في الصباح الباكر من يوم الأربعاء الماضي الثامن عشر من سبتمبر/أيلول مكالمة هاتفية ترد الى هاتف والدي من مسؤول تفيد بأنه لن يسمح لي بالسفر عبر معبر رفح بين غزة ومصر، رغم الصدمة التي تلقيتها الا أني أصريّت على أن أحاول مرة أخرى، عدة دقائق مرت من المكالمات المتكررة بعدها سمح لي والدي بالمحاولة.

هكذا تبدأ ملكة محمد التي أنهت دراستها للأدب الانجليزي في الجامعة الاسلامية بغزة قصتها لتنتقل مؤخراً عبر معبر رفح البري وهو المنفذ الوحيد من غزة نحو العالم الى جامعة شيفيلد في بريطانيا لاستكمال دراستها في ماجستير السياسة والقانون الدولي، لتروي معاناتها ومعاناة أي طالب للعلم في قطاع غزة الذي عادت معاناة المسافرين منه واليه عبر معبر رفح بعد الانقلاب العسكري في مصر.

وتضيف ملكة وأنه في غضون ساعتين بدأت رحتلها الطويلة والمحفوفة بالمخاطر الى المملكة المتحدة، عبرت نقطة التفتيش من الجانب الفلسطيني الى نقطة التفتيش في الجانب المصري وفيما يبدو أن قرار اغلاق المعبر جاء الرد عليه سريعاً من قبل مجموعة من الطلاب التي منعت من السفر كذلك، كانت الغرفة مليئة بالصراخ وهتافات الاحتجاج التي ساندها سريعاً عدد أكبر من الطلاب الذي انضموا الى التظاهرة، رجال الشرطة المصريين في محاولة فاشلة لفض الاعتصام طلبوا منا التراجع، وبعد ساعة من التظاهرة وصل رئيس معبر رفح الحدودي الذي وعد بأنه سيفتح المعبر للطلاب في وقت لاحق ليوم واحد فقط على أن تتوقف الاحتجاجات على الفور.

الوعد بفتح المعبر قوبل بالشك فطلب المتحدث باسم الطلاب اثباتاً مكتوباً بذلك، ليبدأ بعد ذلك تسجيل أسماء الطلاب وبياناتهم وتفاصيل جوازات سفرهم مع نظرات ضباط الشرطة في شيء من التسلية، أثناء ذلك عم الصمت المكان وعيون الطلاب كلها الى المعبر مليئة بالدموع، قرار بشريّ واحد ما بين أن تخرج الى العالم الذي خلف المعبر لتبدأ أحلامك أو أن تقبع خلف بوابة المعبر عالقاً في قطاع غزة .. مزيد من القلق مع الرطوبة ودرجة الحرارة المرتفعة أدى الى اغماء بعض المتظاهرين.

10 ساعات من الاحتجاج والترقب وصل بنا الأمر بعدها الى طريق مسدود بعد اعلان أحد ضباط الشرطة بأن علينا أن نغادر المكان لأن عملهم لليوم قد انتهى وأن نأتي في اليوم التالي فلربما نكون قادرين على السفر، موجة غضب عارمة اجتاحت المكان أعلنت بعدها الشرطة أسماء 30 طالباً سيسمح لهم بالمرور ولم يكن اسمي بين أي منهم، بعض الأسماء لم تستجب مما أدى لاعلان أسماء آخرين، بعد ذلك ذكر أحد الضباط اسمي لأعبر الجموع المحتشدة باتجاه الضابط وأقول له أنا ملكة وعلامات الدهشة تعلو محيايي بعد 10 ساعات من الانتظار والترقب ليعلن اسمي من بين 1800 ممن ينتظرون .. شعرت كما لو أنها معجزة.

استملت بطاقة المغادرة خضراء اللون وطلب مني التواجد في المعبر تمام الساعة السادسة صباحاً، بينما كنت أهم بالمغادرة استوقفني منظر صديقتي التي كانت تقف جانباً وتبكي بعد يوم كامل من الترقب ولم يعلن اسمها بعد، كل جهودي في تهدئتها باءت بالفشل، الجامعات كانت قد بدأت دوامها بالفعل خارج القطاع و ترْكُ الخيار في من يغادر القطاع ومن يبقى عالقاً في الداخل في أيدي مسؤولين غير مبالين يعني الكثير في حياة هؤلاء الطلاب، مضيت وكلّي بأن يأتي دورها في اليوم التالي.

صباح اليوم التالي شعرت ولما كأن أسبوعاً كاملاً مضى خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية، هذه هي المرة الأولى التي أقول فيها وداعاً لأهلي وأصدقائي والأرض التي عرفتها كل حياتي، هي التجربة الشخصية التي لا يوفيها الكلام حقها، كنت واحدة من كثيرين أنهوا مراسم الوادع بعيون مليئة بالدموع وغير مرتاحة بالطبع لأجواء اليأس المنتشرة، بعد ساعتين من الانتظار تحت أشعة الشمس والطوابير والأسئلة المتكررة مع ضباط الشرطة المصرية انتقلنا الى مكان آخر أصبحنا من خلاله نرى الدبابات ورجال الجيش المصري من الطرف الآخر وكأن العالم بدأ يلوح في الأفق مع مزيد من نظرات العداء، موجة أخرى من الأسئلة والاستفسار عن أسباب الخروج وموعد لساعة أخرى من الانتظار تحت الشمس.

أخيراً دلفنا الى الغرفة الأخيرة المؤدية الى الباصات وبعد سلسلة من المفاوضات أخذ جواز سفري للفحص، لم أكن أعلم وقتها أنه سيحتاج لخمس ساعات أخرى من الانتظار ذكرّت في الساعة الأخيرة منها ضابط الشرطة أن يعيد لي جواز سفري قبل أن يتم اغلاق المعبر حيث أنه قد بقي ساعة واحدة على ذلك، من ضابط لآخر ومن غرفة لأخرى لأجد نفسي ساجدة على الأرض بعد أن تمت المنادة على اسمي واستلمت جواز سفري.

كان الوقت ليلاً عندما عبرت بوابة الخروج من الجانب المصريّ، كان وضعاً استثنائياً بالنسبة لفتاة في مقتبل العمر، و حظر التجوال المتبع في مصر هذه الأيام زاد من ندرة السائقين عدا عن السفر من رفح الى القاهرة عبر صحراء سيناء والتي تعتبر منطقة خطرة على جميع المسافرين بغض النظر عن الجنس أو اللون، الا أني كنت محظوظة لأجد أصدقائي يغادرون معي مستقلين سيارة أجرة مع سائق مصريّ يعرفونه فتكرموا بدعوتي للانضمام اليهم، خلال الرحلة تم ايقافنا أكثر من مرة على الحواجز من قبل ضباط الشرطة المصرية وكانوا حريصين على استجواب الفلسطينين، التجربة بحد ذاتها لا انسانيّة .. على أقل تقدير.

ما ان وصلت الفندق وافترقت عن أصدقائي بدأ الخوف يتسلل اليّ من الجوّ المهدد الذي يشعر به فلسطيني في مصر، لم أسمح لنفسي بالنوم حتى خوفاً من أن شيئاً ما قد يحدث، وفي عجلة مني للرحيل حجزت طائرة الى دبي وأمضيت بقية الليلة في بهو الفندق أتواصل مع أهلي وأصدقائي وأسمع من خلفي أصوات القنوات المصرية وهي تبث شائعات القتل والخطف التي يمارسها سكان قطاع غزة في سيناء، شعرت وقتها وكما أني غير مرحب بي في هذه البلاد الأجنبية .. رغم أننا نتشارك نفس الدين والثقافة ونتحدث نفس اللغة.

أثناء فترة تحليق الطائرة لم أستطع النوم حيث كنت أفكر بمحنتي التي عايشت في مصر، عزائي الوحيد أني سأصل أخيراً الى بريطانيا لأواصل دراستي في السياسة والقانون الدولي، اللطف والأدب كان واضحاً على موظفي ادارة الهجرة في مطار جاتويك، وصلت أخيراً الى جامعتي الجديدة شيفيلد بمساعدة رئيس اتحاد الطلاب في الجامعة الذي أقلني من المطار، ولا زلت أفكر بالوضع في مصر، ومئات الطلاب الذين تركتهم خلفي عالقين في غزة، صدقيتي منار التي فقدت منحتها الدراسية في جامعة ترنت في كندا لأنه لم يكن بمقدورها ان تعبر من غزة الى القاهرة في موعد مقابلة الحصول على التأشيرة، وآخرون بدأت الدراسة في جامعاتهم مع استمرار اغلاق المعبر خلال الأيام الماضية.

في غزة .. حيث الحياة مليئة باللايقين، لا شيء مضمون  فضلاً عن الفساد والقسوة والفرص الضائعة، كل هذه المخاوف ليست الا على بعد خطوتين من ظلك، احتمالات الحصول على منحة دراسة دولية ضئيلة بالشكل الكافي، ناهيك عن الظروف الأخرى الخارجة عن سيطرتنا : الحصول على تأشيرة سفر والتمويل في مدة قصيرة محددة، الرحلة عبر معبر رفح سيئ السمعة، عدم الاستقرار السياسي في مصر وحظر التجوال في سيناء، بالاضافة الى التهديد الدائم لامرأة شابة والقسوة والتمييز من الجيش المصري.

في غزة لا شيء مؤكد .. والحياة الهادفة لشيء عظيم قد تغتال في غمضة عين.

يمكنكم متابعة ملكة على حسابها في تويتر @MalakaMohammed