شهد العالم في العقود الأخيرة قفزة نوعية في تكنولوجيا وتقنيات أجهزة الاتصالات اللاسلكية، فمن هواتف وأجهزة تستخدم شبكة كبيرة من الأسلاك والكابلات العابرة للقارات إلى ألياف ضوئية ومن ثم شبكات كاملة تعتمد اعتمادًا رئيسيًا على الأقمار الصناعية في إرسال واستقبال الإشارات والبيانات المتداولة من خلالها.

لم يترك ذلك التقدم التكنولوجي الهواتف إلا بعد أن دعمها وأضاف إليها العديد من الخصائص والتطبيقات التي جعلتها حواسيب صغيرة تتنقل معك حيثما كنت وتربطت بكل ما يحدث في العالم عن طريق شبكة عنكبوتية تتيح لك الوصول إلى الآلاف من الملفات والبيانات خلال دقائق معدودة لتنال بذلك لقب "هواتف ذكية" بجدارة.

تعتمد تلك الهواتف بشكل أساسي على حزمة من التطبيقات التي طورتها شركات الاتصالات أو بعض الأفراد الذين قاموا بتقديم العديد من الخدمات للمستخدمين التي يسرت لهم التواصل وتبادل البيانات عن طريقها بكل سهولة؛ مما جعل تلك التطبيقات وسيلة لتبادل آلاف بل ملايين المحادثات والصور والفيديوهات كل يوم، لكنها أبدًا لم تضمن للمستخدمين أن تظل تلك الملفات في مأمن وأن تكون بعيدة عن أيدي الهاكرز وشركات الاتصالات التي تعتمد بشكل أساسي على تلك الملفات لمعرفة الذوق العام للجمهور ثم تسوقه بعد ذلك لشركات العلاقات العامة والدعاية والإعلام، بل إنها لم تضمن أن تكون تلك الملفات بعيدة عن منصة التخزين الخاصة بالشركة التي أطلقت التطبيق نفسه.

لتخطي تلك المشكلة تم تطوير نظام التشفير في بعض الشركات لكي تضمن لمستخدميها أن بياناتهم الشخصية والملفات التي يتداولونها ستظل لهم هم فقط، وذلك عن طريق تقنية التشفير وهي التقنية التي على أساسها نقوم بتعديل في شكل شيء ما نعرفه كي يتحول إلى شكل لا يستطيع أحد التعرف عليه، وهذا بالضبط ما يحدث في بياناتك وملفاتك التي ترسلها عن طريق تطبيق معين لكي تصبح غير مفهومة لأي شخص أو شركة تحاول الحصول على تلك الملفات ولن يستطيع الحصول عليها إلا بفك الشفرة الخاصة بها وهو ما يصعب فعله خصوصًا في التطبيقات التي تطلقها الشركات الكبرى؛ مما يجعل صورك وملفاتك قابلة للتنزيل من الشخص الذي أرسلتها إليه وفقط.

ولأعوام لم يستطع مستخدمو الهواتف الذكية الحصول على حق إجراء مكالمات أو تبادل صور وملفات بشكل آمن ومجاني، فعلى الرغم من أن مستخدمي هواتف "آيفون" يمكنهم تبادل الرسائل المشفرة والآمنة بين بعضهم البعض عن طريق برنامج "iMessage" ووجود بعض البرامج المجانية لمستخدمي "أندرويد" التي تتيح لمستخدميه محادثات آمنة، إلا أنه لم تكن هناك أي وسيلة تمكّن مستخدمي آيفون من إرسال رسائل لمستخدمي أندرويد أو العكس بشكل آمن إلا بالقيام بالاشتراك بشكل شهري على بعض البرامج مقابل مبلغ من المال، ويكون على المُرسَل إليه الاشتراك هو الآخر في هذه الخدمة لكي تتاح لكما وسيلة جيدة لمحادثة آمنة.

إلا أن هذا تغير بعد أن قامت شركة "Open Whisper Systems" المعروفة بتطوير أنظمة التشفير ومقرها في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية، بدمج خاصية المكالمات الآمنة في تطبيق "Redphone" وخاصية المحادثات الآمنة في برنامج "TextSecure" لتقوم بإطلاق تطبيق جديد باسم "Signal" يمكن تحميله على كل أنواع الأجهزة سواء كانت آيفون أو أندرويد أو غيرها.

في هذا السياق صرح مؤسس الشركة موشي مارلينسبايك، بأن شركته تعمل على تطوير التطبيقات لكي تستخدم أنظمة تشفير غير مرئية وغير قابلة للفك، وأضاف "ستكون تلك التطبيقات أفضل من منافسيها غير الآمنين".

ياتي إطلاق هذا التطبيق في وقت مثير للجدل، حيث أشارت بعض الصحف الشهر الماضي أن وكالات الاستخبارات تمكّنت من تخطي حاجز الأمان للملايين من الهواتف الذكية حول العالم عن طريق سرقة مفاتيح التشفير من شركة "Gemalto"، وهي واحدة من أكبر الشركات المصنعة لبطاقات الـ"SIM" في العالم، وبواسطة تلك المفاتيح ستتمكن المخابرات من الحصول على سيل من البيانات والنصوص والمكالمات دون الرجوع إلى شركات الاتصالات نفسها ودون الحاجة إلى أي عملية قانونية من أجل ذلك، لكن تلك المشكلة يمكن حلها باستخدام تطبيقات تعمل عن طريق شبكة الإنترنت مع دعم طبقة تشفير إضافية خاصة بالبرنامج نفسه بعد أن تمت سرقة مفاتيح التشفير الخاصة بشريحة الهاتف.

في سياق متصل، كان برنامج المحادثات الشهير "Whatsapp" قد قام في أواخر عام 2014 الماضي، بعد أن قامت شركة فيسبوك بشرائه، بدعم المحادثات الآمنة عن طريق نظام تشفير كامل لكل مستخدمي التطبيق على الهواتف الذكية التي تعمل بأنظمة أندرويد؛ مما يعني عدم تمكن أي جهة أو فرد ولا حتى شركة فيسبوك نفسها من الوصول إلى البيانات المتداولة عن طريق التطبيق.

إن أنظمة التشفير المطورة حديثًا يصعب فكها أو اختراقها من قبل أي دخيل على الشبكة منها الجهات القضائية والتي تبحث عن مفتاح ذهبي لتلك التطبيقات لتقوم بإنفاذ القانون من خلاله، لكن هذا الخيار غير متاح لأنه يهدد بقاء تلك المحادثات آمنة للمستخدمين، غير أن تلك النظم الجديدة المستخدمة للتشفير عالي الدقة أصبحت موضع قلق لأجهرة الاستخبارات الدولية والتي بدأت في الشكوى الصريحة من تلك الأنظمة؛ حيث قام جهاز المباحث الفيدرالية الأمريكية "F.B.I" بالإشارة إلى أن شبكة الإنترنت أصبحت أكثر ظلامًا (كناية عن عمليات التشفير التي تحجب عنهم المعلومات)، كما أشار متخصصون في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية إلى أن التقنيات التكنولوجية الجديدة المستخدمة من قبل شركات مثل "آبل" و"جوجل" والتي يمكن فكها فقط عن طريق الرقم الخاص بالمستخدم نفسه سوف تجعل العالم أكثر خطورة.

وتأكيدًا على هذا، قامت محكمة برازيلية بالتهديد بتحجيم تطبيق واتس آب في البلاد لأن الشركة غير قادرة على إعطاء بيانات أحد المتهمين الذي يقوم بابتزاز بعض المراهقين القصر لإجبارهم على إرسال صورهم وهم عراة إليه، بسبب أنظمة التشفير تلك.

ولضمان المزيد من الأمان يتميز تطبيق "سيجنال 2.0" الجديد بخاصية تمنع الهاتف من تخزين صور مصغرة للبرنامج والتي يتم تخزينها عندما يقوم المستخدم بالتصفح بين أكثر من تطبيق، حيث تظهر صور مصغرة لكل التطبيقات المفتوحة ويتم تخزين تلك الصور بشكل تلقائي على النظام الخاص بالهاتف، لكن الخاصية الجديدة تمنع الهاتف من حفظ تلك الصور مما يجعله أكثر أمانًا من غيره.