انتهت القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ منذ أسابيع بخبر مثّل مفاجأة لكثيرين، وربما حلمًا تأخر كثيرًا، وهو اتخاذ خطوات من قِبَل الجامعة العربية لتأسيس قوة عربية مشتركة تواجه التحديات الأمنية الإقليمية الجديدة، وهي خطوات تبدو إيجابية للوهلة الأولى، وقد شجعها وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر كتطور جيّد، لا سيما وبلاده تريد الابتعاد قليلًا عن الانخراط العسكري في المنطقة وتحتاج لبديل يحمل عنها أعباء الدور الاستراتيجي الأمريكي، إلا أن النظر بتمعّن يشي لنا بأن هذه القوة العربية سيكون لها عواقب سلبية على العلاقات الطائفية في الشرق الأوسط، وهو أمر واضح بالنظر للسياق الذي تم فيه الإعلان عنها: ضربة عسكرية سعودية ضد المتمردين الحوثيين الشيعة المدعومين من إيران في اليمن، في نفس الوقت الذي كانت تنتهي فيه تفاصيل الاتفاق الدولي بخصوص برنامج إيران النووي.

 حتى الآن، تبدو تفاصيل ذلك الاتفاق مبهمة، حيث طلبت القمة بشكل رسمي من قيادات القوات المسلحة للدول الأعضاء تحضير خطة شاملة لمجلس الدفاع المشترك التابع للجامعة في خلال ثلاثة أشهر، ليتم تحديد مهام وإطار عمل تلك القوة، أما الآن فكل ما هنالك مجرد تكهنات بما ستؤول إليه الخطة، والتي قال مسؤولون أنها ستتكون من 40،000 جندي مدعومين بالقوى البحرية والجوية، ومن المتوقع بالطبع أن تقدم السعودية الدعم المادي بالأساس، في حين ستقدم مصر القوة العددية، بالإضافة لمساهمة قوية من الإمارات والكويت، على أن يكون تمركز القوات الأساسي إما في الرياض أو القاهرة.

مما لا شك فيه أن الجامعة العربية كانت في حاجة بالفعل إلى تغيير جذري في بنيتها، لا سيما وقد أصبحت في السنوات الأخيرة منبرًا غير ذي جدوى في الشؤون الإقليمية، وقد كتبت بنفسي داعيًا إلى أن تكون الأزمة السورية ذريعة لتحوّل كهذا، كما كانت الإبادة الجماعية في رواندا حافزًا للاتحاد الأفريقي لتفعيل مؤسساته، حيث دفعته الأزمة آنذاك إلى تشكيل قوات حفظ سلام من 15 بلدًا ومجلسًا للأمن لإدارة وحل الصراعات، والحقيقة أن صعود داعش قد حرّك المياه الراكدة في الجامعة العربية، ولكن الخطوات الأخيرة تستوجب نظرة ناقدة نوعًا ما، وبالتحديد الإعلان الذي أقصى الشيعة العرب من قلب الجامعة، وزاد من الاحتقان الطائفي الموجود، مما يشير إلى عامل انقسام هنا يدفع نحو القوة المشتركة، لا عامل وحدة كما يبدو لنا.

على عكس الظروف “الوحدوية”، إن جاز القول، التي دفعت إلى وضع خطط للدفاع المشترك عام 1950، بعد تأسيس إسرائيل، فإن الظروف الآن تبدو مغايرة تمامًا، فإلي جانب إقصاء النظام السوري بعد اندلاع الحرب الأهلية، والذي لم يكن بوسعه بالطبع أن يعترض على الخطة ويمكن أن يقول قائل بأنه لم يعد يمثل سوريا شرعيًا، فإن بغداد وبيروت قد عبرتا عن بعض التحفظات على تلك الخطة، لا سيما وهما موطن لأعداد كبيرة من الشيعة، وهو ما دفع الأمين العام نبيل العربي إلى الإعراب عن اعتراض العراق رسميًا على المبادرة “نظرًا لغياب حوار سابق حولها،” ليتبع وزير الخارجية العراقي، إبراهيم الجعفري، هذا الاعتراض بتحذير من مغبة صراع عربي عربي، في إشارة إلى خطوات السعودية في اليمن، بينما دعا لبنان الجامعة إلى تنفيذ الخطوات التي تحظى بالإجماع فقط.

بطبيعة الحال، الإجماع هو شرط من شروط الجامعة ليصبح أي قرار ملزمًا، وبالتالي فإن أنصار القوة العربية المشتركة اضطروا لوصف مشاركتهم في تلك القوة بالـ”تطوعية”، مما يترتب عليه أن تكون أي مشاركة مستقبلية عبارة عن تحالف سني على أرض الواقع، كما يجري الآن في اليمن، باستخدام مظلة الجامعة العربية ليس إلا، وهو اتجاه خطير يدفع بالجامعة نحو خلق صورة لها باعتبارها أداة للطائفية السنية، لا منبرًا للوحدة العربية كما كانت دومًا، بغض النظر عن كفاءتها.

إلى جانب كل ذلك، تظل هناك مسألة سيادة الدول القومية التقليدية، وهي مسألة كلاسيكية عادة ما تواجهها أي محاولات لتشكيل اتحاد من أي نوع، كما جرى مع الاتحاد الأوروبي ولا يزال، ولكن بالمقارنة بين اتحاد أوروبي نجح في تشكيل قوة اقتصادية واحدة وسوق وعملة موحدة وتنسيق سياسي بشكل كبير دون أن ينجح إلى اليوم في تشكيل أي نوع من أنواع القوة العسكرية، فإنه ليس من المتوقع بسهولة أن تنشأ قوة عسكرية عربية في ظل جامعة لا تتمتع بأي نوع من أنواع التنسيق المشترك الحقيقي على أي مستوى؛ فخلق قيادة عسكرية هيراركية أمر شديد الصعوب، كما تشي بذلك التجربة الأوروبية، فما بالك بدول غير ديمقراطية في معظمها تشك في بعضها إلى اليوم بشكل كبير، وتنعدم بينها الثقة مقارنة بالاتحاد الأوروبي.

بوضع كل هذه التحديات في الاعتبار، لا يبدو أن قمة شرم الشيخ مفاجأة كما قال البعض ممن تحمّس لدعاوى القوة العربية المشتركة، بل هي أقرب إلى مؤتمر طائفي لمواجهة القوة الشيعية، العربية وغير العربية، وبالطبع النفوذ الإيراني، وإن كان تأسيس قوة عربية لتضطلع بمهام إغاثية وعسكرية في المنطقة أمرًا محمودًا ومطلوبًا على المستوى النظري، فإن السياق الحالي والواقع يقولان لنا أن تلك القوة الموحدة لن تكون موحدة، بل ستُضعِف في الحقيقة من بنية وفكرة الجامعة العربية أصلًا، وستزيد نيران الطائفية والتوتر العربي الإيراني في وقت لا يبدو أن زيادة التوتر مع إيران بدلًا من محاولة احتوائها بشتى الأساليب أمرًا ذكيًا بالنظر للتقارب بينها وبين المجتمع الدولي، والذي سيفتح فرصّا كثيرًا للتعاون معها على المستويات السياسية والاقتصادية المختلفة.

بينما اختتم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي القمة العربية بكلمات الزعيم عبد الناصر، الذي يدعي كثيرون وجود أوجه شبه بينه وبين السيسي، “تحيا الأمة العربية،” يبدو وأن مفهوم الأمة العربية قد يبدأ ينكمش ليقتصر على السنة فقط دون غيرهم، في إقصاء واضح للشيعة الموجودين بجنوب لبنان وجنوب العراق، وهم عرب في نهاية المطاف حري بالجامعة ألا تفقدهم، مهما كانت خلافاتها معهم ومع علاقاتهم بإيران، أما إن سارت في الطريق الذي تسلكه حاليًا، والذي تُهمِل فيه علاقاتها بهؤلاء وتحاول بوضوح جذب أطراف سنية غير عربية لتدعيم قوتها المشتركة تلك، مثل باكستان التي شاركت في عاصفة الحزم، وتركيا التي تقترب من السعودية منذ تولي الملك سلمان، فإن الجامعة قريبًا جدًا ستصبح “الجامعة السنية” ليس إلا.