اهتمّ المنظّرون لمفهوم النخبة بالدور السياسي للجيش، وعلى رأسهم الفيلسوف السياسي جايتانو موسكا، الذي درس الدور الذي يمكن أن تلعبه الصفوة العسكرية في الحكم باعتبارها قلّة تمارس عملية الضبط السياسي على الأغلبية، وذلك من خلال تتبّعه لإمكانيّاتها ولأسلوبها في ممارسة السيطرة في المجتمع.

وقد أشار رايت ميلز، من خلال دراسته لنخبة القوّة في المجتمع الأميركي، إلى دور النخبة العسكرية، موضحاً دور الأفراد المتحكّمين في المؤسّسات الكبرى في المجتمع، ومن بينهم الجيش. وفي شرح الصراع من أجل السيطرة على وسائل الحكم من خلال التاريخ الأوروبي منذ عهد الإقطاع، بيّن ماكس فيبر أهمّية المؤسّسة العسكرية في هذا السياق باعتبارها مصدراً من مصادر القوّة والسلطة في المجتمع. فكان تفسيره لأنماط الشرعية من بين أهمّ المقاربات النظرية التي أظهرت دور النخب العسكرية، من خلال طرحه للنمط الكاريزمي للسلطة القائم على الولاء لفرد أو لجماعة معيّنة، بناءً على تميّزه أو تميّزها، أو بناءً على ما يُمكن أن يأتي به هذا الفرد أو هذه الجماعة. وبالتالي، فإنّ سيطرة الجيش على السلطة غالباً ما تقترن بكاريزما مرتبطة بالدور البطولي لقائد الجيش أو للمؤسّسة العسكرية بعامّة. ويرتبط النموذج الكاريزمي- في شرعية الحكم- بالجيش، نظراً للظروف التي تسبق هذا النوع من الحكم، وبخاصة الحروب والأزمات التي يبرز فيها دور الجيش بعد الانتصار في الحرب، شأن حروب التحرير مثلاً. كما لاحظ ماكس فيبر، في إشارة إلى الشكل القانوني لسيطرة القائد الكاريزمي أو المؤسّسة العسكرية، تحوّل هذا النوع من القيادة والشرعية إلى نمطٍ للسلطة القانونية وفق قواعد الروتين المقرَّرة.

وفي سياق إبراز أهميّة دور الجيش في المجتمع، وبالالتفات إلى طبيعته النظاميّة، رأى رايت ميلز أن شغل المناصب العليا في الجيش يمنح صاحب المنصب دوراً مهمّاً في السلطة داخل المجتمع، وبالتوافق مع بقيّة القطاعات الأخرى الحسّاسة فيه، أي السياسة والاقتصاد. وتمثّل النخبة العسكرية في دول العالم الثالث شكلاً من أشكال التحوّل الاجتماعي في السلطة، لكونها غالباً ما تصعد إلى السلطة نتيجة ظروف اجتماعية وسياسية سيّئة يتسبّب فيها النظام القائم، فتتبنّى هذه النخبة مسألة التغيير نتيجة ارتباطها بالطبقة الشعبيّة والمتوسّطة، وتميّزها بروح الانضباط.

وتنبع وظيفة النخبة العسكرية وأهمّيتها، انطلاقاً من كونها مهيكَلة مؤسّساتيّاً، وفق نسق بيروقراطي، حيث توجد هياكل عمودية وأفقية تساعد على سير العمل فيها وعلى تنفيذ هذا العمل وتوزيعه بين أجهزتها التي تتميّز بالتنسيق الكبير فيما بينها بغية تحقيق أهداف المؤسّسة العسكريّة لتي تُعَدّ جزءاً من أهداف المجتمع العام.

ومن الناحية الاجتماعية، ترجع أهمّية النظم العسكرية في قيام جماعاتها وهياكلها القتاليّة المنظّمة بالدفاع عن الوطن ضدّ مختلف الأخطار والتهديدات الخارجية التي يمكن أن يتعرّض لها، وكذلك في حفظ الأمن الوطني من أيّ خطر داخلي قد يهدّد استقرار النظام وأمن المجتمع. ويرتبط دور المؤسّسة العسكريّة بطبيعة المجتمع وبدرجة تطوّره، فكلّما زاد تخلّف المجتمع زادت درجة سيطرة النخبة العسكريّة وباتت درجة تدخّلها أكبر بسبب الإيديولوجية الوطنية والقومية المنتهجَة من قبل هذه الفئة. وهذا ما تتميّز به دول أميركا اللاتينية وأفريقيا ودول شرق أوروبا سابقاً.

الدور السياسي للجيش

اهتمّت الدراسات بالدور الاجتماعي للجيش، أمّا دوره السياسي، فلم يحتلّ مكانة مهمّة لأنّ الجيش في الدول الغربيّة لم يكن له دور سياسي بعد الحرب العالمية الثانية، بعكس ما هو الحال في الدول النامية، وبخاصّة في سبعينيّات القرن الفائت التي شهدت ظاهرة وصول نخب من العسكريّين الشباب إلى سدّة الحكم.

لذا تتعدّد الأدوار السياسية للجيوش. فقد يكون الجيش بمثابة جماعة ضغط في صناعة القرارات، وقد يتعدّى هذا الدور نحو المساهمة الفاعلة في تحديد السياسات العامة للوطن، و فرض النظام الذي يراه هو أمثل للوطن، وتغيير الحكومات، وقيادة الانقلاب على الحكومات…الخ.

وقد يكون للجيش دور سياسي بتفويض من الحكّام المدنيين، وفق مبدأ المصلحة المتبادلة، فيكون لكلّ سياسي أو حاكم مجموعة من القادة العسكريين الذين يعتمد عليهم في تثبيت سياسته وأركان حكمه، بحيث لا يمكن للسياسي تحقيق الاستمرارية والاستقرار في حكمه من دون دعم الطرف العسكري ومساندته، كما أن العسكري يعتمد في الوقت نفسه على السياسي للبقاء في منصبه، وضمان استمرارية هيبة المؤسّسة العسكرية وقوّتها، وفق علاقة مصلحية، تبادلية، وضرورية، وبخاصّة بالنسبة إلى الرجل السياسي، والمدني، الذي لا يملك إمكانيات القوّة الموجودة لدى الرجل العسكري.

أشكال حكم النخب العسكرية

في محاولة تفسير علاقة الجيش بالسلطة المدنيّة، وضع ”جون ماينو“ ثلاثة أنماط لهذه العلاقة، وهي:

  • نمط يكون فيه الجيش تحت تصرّف السلطة الشرعية، ويعمل على حماية الوطن والنظام.
  • نمط يكون للجيش فيه دور مهمّ في صناعة القرار يغلب على دور السلطة المدنيّة.
  • نمط يكون فيه الجيش المتحكّم الوحيد بالعملية السياسية.

وقد وضع المفكّر ”أموس برلموتر“، تفسيراً لسيطرة الجيش على السياسة، ويسمّي هذه الظاهرة ”دولة البيروتوريّة“، أي الدولة التي يكون فيها الجيش مصدر السلطة الشرعية، ويقدّم ثلاثة أنماط من حكم الصفوة العسكرية: الأقلية العسكريّة الأوتوقراطية، الأقلّية العسكرية الأوليغارشية، النمط العسكري السلطوي.

ولأن مرجعيّة سيطرة النخبة العسكريّة في الدول النامية مرتبطة بخصوصيّة هذه المجتمعات، والتي يجعل عددٌ منها من القوّة والقهر أساساً مهمّاً وضروريّاً للسيطرة على المجتمع، حدّدت تصنيفات حديثة أشكال سيطرة النخبة العسكرية على الحكم وصناعة القرارات، ولاسيّما في الدول النامية، بأربعة أنماط هي:

1- الجيش كحَكَم بين المؤسّسات
تنحصر وظيفته في الحفاظ على النظام واحترام النظام الاجتماعي القائم عبر العمل كجماعة ضغط وتسليم الحكم إلى الذي يرتأيه الجيش نفسه مناسباً، مع إمكانية التدخّل، إن اقتضت الضرورة ذلك مرّة أخرى.

2-الجيش الحارس لا الممارِس
يتدخّل الجيش ضمن هذا النمط عند الأزمات الحادّة، أو بصفته حارس النظام، أو صاحب المهام السامية في الحفاظ على النظام السياسي القائم. وهذا النوع من المهام ينتج بسبب تعقّد المجتمع، مثلما هو الحال، في الولايات المتحدة الأميركية.

3-الجيش الرقيب صاحب قوّة الاعتراض
يتميّز هذا النمط بسيطرة النخبة العسكرية في النظم التي تتميّز بكثرة الانقلابات العسكرية و بعدم الاستقرار. بحيث يصبح دور الجيش قائماً على حفظ النظام. ويظهر هذا النمط من السيطرة العسكرية في المجتمعات التي تتّسع فيها المشاركة السياسية والتي تفتقر إلى نظام مؤسّساتي ينظّم هذه المشاركة. ما يجعل من الجيش رقيباً على هذه المشاركة، يفتحها أمام الطبقة الوسطى ويغلقها أمام الطبقة الدنيا.

وينطبق هذا النوع من الحكم على أنظمة العالم الثالث التي تتميّز بهشاشتها وبضعف أحزابها، والتي تكون عرضة دائمة للانقلابات العسكرية.

وتلجأ الصفوة العسكرية إلى هذا النمط في حالتين: الحالة الأولى عند انتصار حزب أو حركة لا ترضى بها المؤسّسة العسكرية في الانتخابات، شأن ما حصل في الجزائر في العام 1992؛ الحالة الثانية إذا تبعت السلطة سياسات راديكالية أو إذا استقطبت جماعات راديكالية لا يرغب فيها الجيش، شأن ما حصل في تركيا، في العامين 1996 و1997.

ويمثّل هذا النمط من حكم النخبة العسكرية مرحلة انتقالية قد يعود بعدها العسكريّون إلى الثكنات، أو ينتقل الحكم إلى نمط آخر من حكم النخبة العسكرية هو نمط الجيش الحاكم.

4 الجيش الحاكم
في هذا النمط من سيطرة النخبة العسكرية لا يكون الجيش محايداً. فهو يأخذ دوراً مهمّاً في السياسة والحكم، ويكون المقرّر الأول، وصانع القرار الأساسي. ومن بين أهمّ الدعاة إلى هذا النوع من الحكم ”لينين“ الذي رأى ضرورة في أن يأخذ الجيش زمام المبادرة السياسية، قطعاً للطريق على البرجوازية التي تريد تحييده.

ختاماً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التطوّر في مختلف المجالات الحياتيّة أدّى إلى تغيّر سيكولوجي ووظيفي بالنسبة إلى العسكريّين والسياسيّين على حدّ سواء. إذ باتت الظروف السياسيّة والعلميّة والدوليّة تحتّم التلاحم بين العسكريّين والسياسيّين، وتستدعي كذلك تغيّراً في تفكير العسكريّين، كإقناعهم بأن العنف ليس الوسيلة الوحيدة للتعامل مع المجتمع، وإقناعهم كذلك بضرورة الحوار والتشاور والمشاركة. وقد غيّر التطوّر التكنولوجي للأسلحة النوويّة في طريقة تعاطي العسكريّين مع الأزمات الدوليّة، فأصبحوا يفضّلون السلم والحوار وتجنّب الحروب بسبب نتائجها المدمّرة.

المصدر: مؤسسة الفكر العربي