في حمص المحاصرة، حيث لا طرق للامداد للدخول أو الخروج صغيرة كانت أم كبيرة ، أكثر من 500 يوم من الحصار لقرابة 50 ألفاً من المحاصرين في حمص القديمة دون أدنى صوت للضمير العربي أو العالمي أو تدخل للمؤسسات الدولية والاغاثية، حيث أن هناك لا يوجد سلاح كيميائي .. ولكن بشر.

في حمص المحاصرة ان نجحت في اختبار القصف أو القنص أو اطلاق النار العشوائي من قوات النظام، فان لعبة الموت لم تنته بعد، بعض الاصابات الخفيفة تعالج في النقاط القريبة من الاشتباك ثم تنقل للراحة، البعض الآخر ينقل الى المستشفيات الميدانية القليلة القريبة، فاما أن أن تصل أو لا تصل، لتبدأ رحلة العلاج بالدواء الغير متوفر أو انتظار الطبيب المشغول مع مصاب آخر تعلقت روحه بين السماء و الأرض، لتدخل لعبة الموت مرحلة جديدة من العذاب ما بين نصف العلاج أو عدمه لعدم توفر المعدات والأدوية اللازمة.

في حمص المحاصرة، بعض تلك المشافي الميدانية تحوي سريرين فقط وبضع تجهيزات متواضعة، و رغم ذلك يقضي المصاب أحياناً ساعات ليأتي دوره في العلاج خصوصاً في الأوقات الحرجة مع تصاعد الهجمات، حيث يضج المشفي بالمصابين وتنتشر برك من الدم على الأرضية وتعبق رائحة الموت المكان، أولئك الذين يعانون من حالات حرجة جداً يتم نقلهم الى المستشفى المركزي ليبدأ المصاب رحلة أخرى من العذاب أثناء نقله عبر أنابيب الصرف الصحي لتفادي نيران النظام، وبعضهم يموت قبل أن يصل.

في حمص المحاصرة، حيث لا توجد سوى بضع سيارات اسعاف وحمّالات لنقل المصابين بعد الاستهداف المباشر لجميع الطواقم الطبيّة، الآن أصبحت العربة التي كان يستخدمها الباعة المتجولون لعرض بضائعهم هي الوسيلة الأساسية لنقل المصابين أو الشهداء، عادة ما يتواجد في أقبية المستشفيات الميدانية 3 أطباء من اختصصات مختلفة، واحد على الأقل أنهى تعليمه بالكامل، أما الآخرون فلم تسمح لهم الظروف باكمال سنواتهم الطبيّة لكن نداء الواجب والحاجة الملحة منذ بدايات الثورة جعلت من عمرهم المهنّي أكبر بكثير من مخزونهم العلميّ بحكم الحصار، وفي ظل ندرة أطباء الجراحة يجري هؤلاء الأطباء عمليات جراحية كاملة في غرف المستشفيات الميدانية اما بخبرتهم المتواضعة أو بالتواصل المباشر مع طبيب جراحّ عبر الانترنت.

في حمص المحاصرة الموت والحياة سيّان، من لم تخطفه الطائرات أو القناص، تختطفته قلة الغذاء أو الدواء أو العلاج المفقود في ظل استمرار قطع خطوط الامداد، الطفل الذي ولد مع أول حصار حمص غدا الآن عمره قرابة السنة والنصف .. من الحصار،  فالحياة بالنسبة له لا تتجاوز الأبنية المدمّرة والحليب النادر والغذاء المفقود وأصوات القصف والاشتباكات المتواصلة.

طالب الطب محمد الذي لم يستطع انهاء دراسته انضم الى فريق أحد المستشفيات الميدانية، تكمن مهمة الدكتور محمد - كما يناديه العاملون هنا والمراجعون -  في انعاش المرضى وتقديم العلاج المتوفر والدعم النفسي حالما تسنح الفرصة في نقلهم الى مكان أفضل للعلاج أو ربما خارج حمص، يقول :" الأمل هو العلاج الوحيد لهؤلاء المرضى، لا يمكننا علاجهم بالمعدات والامكانيات المحدودة التي بين أيدينا، نحن نعمل على ابقائهم على قيد الحياة بالوسائل التي لدينا مع قليل من الأمل حتى يتسنّى لنا نقلهم الى مكان آخر .. هذا هو الحل الوحيد ليتمكنوا من متابعة حياتهم من جديد "

أبو عبيدة والذي بدأ كناشط اعلاميّ ثم أصبح لاحقاً مسعفاً في أحد المستشفيات الميدانية يقول : " عندما تكون تحت الحصار، فعليك أن تتعلم أن تفعل كل شيء ، أنت تطبخ وتنظف الأواني والملابس، تأخذ الصور وترفعهم ليكونوا في متناول الاعلام، ان تكون جاهزا للمساعدة في أي وقت ، لا يوجد أمامك أي خيار آخر" ، في الوقت الذي يدفع فيه نشطاء حمص المنظمات العالمية للتدخل واخلاء الجرحى ورفع الحصار مع تزايد القلق من نفاذ المخزون الطبي البسيط لا محالة.