دخلت إيران في مفاوضات بشأن برنامجها النووي أمام (5+1) من الدول الغربية بغية مناقشة الوصول إلى حل يقود الجميع إلى تسوية نهائية للملف النووي الإيراني، خرجت التسريبات تقول إن الاتفاق المبدئي نهاية هذا الشهر، وها هي الجولة الأخيرة من المفاوضات قد أوشكت على الانتهاء، حيث يجتمع وزراء خارجية الدول المشاركة في المفاوضات في مدينة لوزان السويسرية لإنهاء مناورات أخذت شكل المفاوضات لمدة وصلت لأكثر من 10 سنوات.

تسود حالة من التفاؤل هذه المرة بين كافة الأطراف ولكن يظل هذا على مستوى التصريحات الإعلامية فقط لا غير، وينتظر الجميع خروج الاتفاق المبدئي معبرًا عن هذه الروح المتفائلة إعلاميًا ليترجم ذلك على أرض الواقع.

لإبداء توقعات عن شكل هذا الاتفاق لابد من التركيز على موقف كل فريق مشارك في هذه المفاوضات على المستوى الإيراني والغربي على حد سواء من عدة بنود إذا تم حسمها فإن ما بعدها يسير.

أولًا: قضية العقوبات

قضية رفع العقوبات عن إيران قضية حساسة جدًا داخل الاتفاق، فمازال الاختلاف قائمًا بين الأطراف المشاركة في المفاوضات، وذلك من حيث كيفية رفع العقوبات المفروضة على إيران، التي فُرضت عليها بدعوى سعيها لامتلاك أسلحة نووية، حيث تشترط إيران رفع العقوبات كاملة وعلى دفعة واحدة، بينما ترى مجموعة الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة ضرورة رفع العقوبات تدريجيًا.

إيران ترى أن الأمر فرصة استثنائية للغرب لن تتكرر إذا ما فوتتها الولايات المتحدة لأن من يتزعم اتجاه المفاوضات هو حسن روحاني الذي رهن مصير ولايته الثانية لإيران بنجاح هذه المفاوضات؛ الأمر الذي دفعه أن يبعث برسالة خطية إلى نظيره الأمريكي باراك أوباما، يشرح فيها موقفه من أمر العقوبات وضرورة التوصل إلى اتفاق لإنهائها، كما أجرى اتصالات هاتفية بكل من روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا، شدد خلالها على ضرورة عدم تفويت "الفرصة الاستثنائية" للتوصل لاتفاق، كما دعاهم إلى رفع كافة العقوبات المفروضة على إيران.

من جانب الولايات المتحدة فهي تريد أن تجعل رفع العقوبات وفق جدول زمني تدريجي بحيث تضمن الجانب الإيراني إذا ما أخل بأي من اتفاقاته بشأن البرنامج النووي، فتتمكن الولايات المتحدة من فرض العقوبات مرة أخرى بسهولة ويسر دون الحاجة إلى تعقيدات دولية أخرى، وهذا الأمر حتى الآن يخضع لمبادرات عدة توجه للطرف الإيراني حتى يخرج بصيغة نهائية بشأن وضع الاقتصاد الإيراني بعد تنفيذ الاتفاق هل سيبقى رهينة العقوبات الاقتصادية أم سيرفع الحظر الاقتصادي عنه.

ثانيًا: مسألة الرقابة على المنشآت النووية الإيرانية في المستقبل

الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت أنها عاجزة عن تأكيد سلمية البرنامج النووي الإيراني، لذا يوجد اختلاف بين أطراف الاتفاق حول مسألة من سيوكل إليه مهمة التفتيش إذا ما عجزت وكالة الطاقة الذرية بمفتشيها، فالغرب قد يطالب بالتفتيش العسكري لضمان سلمية البرنامج وهو ما ترفضه إيران رفضًا باتًا، إذ تعتبر دخول مفتشين إلى المنشآت العسكرية الإيرانية أمر مستبعد تمامًا، حيث قامت طهران بإجراء تجارب على تصنيع متفجرات ولم تقدم طهران تفسيرًا لهذه التجارب التي أجرتها مع رفضها التام دخول المراقبين لموقع برتشين العسكري الذي يشتبه الغرب في استخدامه في إجراء تجارب نووية ذات طابع عسكري.

كل هذا الخلاف يهدف إلى التثبت عبر المراقبة من عدم سعي إيران لحيازة القنبلة النووية من خلال فرض مراقبة وثيقة على برنامجها النووي والتأكد من إبعاده عن الملف العسكري، مقابل رفع العقوبات الدولية التي تخنق الاقتصاد الإيراني منذ سنوات.

هذا وتطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران بالتعاون معها فيما يتعلق بالاشتباه في أن ثمة أنشطة عسكرية قد تكون مرتبطة ببرنامج للأسلحة النووية وهو ما سيساعد في تضييق هوة الخلاف.

وتعهدت إيران بتقديم ردود إلى وكالة الطاقة الذرية على المزاعم المتعلقة باختبار متفجرات وأنشطة عسكرية أخرى لها علاقة ببرنامجها النووي، لكنها لم تفعل ورفضت التصريح لمسؤولي الوكالة بزيارة موقع برتشين العسكري الرئيسي.

وفي وقت قريب، قال مصدر مقرّب من المحادثات لوكالة رويترز للأنباء إن وزيري الخارجية الإيراني والأمريكي ظريف وكيري يعملان على صياغة مقترحات تسوية جديدة بشأن الرقابة، دون مزيد من التوضيح، ليظل الأمر غامض ومعلق حتى ظهور الاتفاق المزمع إعلانه خلال ساعات.

ثالثًا: قضية تخصيب اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزي

تصر ألمانيا على وضع سقف دائم للحد من تخصيب اليورانيوم داخل إيران، بينما يرى المفاوض الإيراني أن هذا الأمر ليس عادلًا وإنما هذا التحديد للتخصيب يجب أن يكون مؤقتًا بحيث تستطيع إيران زيادته بعد مدة الاتفاق حتى تتمكن من استخدام هذا التخصيب في الأغراض السلمية لبرنامجها النووي، ومع هذا الحد المقترح لن تستطيع الاستفادة من البرنامج ككل ولن يفي بالأغراض.

أما عن أجهزة الطرد المركزي فإيران تمتلك 9 آلاف جهاز طرد مركزي حتى الآن قيد التشغيل وتقريبًا نفس العدد غير مفعل، نجحت إيران في هذه المفاوضات في إبقاء 6 آلاف جهاز مركزي تحت تصرفها وتسعى لرفع سقف التفاوض واكتساب المزيد، بينما تصر مجموعة (5+1) على عدم السماح بأي زيادة أخرى مع إمكانية التدمير المتبقي وهو مازال تحت التفاوض وسيؤثر بشكل كبير في الصياغة النهائية للاتفاق، فهل ستقبل إيران بتدمير هذه الأجهزة ومنشآتها النووية أم ستعدل استخدامها كما يريد المفاوضون الغربيون أم ستتمكن من الحفاظ عليها كما تريد هي بالتحديد؟

هناك قيود على إيران في عملية البحث والتطوير في أجهزة الطرد المركزي لم تحسم بعد حتى الآن، فحسبما ذكر المسؤولون فإن طهران تقول إنها ستخصب اليورانيوم 16 مرة أسرع من هذا النموذج العادي وهذا الأمر يقلق الولايات المتحدة وحلفاؤها الذين يريدون تقييد البحث والتطوير في هذه النماذج، لأن من شأن ذلك أن يزيد من سرعة طهران لامتلاكها ما يكفي لصناعة الأسلحة النووية من تخصيب اليورانيوم المعدّ لصناعة قنبلة عند حدود رفع البرامج.

رابعًا: اعتبارات أخرى في التفاوض

أتت تسريبات من كواليس المفاوضات الأمريكية - الإيرانية والتي تتحدث عن قبول إيران التوقيع على الاتفاق النووي بعد الوصول إلى حلول وسط والتغاضي عن بعض الشروط الغربية مقابل اعتراف دولي ضمني في منطقة الشرق الأوسط بالنفوذ الإقليمي لإيران بها، أو على الأقل عدم إبرام تسويات سياسية في العراق وسوريا دونما التشاور معها، بالتأكيد الملف اليمني خيم بظلاله على المفاوضات في مراحلها الأخيرة، حيث إنه يقع ضمن بند النفوذ الإقليمي لإيران ليأكد محللون أن إيران تقيم اتفاقًا سياسيًا مع الولايات المتحدة على رفاة الشرق الأوسط، هذا الأمر مرهون بردة فعل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وهل ستدعهم أمريكا ليواجهوا إيران دونما تدخل لتفعيل هذا الاتفاق النووي، أم أن أمريكا ترواغ إيران باتفاق غير واضح الملامح ولا يمكن محاسبتها عليه، وليبقى خيار أن كلاهما لا يريد التوصل إلى اتفاق حازم وأن هذه الصيغة هي الأنسب لكليهما.

مخاوف السعودية جعلتها تستبق بضربة عسكرية للنفوذ الإيراني في اليمن وفي ثناياه ترتيب لآخر في سوريا؛ فهل أرادت السعودية أن تحسم الصراع مع النفوذ الإيراني قبيل التوصل إلى الاتفاق الإيراني الغربي لتُفسد ما تم الاتفاق عليه قد يكون هذا أمرًا واردًا ولكن لا يمكن أن نغفل أن السعودية وبقية حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من العرب يساورهم القلق تجاه هذا الاتفاق الذين لا يعملون تفاصيله حتى هذه اللحظة.

حيث صرح الأمير تركي الفيصل الرئيس السابق للمخابرات السعودية بقوله: "إنه من المرجح أن تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق في المحادثات الجارية بشأن برنامج طهران النووي"، وأضاف الفيصل "سيكون لدينا اتفاق لكن لا أعرف كم هو جيد أو سيء لأننا لم نطلع على التفاصيل"، وهو ما يؤكد أن ردة فعل حلفاء أمريكا من العرب يجب أن تحسب في هذا الاتفاق من قِبل صناع القرار في الغرب خاصة مع شعور السعودية بجم التهديد في هذه اللحظات.

نقطة أخرى يجب أن توضع في الاعتبار وهي سياسية أيضًا بالأساس وهي الموقف الإسرائيلي الرافض لهذا الاتفاق شكلاً وموضوعًا على الأقل على المستوى الإعلامي، حيث هاجم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة على الاتفاق هذا واصفًا إياه بأنه "اتفاق خطير" سيسمح لإيران على حد قوله "بالهيمنة" على الشرق الأوسط.

كما صرح أيضًا في إطار مراسم توزيع شهادات تقدير على موظفين متفوقين في مكتب رئاسة الحكومة الإسرائيلية معقبًا على سير المفاوضات النووية مع إيران في لوزان بقوله : "إن الاتفاق الآخذ بالتبلور في لوزان يوجه رسالة مفادها أن من يمارس العدوان لا يدفع أي ثمن عليه، بل بالعكس، إيران تتلقى المكافاة مقابل عدوانها"، على حد تصريحاته، مضيفًا "الدول المعتدلة والمسؤولة في المنطقة ستكون في مقدمة المتضررين من هذا الاتفاق، حيث لا يمكن التفهم كيف عندما تواصل قوات مدعومة من قّبل إيران احتلال المزيد من الأراضي باليمن، الدول العظمى في لوزان تتغاضى عن هذا العدوان، ولكن نحن لا نتغاضى وسنواصل التصدي لأي تهديد".

من كل هذه التصريحات الغاضبة يتضح لنا أن إسرائيل هي الأخرى متوجسة من هذا الاتفاق وأن على الولايات المتحدة والغرب أثناء توقيع الاتفاق، المضي في تسوية ما أو اتفاق آخر بين إيران وإسرائيل ولو على مستويات محددوة لا تظهر للدوائر العامة، ولكنه أمر من الضرورة بمكان لإتمام أي اتفاقات من الممكن أن توقع.

وفي النهاية يصرح بعض المحللين بأنه حتى إذا تم قبول مثل هذا الاتفاق المبدئي خلال الأيام المقبلة، لا يوجد ما يضمن أن يتمكن الجانبان من الاتفاق على التفاصيل الفنية الكثيرة بحلول 30 يونيو القادم موعد الجولة التفاوضية القادمة، محذرين من أن احتمال انهيار المفاوضات فيما بعد لايزال قائمًا.