إذًا، توصلت إيران والقوى الغربية إلى اتفاق احتفى به الإيرانيون والأمريكيون على حد سواء. لم يعلق العرب بشكل إيجابي، اللهم إلا عُمان التي رحبت بالاتفاق بعد ساعات من الإعلان عنه، والجزائر التي أصدرت بيانا في وقت لاحق يهنئ إيران بنتائج التفاوض، أما دولة الاحتلال الإسرائيلي فقد اعتبرتها خطأ تاريخيا.

ولتبديد المخاوف الإسرائيلية، اتصل أوباما برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -الذي اعتبر الاتفاق تهديدا لبقاء إسرائيل- مؤكدا له أن الاتفاق يمثل تقدما مهما نحو حل دائم يقطع عن إيران جميع المسارات إلى سلاح نووي، مشيرا إلى أن التقدم على الصعيد النووي لا يقلل المخاوف بشأن "رعاية إيران الإرهاب والتهديدات تجاه إسرائيل".

مندوبة الأردن لدى مجلس الأمن دينا قعوار أعربت عن أملها في أن يؤديَ الاتفاق إلى “انفراجة” في الشرق الأوسط. كما رحب وزير الخارجية التركي داود جاويش أوغلو بالاتفاق معبرا عن أمله في أن تقوم إيران بخطوات للتوصل إلى اتفاق نهائي.

وكانت ورقة حقائق أمريكية قد كشفت أن إيران وافقت الخميس على أن تخفض بشدة عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها في تخصيب اليورانيوم من 19 ألف جهاز إلى 6104، وستقوم بتشغيل 5060 منها فقط، بموجب اتفاق نووي شامل ستوقعه في المستقبل مع الدول الست الكبرى.

وجاء في الورقة أن إيران ستحظى بتخفيف تدريجي للعقوبات الأمريكية والأوروبية المتصلة بالبرنامج النووي مع إظهارها الالتزام بالاتفاق النووي الشامل الذي تسعى إيران والدول الست الكبرى لإنجازه بحلول 30 حزيران/ يونيو المقبل.

وطبقا للورقة، فإن هذه العقوبات سيعاد فرضها سريعا في حالة إخفاق طهران في الالتزام ببنود الاتفاق. وقالت الورقة إن العقوبات الأمريكية على إيران بسبب “الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان والصواريخ طويلة المدى ستبقى” بموجب الاتفاق النووي المستقبلي. وأضافت أن عمليات التفتيش القوية لسلسلة إمداد اليورانيوم في إيران ستدوم 25 عاما.

وجاء في الورقة أيضا أن إيران وافقت على عدم تخصيب اليورانيوم فوق معدل 3.67% لمدة 15 عاما على الأقل، وأنها وافقت أيضا على تقليص مخزون اليورانيوم منخفض التخصيب البالغ عشرة آلاف كيلوغرام إلى 300 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب، بنسبة 3.67% لمدة 15 عاما. كما أشارت إلى موافقة طهران على عدم بناء أي منشآت جديدة لتخصيب اليورانيوم لمدة 15 عاما.

وبُعيد الإعلان عن توقيع الاتفاق، نزل مئات الإيرانيين إلى شوارع العاصمة طهران الخميس للاحتفال بالاتفاق الذي تم التوصل إليه قبل ساعات في مدينة لوزان السويسرية بين الدول الكبرى وإيران بشأن برنامجها النووي، وقد أشاد الرئيس الإيراني حسن روحاني بالاتفاق بُعيد توقيعه، ووصفه بأنه تاريخي.

نيويورك تايمز تتوقع أن يتواءم العرب مع التعديلات الجديدة في موازين القوى في المنطقة. القلق العربي واضح، إلى الحد الذي دفع الرئيس الأمريكي إلى الاتصال بالملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز والتأكيد على “الصداقة الدائمة” بين الرياض وواشنطن.

الملك السعودي أخبر أوباما أنه يتمنى أن تسهم الصفقة في دعم استقرار وأمان المنطقة، كما أوردت وكالة الأنباء السعودية. لكن هذا التصريح لا يمكن النظر إليه بجدية في الوقت الذي تقوم فيه السعودية ودول عربية أخرى بقيادة حرب على عدة جبهات مع وكلاء إيران أو حتى مع جنود إيرانيين في سوريا ولبنان واليمن.

الأمر كان واضحا لدى السعوديين منذ البداية، الصحفي جمال خاشقجي كتب في عموده بصحيفة الحياة اللندنية قبل عدة أيام يقول في مقال بعنوان “مبدأ سلمان” أن “العاهل السعودي قرر أن بلاده لا تستطيع أن تحتمل أكثر السياسة التوسعية الإيرانية المستفزة في المنطقة ولا السكوت الأميركي عن ذلك. لم يعد يهم السعودية ما إذا كان هذا السكوت ضعفاً عابراً لرئيس ستنتهي ولايته بعد عامين، أم مؤامرة، أم صفقة كبرى يساوم بها الرئيس باراك أوباما الإيرانيين وهو يفاوضهم على مشروعهم النووي.

الأمر نفسه أكده موقع قناة العربية في تغطيته للاتفاق، حيث قال في عنوان جانبي أن “الاتفاق لا يقلل من المخاوف” بشأن برنامج إيران النووي. مسؤول سعودي صرح لنيويورك تايمز أن الاتفاق تناول جانبا واحدا فقط ولم يتناول كل أبعاد التوسع الإيراني في المنطقة.

أما السوريون فإن القلق يعتريهم بسبب التقارب الأمريكي الإيراني والذي يُتوقع أن يؤثر بشكل مباشر على معركتهم بجانب نظام الأسد في سوريا. ففي تصريح لمنذر أقبيق مستشار الشؤون الرئاسية في الائتلاف الوطني السوري، قال إن رفع العقوبات عن طهران سيعني المزيد من الأموال لنظام الأسد.

ويُعتقد أن رفع العقوبات سيؤدي إلى الإفراج عن أكثر من 150 مليار دولار من الودائع الإيرانية في البنوك، وطبقا للتقارب الإيراني مع النظام الحاكم في دمشق، فبالتأكيد سيعني ذلك دعما للديكتاتور بشار الأسد.

حزب الله أدرك ذلك، وقام بتهنئة إيران في بيان قال فيه إن “الإنجاز التاريخي” هو نتاج الصبر والمواجهة مع الغرب و نتيجة “نضال الشعب الإيراني تحت قيادة حكيمة وواعية”. بالتأكيد سيحصل الحزب على الكثير من الدعم بعد هذا الاتفاق.

جدير بالذكر أنه قبل الثلاثين من يونيو المقبل، الموعد النهائي لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق المبدئي، يجب أن تعمل القوى الغربية مع إيران على قضايا الاهتمام المشترك مثل “الاستقرار في أفغانستان والعراق، وإنهاء إراقة الدماء في سوريا واليمن” بحسب ما قالته مجموعة الأزمات الدولية ICG. “طهران يجب أن تبدأ في اتخاذ خطوات ملموسة لإقناع جيرانها بأنه، على الرغم من أنها تعيد تموضعها من جديد سياسيا واقتصاديا، إلا أن الاتفاق مع الغرب لم يأت في تضاد مع مصالح الجيران” كما قال بيان للمجموعة.