إنه لتحول ضخم في السياسية الأمريكية عمومًا، وفي سياستها تجاه الشرق الأوسط خصوصًا، أن يدعو أوباما العرب لحل مشكلاتهم بأنفسهم والتوقف عن الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية وذلك في حواره الأخير مع توماس فريدمان من جريدة النيويورك تايمز، قالها أوباما إذن، لكن هل كان حقًا يعنيها؟ لا ندري في الحقيقة، هل كان ذلك مقصودًا ومتسقًا مع تحول جديد في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط أم كان مجرد زلة لسان، لا يساعد السياق المباشر للحوار على استشفاف دلائل تؤيد جدية أوباما في دعوته، لكن السياق الأوسع للتحركات الأمريكية الأخيرة بصفقتها مع إيران، وعدم مبالاتها بانزعاج العرب من توسعها في العالم العربي؛ قد تدعو العرب لأخذ تلك الدعوة على محمل الجد.

حتى وإن لم يقصد أوباما ما قاله، فلابد للعرب من أن يعرفوا أنه سيقولها عاجلاً أم آجلاً، لفظًا أو فعلاً، لا أحد يعرف على وجه اليقين ماذا ينتوي أوباما جَنيَهُ من اتفاقه مع إيران، يرى العرب والإسرائيليين بالتوازي مع الكونجرس الجمهوري أن مثل هذا الاتفاق، حتى وإن نجح في كبح إيران النووية، سوف يطلق العنان لإيران الإمبراطورية، تنكر الإدارة الأمريكية هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، لكنها في المقابل لا تقدم أي تفسيرات لتحركاتها ولا حتى ضمانات جدية للتطمينات التي تطلقها يمينًا ويسارًا لتهدئة مخاوف الجميع، من الواضح أن أوباما يتبع إستراتيجية الغموض البناء، لكن من غير المعروف على وجه الدقة ماذا يخفي، لا تشير أي من الدلائل إلى استعداده للتصعيد مع إيران في أي حال من الأحوال، وهذا يترك العرب خاسرين في كل السيناريوهات.

تعتقد مجموعة محيطة بالرئيس أوباما، وربما هو نفسه، أن استعادة العلاقة مع إيران من شأنها تهدئة التوتر في كثير من مناطق الشرق الأوسط، عن طريق لعبها دور شرطي المنطقة، قد يكون من الصعب نفي أو تأكيد هذا التصور في ظل عدم وجود تصريحات رسمية، لكن هذا هو ما يمكن استشفافه من بياناتهم حول المفاوضات النووية وتوقعاتهم من نجاحها، من المثير للجنون، خصوصًا للمراقبين للسياسة الخارجية الأمريكية، هو امتناع الإدارة الأمريكية عن نقاش أسس مثل هذه السياسة وافتراضاتها الأساسية مع أحد، لا الكونجرس، ولا الصحافة، ولا حلفائهم من العرب ولا حتى أصدقائهم الإسرائيليين، وعند السؤال عن الاتفاقية مع إيران تكتفي الإدارة والمدافعين عنها بتكرار حجج قديمة مثل أن اتفاقًا مع إيران سوف يمنع الحرب عليها لوقف مشروعها النووي، وهذا أمر مرغوب في ذاته، وكذلك أن الاتفاق سوف يدعم الإصلاحيين داخل النظام وهو ما يعني تحويلاً لطبيعة النظام الإيراني على المدى الطويل.

قد يسلم الكثيرين، ومنهم هنري كسنجر وجورج شولتز، بصحة الحجة الأولى، لكنهما مع ذلك يذكران أن هذا الاتفاق مع إيران سوف يعزز ميولها التوسعية في المنطقة بعد رفع العقوبات، وهذا له نتائج جانبية قد تكون كارثية على المنطقة ومن ثم الولايات المتحدة الأمريكية، يشكك كل من كسنجر وشولتز في صحة افتراض إدارة أوباما أن الولايات المتحدة يجب أن تدعم تمدد إيران من أجل جلب الاستقرار، فوفقًا لواقع القوى على الأرض فإن إيران هي الطرف الأقوى مقابل العرب، ووفقًا لنظريات التوازان الإقليمي يجب على الولايات المتحدة الوقوف بجانب الضعيف، والذي يمثله العرب في هذه الحالة، وذلك من أجل إحداث التوازن أمام إيران، يذرف كلاً من كسنجر وشولتز الدموع على العرب، وفي الحقيقة هم يقصدون إسرائيل التي وجدت نفسها في كفة واحدة مع أعدائها العرب، أمام العدو الأكبر إيران، الخلاصة إذن أن الاتفاق قد يمنع حربًا أمريكية كبرى مع إيران، لكنه يحولها لحروب صغيرة مع العرب قد تتطور إلى مواجهة حتمية مع إسرائيل وأمريكا في النهاية.

لا تبدو الحجة الثانية القائلة بدعم الاتفاقية لتحول في النظام الإيراني عبر تقوية الإصلاحيين ذات مصداقية كبيرة من جهة غموض مفهوم "الإصلاحي" فيما يتعلق بالسياسية الخارجية، فوفقًا لحوارات متعددة أجراها دبلوماسيون أمريكيون مع نظرائهم الإيرانيين، لم يكن من الواضح وجود فروق تذكر بين من يسمون بالإصلاحيين عن المحافظين التقليديين، فيما يتعلق بدور إيران في لبنان سوريا والعراق، هناك شكل كبير من أشكال التوافق الداخلي بين جميع من في معادلة الحكم على دعم التوسع الخارجي باعتباره جزءًا من هوية الدولة وقَدر الثورة، بالنسبة للسوري والعراقي واللبناني واليمني لا فرق بين محافظ وإصلاحي إذن، كلهم إيرانيون وفارسيون وشيعة.

يكتفي أوباما بتطمين الجميع حول النتائج الإيجابية والخير العميم الذي ينتظر الجميع بعد الاتفاق، لكن هذا لا يزيد العرب والإسرائيليين وحتى كثير من الأمريكيين إلا هلعًا، فيما يتعلق بالعرب، تحدث أوباما في مقابلته مع فريدمان عن دعم القدرات العسكرية للعرب عبر تعاون استخباراتي وتدريب وحتى مساعدات لوجستية في عملياتهم العسكرية الأخيرة ضد الحوثيين في اليمن، لا يبدو هذا كافيًا في ظل انقسامات العرب وخلافاتهم، لكن ماذا يفعل أوباما حيال هذا الأمر؟ هو في النهاية مسؤول عن أمن الولايات المتحدة وليس غيرها، فليلتفت العرب لأمنهم وليتولوا جميع أمرهم، لكن ماذا عساهم أن يفعلوا؟ هناك الكثير في الحقيقة يمكن فعله، ولنضرب مثالاً على تصور لحل الإشكال السوري.

يقدم السفير فريدريك هوف من مجلس الأطلنطي تصورًا لحل تتبناه دول المنطقة وتساعد فيه الولايات المتحدة الأمريكية، تنطوي تفاصيل الحل على  تركيز السعودية وتركيا وقطر على دعم جهود تحرير شمال سوريا من داعش وتمكين الفصائل المعتدلة من تلك المناطق، يعقب ذلك إعلان حكومة للمعارضة من تلك المناطق وبسط سيطرتها التدريجية على المدن والبلدات السورية وإحلال أمر واقع أمام النظام وحلفاءه من الإيرانيين.

يمكن لمثل هكذا وضع أن يسحب البساط من ادعاء النظام السوري بتمثيله للشرعية ومن حربه للإرهاب، تدريجيًا، وبموجب اعتراف الكثير من الدول بالحكومة الجديدة في الشمال، تكتسب وضعًا دوليًا يمّكنها من بدء عملية تفاوض جدية مع نظام لن يجد وقتها مفرًا من تقديم تنازلات جدية قد تفضي إلى حل نهائي، هذا التصور سيجد صدى لدى جميع أصدقاء سوريا والمتعاطفين معها، لا يتوقع أن يعالج هذا الوضع كل الإشكالات، لكنه على الأقل يقرب من الحل ويضع النظام في مأزق حقيقي، تحتاج مثل هذه المبادرات إلى مزيد من النقاش والتداول حتى تنضج، وكثير من الضغط حتى تتحول إلى خطط، وكثير من الموارد حتى تُنفذ، وكثير من الصبر حتى تؤتي أكلها، وهي كلها مهارات يحتاج العرب إلى الكثير لاكتسابها.

نُشر المقال لأول مرة في موقع التقرير