554.2 مليون دولار
60) ليبيا: 190 عميل و566 حساب بنكي تصل قيمتها لـ522.9 مليون دولار
62) العراق: 243 عميل و477 حساب بنكي تصل قيمتها لـ514.9 مليون دولار
70) قطر: 109 عميل و153 حساب بنكي تصل قيمتها لـ328 مليون دولار
72) عُمان: 276 عميل و507 حساب بنكي تصل قيمتها لـ300 مليون دولار
81) البحرين: 147 عميل و197 حساب بنكي تصل قيمتها لـ196.1 مليون دولار
83) اليمن: 70 عميل و215 حساب بنكي تصل قيمتها لـ193.3 مليون دولار
91) فلسطين: 55 عميل و97 حساب بنكي تصل قيمتها لـ148.9 مليون دولار
96) السودان: 62 عميل و209 حساب بنكي تصل قيمتها لـ131 مليون دولار