لابد أنك سمعت تحذيرًا من تطعيم طفلك في جريدة أو قناة تلفاز واحدة على الأقل، ولابد أن هذا يُسبب لك القلق والشكوك والتساؤل، وربما فكرت في التهرب من الأطباء الذين يطعّمون طفلك مرة واحدة على الأقل، فبحلول سن الثانية يكون الطفل قد تلقى على الأقل 30 حقنة كي تعزز مناعته الطبيعية ضد المرض، لكن المشكلة هي حالة الضغط الإعلامي التي يواجهها الآباء ضد التطعيمات، بسبب مواقع تنشر فزعًا مجتمعيًا وتحذيرات من تطعيم الأطفال، أو بسبب مزاعم أشخاص مشهورين، أو بسبب دراسات مزيفة عن تسبب اللقاحات في مرض التوحد مثلاً، لكن عندما تقارن أخطار اللقاح مقابل أخطار عدمه، فإنك تدرك أنه لا توجد مقارنة أصلاً، ما هي المشكلة التي يصاب بها الطفل عندما يحدث له احمرار قصير الأجل أو بعض الحكة في مكان الحقنة؟ لا شئ!

إذًا لماذا كل هذه الضوضاء والجلبة بخصوص أمر اللقاحات؟

أحد أسباب هذه الجلبة، هو توقيت نمو الطفل، فالأطفال يتلقون معظم اللقاحات في سن ما قبل السنتين، وهو يتداخل مع توقيت النمو وظهور خلل في نمو الطفل عن أقرانه بسبب التوحد، لأننا نلاحظ مشكلة في اكتسابه مهارات جديدة بتقدمه في العمر، هذا التزامن يصنع قناعة مزيفة بوجود علاقة بين اللقاحات ومرض التوحد، والأمر لا يقتصر على مجرد حديث نسوة ثرثارات، أو علماء غير مسؤولين، لكنه تحول إلى حديث وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية، مسببًا حالة من الهلع وسط الآباء والأمهات، ورفض بعض الآباء تطعيم أطفالهم. 
العالم يرحب بمولودك الجديد بالكثير من الإبر، بسبب كل الأخطار التي تحيط به، والممتدة من الغبار إلى الميكروبات والفيروسات، صحيح أن لديه مناعة تم تمريرها إليه من أمه كي يحتمل الكثير من الأشياء المضرة، لكن هذه المناعة الموروثة سرعان ما تنتهي من الجسم، ليصبح على الطفل أن يطور نظامه المناعي الخاص كي يحارب في معركته للبقاء، ومن هنا، ظهرت اللقاحات لأول مرة في الصورة.

خرافة: لقاحات الأطفال خطر على طفلك

أثبتت الأدلة الطبية الدامغة أن أشد عرض جانبي للقاح بين الأطفال حديثي الولادة والصغار، لا يعدو مجرد انتفاخ واحمرار، وتورم صغير في منطقة الحقنة، ينتهي فيما يقل عن يومين، يوجد آثار جانبية نادرة أخرى لا تحدث في أكثر من واحد في المليون؛ حيث يحدث فيها رد فعل مناعي فوري يمكن معالجته بالأدوية الشائعة لتخفيف الحكة والتورم، أما في الحالات الأكثر خطورة، فيعطى دواء الإبينفرين.

هناك نسبة أكثر ندرة تتعرض لمضاعفات أخرى، فقد حدث في بعض الأطفال الذين تلقوا تطعيم الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية ارتفاع في درجة الحرارة، وتشنجات ناتجة عنها، يحتمل أن يحدث هذا بنسبة واحد على الثلاثة آلاف، لكن هذه التشنجات لا تؤدي إلى أي أضرار مستديمة في جهاز الطفال العصبي، كما التشنجات الناتجة عن زيادة الحرارة معتادة بنسبة 5% في الأطفال العاديين.

ويقول طبيب الأطفال باول أوفيت إنه ليس شيئاً جميلاً على الإطلاق أن تشاهد طفلك وهو يتشنج، حتى ابنته أصيبت بالتشنجات الناتجة عن الحرارة المرتفعة بعد أخذ حقنة الديفتيريا والتيتانوس والبيرتسس، لكن عليك أن تتذكر أن هذا النوع من التشنجات لا يترك في معظم الأحوال أضرارًا عصبية مستديمة للطفل، كما أن التطعيم الثلاثي للحصبة والحصبة الألمانية والنكاف أقل خطرًا بكثير من عدمه.

هل يمكن أن تسبب اللقاحات مرض التوحد لطفلي كما قالت الجرائد؟

انتشرت هذه الخرافة بقوة بسبب دراسة تفتقر إلى المصداقية والبراهين انتشرت بشدة في وسائل الإعلام، تم سحب هذه الدراسة فيما بعد وإيقاف الطبيب الذي عمل عليها بسبب افتقار نشرها للأسس الأخلاقية الطبية والأسس العلمية، لكنها للأسف لاتزال تسبب حالة من الخوف حتى الآن بين الآباء، ورغبة من الإعلام في الإثارة وبيع مزيد من النسخ، والضحية هو الطفل، الذي يظن أبواه أنهما يساعدانه بتهريبه من التطعيم، وأنهما يحمونه من المؤامرة مثلاً!

أُجريت بعد هذا عشرات الدراسات لتثبت بالأدلة العلمية أنه لا يوجد رابط بين اللقاحات والتوحد وأن هذه خرافة، منها مصادر علمية عريقة وموثوقة، قالت إن هناك مادة حافظة تحتوي على الزئبق العضوي وليس ميثيل الزئبق، وأن كمياتها ضئيلة، أو غير موجودة على الإطلاق، لكن لا يوجد أي دليل طبي على تسببها في مرض التوحد.

ما هي اللقاحات؟

اللقاحات هي عبارة عن البكتيريا أو الفيروس في صورته التي تم إضعافه فيها، وبذلك تدخل الجسم وتتعرف عليها المناعة، لتكون دوريات مراقبة هدفها انتظاره ومهاجمته عندما يدخل الجسم ثانية، وبذلك تحمي الطفل من المرض والموت.

عشرون مليونًا من الحالات كانت ستفد على المشفى و732 ألف وفاة كانت ستحدث لولا التطعيمات وسط الأطفال الذين ولدوا في العقدين الماضيين.

ألا يوجد تطعيم لا يتسبب في أعراض جانبية؟

هذه اللقاحات بالطبع قادرة على التسبب في ردود فعل سيئة من الجسم، كما أن كل شخص مختلف عن الآخر، وهذه الأعراض الجانبية تتوقف على الاختلافات الجينية بين البشر، وضعف المناعة، والتعرض البيئي.

إذا لم يكن أخذها خطرًا، فهل هناك خطر ما في عدد هذه التطعيمات؟

ينصح خبراء الطب الآباء بتطعيم أطفالهم ضد 16 مرضًا وفقًا لجدول التطعيمات الموجود، فهو ليس اعتباطيًا أو عشوائيًا، وإنما يعتمد على سببين؛ الأول أن هذا الجدول تم تنظيمه واختيار مواعيده حسب وقت أفضل رد مناعي من الجسم لهذا اللقاح، أما السبب الثاني فكلما تطعّم الطفل بشكل أصغر كان أفضل، سياسة الفصل بين اللقاحات وبعضها بمدة طويلة هو عمل بلا فائدة وبلا أساس علمي، كما أن التطعيمات تُختبر سلامتها دائمًا قبل أن تضاف إلى الجدول.

برغم هذا الكلام المقنع، فإن 93% من أطباء شملتهم دراسة نشرت هذا العام، قد تلقوا من قبل طلبًا واحدًا في الشهر على الأقل من أبوين قلقين بخصوص إبعاد المسافة الزمنية بين كل تطعيم وتطعيم، والأطباء يضطرون أحيانًا كثيرة للموافقة.

الآباء يعتقدون أن جسم الطفل ضعيف ولا يحتمل التطعيم، لكن ذلك خاطئ، فكل يوم يستجيب الجهاز المناعي للطفل لعدة مئات من المواد الغريبة عنه، أما اللقاحات فهي تتضمن أقل من 200 جسم جديد على المناعة.

ألا يمكن أن يعيش طفلي دون تطعيم؟

نحن نعيش في عالم مزدحم كثيرًا، كما أنه سريع والمرض يتحرك فيه بسرعة، ترك طفلك بدون تطعيم أشبه بترك محارب بدون درع يحميه، ثم نطلب منه أن يواجه العالم، إنه ضعيف وهذا يتركه بلا حصانة أمام الأمراض المستنزفة والقاتلة.

اختلاط طفل مريض لم يلقح بأطفال غير ملقحين، قابل لأن ينشر العدوى، بل وأن يعيد ظهور عدوى كانت قد اختفت مثل شلل الأطفال من جديد، وقد حدث مطلع هذا العام وباء لمرض الحصبة سمي "بوباء مدينة ديزني لاند" والذي أصاب زوار مدينة ديزني للأطفال؛ فقد تأكد إصابة أكثر من 100 شخص بسبب هذا الأمر، حسبما كشفت إدارة الصحة العامة بولاية كاليفورنيا، وشك مسؤولو الصحة العامة أن هذا الوباء بدأ عندما زار شخص مصاب من خارج الولايات المتحدة ديزني لاند، وقد أثار حالة من القلق دفعت الناس للمطالبة بعدم ترك حرية تقرير تطعيم الأطفال للأبوين وإجبارهم على ذلك، ومحاسبة من يتفلت من الأمر.

وقد قال باحثون في إدارة الصحة العامة بكاليفورنيا في تقرير لهم، إن عينات ثلاثين من المرضى حملت نفس النمط الجيني وأنها من سلالة كانت متفشية في الفلبين، وقد تم رصده في 14 دولة على الأقل.

وتستقبل ديزني لاند ملايين الزائرين سنويًا، يأتي الكثيرون منهم من خارج الولايات المتحدة، وقال التقرير المنشور في الموقع الإلكتروني للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إنه يظهر احتياجًا عاليًا إلى التطعيم في الولايات المتحدة.

ويذكر أنه في عام 2000  تم الإعلان عن خلو الولايات المتحدة من الحصبة بعد عقود من التركيز على تطعيم الأطفال، لكن في 2014 عاد المرض يضرب ثانية بسبب حالة الذعر التي نشرتها الخرافات والإعلام الباحث عن الإثارة في عقول الآباء، ما يوجب علينا أن نتصدى لهذه الخرافات بقوة، قبل أن نجد العديد من الأمراض المنقرضة تعود بشراسة لتقتل أطفالنا بسبب الآباء الذين يظنون أنهم يحمون أطفالهم بذلك، بينما هم يقتلونهم.