لم تحقق الهجمات الجوية للتحالف الغربي العربي ضد تنظيم الدولة  في العراق وسوريا الأهداف المرجوة منها كما أرادت لها الدول المشاركة فيها، فقد تم تحجيم نشاط تنظيم الدولة على الأرض إلى حدٍ كبيرٍ لكن لم تتخلص دول التحالف من صداع داعش كما تمنت، وظل التنظيم متحصنًا في مواقعه وثقلت حركته الأمامية في المعارك بفعل تلك الضربات الجوية.

أدركت الولايات المتحدة المتزعمة لهذا التحالف أن الأمر إن طال على هذا المنوال لن يجدي كثيرًا في حربها ضد التنظيم بل إنها بذلك تعطيه الفرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة توزيع قوته على المناطق المسيطر عليها وإعادة الكرة في مواجهته التي تراجع عنها بفعل الدعم الغربي للقوات المضادة له في المعارك والتي كان أبرزها قوات البشمركة الكردية وقوات الجيش العراقي في معارك على حدود بغداد تراجع عنها التنظيم مؤقتًا إلى معاقله في الموصل.

"هجوم على الأرض قريبًا ضد عصابة داعش الإرهابية تقوده القوات العراقية بإسناد من قوات التحالف"
هكذا كشف منسق التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الجنرال الأمريكي "جون آلن" في حديثٍ لوكالة الأنباء الأردنية، مؤكدًا أن استراتيجية التحالف واضحة في هذا الصدد وهي قائمة بالأساس على هزيمة داعش ولا متسع من الوقت لغير ذلك.

أتت بعض التسريبات من داخل العراق تؤكد أن ثمة 12 لوءاً من القوات العراقية يتم تجهيزها بالتدريب والتسليح تميهدًا لحملة برية موسعة ستبدأ ضد تنظيم الدولة في الأيام المقبلة لم تحدد توقيتها بدقة، لكن ثمة مسؤولين عراقيين يؤكدون أن الصيف القادم لن يمر دون خوض هذه الحرب البرية.

الاستعدادات جلها أمريكيًا بامتياز حيث يجري الآن مشروع تأسيس صحوات عراقية من العشائر السنية في العراق لمجابهة الدولة وهي استراتيجية اعتمدت عليها الولايات المتحدة إبان سنوات غزو العراق لمواجهة تنظيم القاعدة والمقاومة في ذلك الوقت، وقد نجحت نسبيًا فيها بإخماد نار المقاومة بأيد عراقية  لذا اعتمدها الجنرال "آلن" بإقامة أربعة مراكز تدريب للقوات العراقية والعشائر السنية في كل من الأنبار وأربيل والتاجي وبسمايا مع الاستعانة بدول التحالف في المساعدة بعمليات التدريب والتسليح.

وجهًا أمريكيًا آخر يؤكد الاستعداد للحرب البرية هو التصريح الذي صدر عن الناطق الرسمي باسم وزارة البشمركة في إقيلم كردستان العراق  يذكر فيه عزم الولايات المتحدة إقامة قاعدة عسكرية جوية للإمداد بالقرب من أربيل بالتأكيد ستشارك في عمليات الإمداد أثناء الحرب البرية التي ستشارك فيها قوات البشمركة ضد تنظيم الدولة في العراق.

استعدت الولايات المتحدة أيضًا بشحن عدة معدات عسكرية والكترونية ثقيلة إلى الكويت، فقد حشد أكثر من 30 ألف سيارة مصفحة مضادة للألغام على سبيل المثال من المنتظر أن تدخل إلى ساحة المعارك مباشرةً، هذه المعدات الآتية من أفغانستان كانت تنتظر مصير التدمير والإعدام بعد إنهاء مهمتها هناك، لكن تصاعد وتيرة الحرب ضد داعش أدى إلى الاستعانة بها مرةً أخرى لمهمة الحرب البرية المنتظرة، أما عن الدعم البشري فقد أرسلت الولايات المتحدة أكثر من 1000 خبير عسكري لأرجاء العراق لقيادة غرف عمليات الحرب من هناك مع تجنب إرسال أي جنود أو تعزيزات بشرية مباشرة للمشاركة في الحرب.

وعن الوجه السياسي للأمر يعاني النظام الأمريكي الداخلي من اهتزازٍ بسبب السياسة المتبعة تجاه تنظيم الدولة بعد دعوة أوباما للتحلي بالصبر الاستراتيجي أمام هذا التنظيم وعدم التورط في حرب برية بقواتٍ أمريكية تحت أي ضغط والاكتفاء بالنشاط الجوي والاستخباراتي الأمريكي في مواجهة التنظيم وإلقاء العبئ على بقية دول التحالف في المواجهة الأمامية.

الأمر الذي اعتبر ضعفًا من معسكر أوباما الديمقراطي بينما ينادي الغريم الجمهوري بموقف أكثر حسمًا تجاه هذا التنظيم الذي يتمدد بشكل شبه يومي، بينما رد البيت الأبيض على هذه الاتهامات بأن الولايات المتحدة ستدعم حرب برية عبر حلفائها في المنطقة لانهاء خطر داعش نهائيًا.

أما الحلفاء الذين سيخوضون الحرب البرية بالوكالة عن الولايات المتحدة فبعد البلد المحتل أمريكيًا بالسابق –العراق- الذي يتجهز بكل عدته لخوض حرب مصيرية لا يمكن التنبؤ بنتائجها تجاه تنظيم الدولة، خاصةً أن جنود هذا الجيش فروا قبل ذلك أمام مقاتلي الدولة في مشهد عبثي يزيد من التشكك في إمكانية قيام هذا الجيش بالدخول في حربٍ برية مباشرة.

يأتي الأردن بقواته الخاصة والنظامية التي من المرجح أن تخوض هذه الحرب في ظل اشتعال نار الثأر لطيارها "معاذ الكساسبة" الذي وقع في أيدي عناصر التنظيم وقد تم قتله حرقًا، حيث تستغل القيادة السياسية في البلاد الوضع لترويج فكرة الدخول في الحرب البرية المقبلة ضد التنظيم ردًا على قتل الكساسبة وهو أمرٌ مشكوكٌ فيه، لأنه من المعتقد أنه مجرد تعبئة شعبوية لقرار قد اتخذ سلفًا بالتنسيق مع القيادة الأمريكية بعمل طوق لخنق تنظيم الدولة عن طريق الأردن والعراق وسوريا.

هذا وقد كثف سلاح الجو الملكي الأردني هجماته على ضد تنظيم الدولة في الأيام القليلة الماضية عقب إعلان التنظيم عن حرق الكساسبة وهو أمٌر إعلامي بلا شك، إذ تشير المعلومات أن المخابرات الأردنية قد علمت بمقتل الكساسبة منذ فترة ولكنها لم تشأ أن تعلن هذا وأثرت توظيف الحدث سياسيًا ضمن قرار خوض الحرب البرية الذي يبدو أنه اتخذ مسبقًا.

فيما يشير خبراء عسكريون أن هذه الحرب في منتهى الخطورة على الجيش الأردني إذ أنها حرب عصابات غير متكافئة ولا قوانين فيها وأن معاقل تنظيم الدولة ليست سهولًا أو صحاري جرداء ولكنها كتل أسمنتية محشوة بالسكان المدنيين،  فالأمر بالغ الصعوبة على القوات الأمريكية ذات التدريب والكفاءة القتالية العالية لذلك آثرت تجنبه لا سيما وأنها ذاقت ويلاته في العراق وأفغانستان لذا صدرت له حلفائها العرب.

وعن الجبهة السورية في الحرب البرية المتوقعة ضد تنظيم الدولة فلا زالت تشكل الأزمة الكبرى لدى الولايات المتحدة التي صرحت بأن ليس لديها حلفاء على الأرض في سوريا في حربها ضد الإرهاب وذلك بالتزامن مع تصريحات الأسد أنه سيخوض الحرب وحده تجاه التنظيمات الإرهابية دون الدخول في تحالفات دولية بقيادة الولايات المتحدة.

لذا كان الحديث عن نية الولايات المتحدة التنسيق مع ما أسمتها "المعارضة السورية المعتدلة" لفتح جبهة برية ضد تنظيم الدولة في سوريا،  وهذا من الصعوبة  خاصةً في ظل التفوق النوعي لتنظيم الدولة على الأرض في سوريا في مقابل هذه التنظيمات التي هزمت في معارك عدة أمام تنظيم الدولة في غير موضع على الأراضي السورية، لكن ما تعول عليه الولايات المتحدة هو الدعم اللوجيستي والعسكري التي ستقدمه للفصائل التي ستتعاون معها في الحرب البرية ضد داعش داخل سوريا، بينما يظل هذا الأمر غير مضمون وغير كفئ بالنسبة للقيادة الأمريكية ولكنه ليس سوى المتاح حاليًا، مع الاعتماد على الجبهة التركية في محاولة دعم جبهة القتال ضد التنيظم في سوريا.

من المنتظر أن تظهر الصورة النهائية قريبًا للدول العربية التي ستشترك في هذه الحرب البرية التي قرعت طبولها واشنطن، والتي باتت مؤكدة أو الدول التي ستكتفي بأمور الدعم اللوجيتسي أو المشاركة بالطيران ضمن إطار التحالف الدولي ما سيضع المنطقة على حافة حرب غير معلومة النتائج حتى الآن.