في السابع والعشرين من مارس 2014، وعقب استحواذ روسيا على شبه جزيرة القِرِم، قامت تركيا بالتصويت ضد مشروع قرار انفصال القرم عن أوكرانيا بالجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما قال وزير خارجيتها آنذاك، أحمد داوود أوغلو، إن بلاده ستظل تحمي حقوق تتار القِرِم، الذين هجّرت روسيا معظمهم أيام الاتحاد السوفيتي وأصبحوا أقلية الآن في الجزيرة، وتبعه وزير الخارجية التركي الحالي، مولود جاويش أوغلو، بتصريح في مطلع هذا العام، أعلن فيه استهجان تركيا للمعاملة التي يلاقيها تتار القرم على أيدي الروس، والذين لا يبدو أن استحواذهم على الجزيرة سينتهي في المستقبل القريب، وهو استحواذ يُقلِق الأتراك بشكل كبير بقدر ما يُقلِق أوروبا، إذ لا يقل البحر الأسود أهمية عن البحر المتوسط بالنسبة لها، فهو يقع في القلب من كافة دوائرها الإستراتيجية؛ الشرق الأوسط وشرق أوروبا والقوقاز والبلقان.

لكن الأزمة في نفس الوقت خلقت للأتراك نوافذًا جديدة في العلاقات مع روسيا ستزيد من رصيدهم السياسي في المستقبل القريب، أبرزها عودة اللعبة في البحر الأسود لما كانت عليه منذ قرنين؛ دائرة شبه مغلقة بين الروس والأتراك تتحدد بالأساس في موسكو وأنقرة، بعد أن تراجعت أوروبا وحليفها الرئيس في أوكرانيا.

***

على مدار القرون الثلاثة التالية لفتح القسطنطينية، كان البحر الأسود بشكل أو آخر بحيرة عثمانية، إذ كانت دولة تتار القرم الحاكمة في القرم جزءًا من الخلافة العثمانية، ولم يكن أي من جيرانها في الشمال قادرًا على انتزاعها، سواء البولنديين أو الروس الذين تأسست أول دولة لهم (دوقية موسكو الكبرى Grand Duchy of Moscow) في القرن الثالث عشر، ثم روسيا القيصرية في القرن السادس عشر، وحين تنامت قوة البولنديين بما يكفي، فإنهم استخدموها لوقف زحف الأتراك داخل أوروبا في القرن السابع عشر عبر تحالفهم مع دول البلطيق فيما عُرِف بالكومنوولث البولندي الليتواني (Polish Lithuanian Commonwealth)، لا من أجل التوسّع على حساب العثمانيين.

بيد أن تصاعد القوة الروسية، على الناحية الأخرى، حمل طموحًا بالتوسّع للوصول إلى البحر الأسود، حتى بدأت قوتها تضاهي قوة العثمانيين الآخذة في التراجع في عهد بطرس الأكبر، بانتزاعه مدينة أزوف من العثمانيين في مطلع القرن الثامن عشر، والتي تطل بشكل غير مباشر على البحر الأسود، ثم في عهد كاثرين الثانية بهزيمة الأتراك والسيطرة على القرم بالكامل، لتصبح روسيا لأول مرة في تاريخها بلدًا من بلاد البحر الأسود الأساسية، ولتكسر هيمنة الأتراك على البحر، وهو وضع لم يتغيّر حتى اليوم.

التوسّع الروسي وحسابات الغرب

كان سقوط الاتحاد السوفيتي واستقلال أوكرانيا أول مرة تفقد فيها موسكو السيطرة على القرم منذ قرنين، لتضطر إلى الدخول في اتفاقيات مع أوكرانيا لاستغلال القواعد الموجودة في الجزيرة بشروط محددة، إذ انقسمت التركة البحرية السوفيتية بين البلدين بنسبة 70% لصالح الروس و30% لصالح الأوكرانيين، وأصبحت موسكو تؤجّر قاعدة سيفاستوبول، والتي كانت مقر أسطول البحر الأسود الروسي سابقًا، من كييف، وهو اتفاق كان يثير حفيظة الكثير من الأوكرانيين الذين اعتبروه استمرارًا للاحتلال السوفيتي، وكانت القوى المعارضة لروسيا ترغب بعدم تجديده بعد أن ينتهي في 2017.

بينما كان الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش في الحكم، قررت كييف تجديد إيجار قاعدة سيفاستوبول لمدة 25 عامًا، في مقابل تخفيض أسعار الغاز الروسية إلى البلاد بنسبة 30%، لتبقى البحرية الروسية على الأراضي الأوكرانية حتى 2042 على أقل تقدير، وهو واحد من الأسباب التي أشعلت الاحتجاجات الأوكرانية العام الماضي، وأدت إلى سقوط الرئيس المدعوم من موسكو مع الاتفاق، ودخول روسيا بشكل مباشر للاستحواذ على القرم، ذات الغالبية السكانية الروسية.

بطبيعة الحال، أعطت جزيرة القرم دفعة للوجود الروسي في البحر الأسود بموقعها الإستراتيجي، إذ تُعَد الآن نقطة انطلاق عسكرية وإستراتيجية للدور الروسي في البلقان وشرق أوروبا، وكذلك في التوازن مع تركيا، والذي مالت كفّته لموسكو بالطبع بعد دخول القرم، أضف إلى ذلك أن استخدام البحرية الروسية للجزيرة لم يعُد مقيّدًا بالشروط الأوكرانية، وأن الروس استحوذوا على بعض القِطَع البحرية الأوكرانية التي كانت موجودة في سيفاستوبول، كما ستوفّر لهم القرم مليارات من الدولارات كانت موسكو تستعد لإنفاقها في تأسيس قاعدة كبيرة لها في البحر الأسود بمدينة نوفوروسيسك.

على مستوى الجغرافيا السياسية بالمنطقة، أدى الاستحواذ الروسي على القرم إلى قتل الدور الأوكراني بشكل شبه نهائي، ما لم تنقلب المعادلة ضد روسيا، وهو أمر غير مرجّح في السنوات المقبلة، فقد كانت القرم القاعدة البحرية الأساسية لأوكرانيا، والتي كانت لتتيح لها لعب دور مهم في التحالف الغربي لإحداث التوازن مع روسيا، إلى جانب تركيا، العضو بحلف الناتو، وهي آمال أوكرانية وأوربية تحطمت الآن، إذ لم يتبق لكييف سوى ميناء أدويسّا ليكون نقطة انطلاق لها في البحر الأسود، وهو موقع غير ذي قيمة كبيرة بالنظر لقدرة روسيا على محاصرته بسهولة من مواقعها الجديدة في القرم.

تباعًا، دفعت موسكو الحسابات الغربية في البحر الأسود إلى سياستَين تتسمان بالتوازي، أولها تعزيز الدور التركي، نظرًا لغياب أي حليف غربي يستطيع حاليًا موازنة موسكو سوى البحرية التركية، وثانيها الاهتمام برومانيا، وهي القوة المرشحة للعب دور مهم في المستقبل باعتبارها عضو بحلف الناتو والاتحاد الأوروبي بالفعل، وغير مرتبطة ثقافيًا بالروس على عكس بلغاريا، علاوة على ذلك، سيحتاج الغرب إلى توطيد علاقاته السياسية والاقتصادية مع كلٍ من بلغاريا، العضو بالناتو والاتحاد الأوروبي، وجيورجيا، واللتين تطلان على البحر أيضًا وتستطيعان مساندة الدور الأمريكي في احتواء وعزل الروس وتدعيم الوجود التركي.

الحسابات التركية

لا شك أن دخول الروس إلى القرم يثير قلق تركيا بشكل كبير، والتي كانت قد تنفسّت الصعداء بسقوط الاتحاد السوفيتي، وتراجع الضغط الروسي في البحر الأسود، مقابل ظهور دول متعددة قريبة لها، مثل جيورجيا ورومانيا وأوكرانيا وبلغاريا (رغم التوتر مع الأخيرة جراء سياساتها تجاه الأقلية التركية)، وهو قلق سيدفع أنقرة بالطبع إلى تدعيم علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة، خاصة وأن القرم يحمل مكانة خاصة في الثقافة التركية نظرًا لوجود تتار القرم فيه، مما يعني استحالة اتفاق الأتراك والروس على هذه المسألة مهما كانت خلافات أنقرة مع الغرب.

بيد أنه على الناحية الأخرى، يصب الوضع ما بعد القرم في مصلحة تركيا بشكل غير مباشر، إذ إنه يدفع بالغرب إلى تدعيم موقف تركيا بشكل قويّ في الفترة المقبلة نظرًا لغياب بدائل له، على حساب الإستراتيجية الغربية التقليدية في البحر الأسود، والتي تفضّل أن يكون دائرة متعددة الأطراف تبرز فيها رومانيا وبلغاريا بدلًا من الاعتماد الصِرف على تركيا، وهو ما لا يريح تركيا التي تفضَل أن تكون المنطقة أشبه ببحيرة روسية تركية، بينما تتبع كل الدول الصغيرة قيادتها لدور الناتو في المنطقة.

لماذا تفضّل أوروبا تعدد القوى في البحر الأسود؟ لأن كلًا من تركيا وروسيا يُعدَّان بلدين غير أوربيَّين سياسيًا، بل وكانتا تاريخيًا تهديدًا لأوروبا في أوقات مختلفة، فالروس والأتراك يمتلكان موقعًا جغرافيًا يجعلهما معبرًا نحو قلب أوروبا، وحين كانت إحداهما تمتلك القوة الكافية لتهديد أوروبا، كانت دول القارة تقف تلقائيًا مع الأخرى لإحداث التوازن، كما حدث مرات عدة في القرون الثلاثة السابقة على القرن العشرين، إذ دعمت بلدان أوروبية عدة قوة روسيا الناشئة بوجه الدولة العثمانية التي امتلكت آنذاك جزءًا كبيرًا من شرق أوروبا والبلقان، وحدث بالعكس في القرن العشرين، إذ تراجعت تركيا تمامًا وانتزعت بالكاد إسطنبول، في حين تمددت روسيا لتدفع بالغرب إلى التحالف مع تركيا وضمها لحلف الناتو، وهو وضع لايزال ساريًا إلى اليوم.

لهذا السبب، لا تحبذ بلدان الغرب سيناريو الهيمنة شبه الكاملة للروس والأتراك، إذ إنهما قد تتفقان في أي لحظة تجمعهما فيها المصالح المشتركة بشكل يهدد الموقف الغربي، مما يستتبع وجود نافذة أوروبية قدر الإمكان في إستراتيجية الغرب في البحر الأسود، وهي النافذة التي حاول الغرب خلقها بجذب بلدان البحر المختلفة إلى المدار الاقتصادي والعسكري الغربي، وبالتحديد أوكرانيا وجيورجيا المتاخمتين لروسيا، وهو ما يفسّر محاولات روسيا تقويض قوة هذين البلدين في البحر الأسود على مدار السنوات الماضية، لاسيما في الحرب مع جيورجيا عام 2008، والتي أدت إلى استحواذ روسيا على جمهورية أبخازيا المطلة على البحر الأسود، والحرب الأخيرة مع أوكرانيا التي حصلت فيها على القرم.

علاوة على استفادتها من دعم الغرب المتزايد لقوتها البحرية، ستستفيد أنقرة مباشرة من العقوبات الغربية على روسيا، إذ إنها البلد الوحيد القريب حاليًا الذي يستطيع تزويد السوق الروسية بسِلَع بديلة للسِلَع الأوروبية، وبجودة لا تقل عنها بشكل كبير، مما يعني ارتفاع في صادراتها لروسيا في الفترة المقبلة، أضف إلى ذلك أن التوتر في شرق أوروبا سيجعل تركيا البديل الوحيد المستقر لنقل الغاز الروسي في المستقبل، وهو ما ظهرت بوادره بالفعل بإعلان روسيا في ديسمبر الماضي إلغاء خط أنابيب "ساوث ستريم"، المار تحت البحر الأسود ثم بلغاريا، لصالح مشروع يمر عبر تركيا ومنها إلى اليونان، وهو ما يصب في مصلحة تركيا بطبيعة الحال، والتي تعمل بدأب منذ سنوات لتصبح جسر الطاقة الرئيسي في أوروبا وأسيا، وكذلك في مصلحة روسيا، إذ إن تركيا، غير العضوة بالاتحاد الأوروبي، والتي لن تصبح أبدًا على ما يبدو، بلد أكثر استقلالية عن سياسات الاتحاد الأوروبي فيما يخص الغاز والاقتصاد بشكل عام، مما يعني أن سياسة مرور الغاز عبرها ستخضع فقط للعلاقات الثنائية بين البلدين دون تدخل غربي مباشر.

قد تكون كل تلك المميزات التي حصلت عليها أنقرة جراء دخول الروس للقرم سببًا لأدائها السياسي المحايد نسبيًا في الأزمة، فرُغم ما تمثله عودة القرم لروسيا من قلق على المستوى الجيوسياسي، إلا أن أنقرة تدرك تمامًا حدود الدور الروسي في المستقبل القريب، وتثق بأن تصرفات روسيا ستجلب لها المزيد من الحلفاء بين بقية دول البحر بشكل يضع حدًا للتمدد الروسي، وهو ما يعطيها حرية حركة في الاقتراب من روسيا بهذا الشكل كما رأينا مؤخرًا، لاسيما والعلاقات بينها وبين بعض العواصم الأوروبية تعاني من التوتر جراء التطورات السياسية داخل تركيا، وتباطؤ عملية اندماج تركيا في الاتحاد الأوروبي.

***

في المُجمَل، وبالنظر للسنوات القليلة المقبلة، على أقل تقدير وصولًا إلى 2020، من المتوقع أن تزداد حصة الأتراك والروس في لعبة البحر الأسود، والتي يديران كفتها بعناية باقترابهما السياسي والاقتصادي مؤخرًا دون إغفال قواعد الجغرافيا التي تجعلهما منافسين لا حليفين، ليحققا بذلك أهدافًا قصيرة المدى، ويدعمّان إستراتيجيتهما في المنطقة على المدى البعيد.