في مقابلته الأخيرة مع شبكة فوكس نيوز الأمريكية، صرح الملك عبدالله الثاني ان بلاده في حالة حرب مع “الخوارج” في إشارة منه تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف بـ”داعش”.

وحرص على توصيف بلده على إنها حليفاً رئيسياً للغرب، ووضح وضع الأردن في سوريا والعراق قائلا “لقد تصدرنا الموقف لفترة طويلة، نحن الدولة العربية الوحيدة التي تعمل جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة المريكية في سوريا”. وأضاف إن الأردن أيضا “هي الدولة العربية الوحيدة التي تعمل في العراق إلى جانب العراقيين، جنبا إلى جنب مع قوات التحالف، وبما إن العراق وقوات التحالف قد قاموا بزيادة وتيرة التحركات فإن ذلك يعني إن الأردن سيقوم بزيادة الدعم للعراق.

وصرح الملك قائلاً، “أنا لا أستطيع أن ادخل في تفاصيل الأمر، ولكن هناك أشيائا أخرى على الطاولة عندما يتعلق الأمر بشرق سوريا”.

رفع الأردن مستوى تعاونه ومشاركته مع التحالف الدولي الذي تقودة الولايات المتحدة الأمريكية بعد حادث حرق الدولة الإسلامية للطيار الأردني المأسور “معاذ الكساسبة”، كان الشعب الأردني وقتها في قمة الغضب وتعهد الملك لهم بالإنتقام.

ويقول تقرير معهد كارينجي أنه يبدو من كلام الملك أنه يلمح إلى ان مشاركة الأردن ستصل لمستوى أعلى. في 15 ابريل الماضي، كتب بسام البدارين مدير تحرير مجلة القدس العربي والتي يقع مقرها بلندن، كتب أن الأردن على وشك إطلاق استراتيجية أمنية جديدة تحمل اسم “الدفاع في العمق” ، التي من شأنها أن تشمل عمليات عبر الحدود على الأراضي السورية والعراقية. وكان الملك قد إلتقى بمجموعة من البرلمانين لمناقشة الشؤون المحلية والإقليمية قبل ذلك بثلاثة أيام. ووفقا لحسابات البدارين فإن الملك عرض عليهم فيها إستراتيجيته الجديدة.

يدعي البدارين ان هذة الفكرة مطروحة بالفعل بين النخبة السياسية في الأردن منذ فترة، ولكنه يرى ان إجتماع الثاني عشر من إبريل هو الدليل على إن الملك قد قرر المضي قدما في ذلك.

الحروب شمالاً وشرقاً وغرباً !

حدود الأردن بالتأكيد في حاجة إلى الحماية، في الغرب الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وهو جرح كبير قوض إستقرار الأردن لفترة طويلة، ومع ان مشكلة الفلسطينين لا تزال قائمة وملحّة إلا ان السنوات الأخيرة قد جلبت معها مشاكل جديدة وأكثر إلحاح.

في الشرق، استولت الدولة الإسلامية  بحلول صيف 2014 على معظم الصحراء الغربية بالعراق، وتم إخلاء الحدود منذ عام تقريبا وتم إرسال قوات لتعزيز حماية ومراقبة الحدود.

وفي الشمال على الجانب السوري، كانت أجزاء كبيرة من مساحات الحدود قد وقعت بأيدي الفصائل المسلحة، وكان مركز نصيب الحدودي تحت سيطرة الرئيس السوري بشار الأسد حتى أوائل إبريل حينما تم السيطرة عليه بالكامل فجأة من قبل الفصائل. من بين المنتصرين كانت جبهة النصرة الحركة الحليفة لتنظيم القاعدة، وبعد فترة حدث خلاف داخلي انسحب على إثره بعض المقاتلين، بينما اصدرت مجموعات من الأردنيين والغربيين ومجموعات من المقاتلين المدعومين من الخليج بيانات أعلنوا فيها عن معارضتهم لجبهة النصرة.

تكثيف الحرب في جنوب سوريا

وفقا لعدة تقارير، انتقل بعض المقاتلين إلى معبر نصيب بعد حصولهم على الضوء الاخضر من الدول التي تستضيف التنسيقية الدولية الداعمة لهم جنوب سوريا، وفي الوقت نفسه في شمال سوريا، قام تحالف الحركات الإسلامية  بالإستيلاء على “إدلب” في مارس الماضي.

كانت إدلب هي العاصمة الإقليمية الثانية التي تسقط بيد الفصائل خلال الصراع القائم منذ 4 سنوات في سوريا بعد مدينة “الرقة”.

والآن وبعد سيطرة الفصائل على معبر نصيب فإن “درعا” مرشحة بقوة لأن تكون العاصمة الإقليمية الثالثة التي قد تقع في أيديهم. تقع المدينة على مسافة قريبة جدا من الحدود الأردنية وإتصالها بدمشق يتم عبر عدة طرق ومجموعة من البلدات الريفية.

وقد صور العديد من المحللين الطفرة التي حدثت لمقاتلي الفصائل على الحدود الأردنية على إنه محاولة سعودية للضغط على إيران وحلفائها وخاصة مع إقتراب وصول طهران لإتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية حول السلاح النووي الإيراني. النكسات التي تحدث لنظام بشار الأسد تتزامن مع التدخل العسكري السعودي باليمن، وهناك مؤشرات عديدة على ان الخليج العربي يحاول إستعراض قوته وذلك سيؤثر بلا شك على الأردن.

“تنظيم الدولة” هو الأولوية

يقول التقرير أنه بالنسبة للأردن، فإن الحرب بسوريا  في حد ذاتها تعتبر تهديد للإستقرار الأردني، والتحولات السريعة بساحة المعركة محفوفة بمخاطر كثيرة. الأردن الآن يضم آلاف الأسر السورية من اللاجئين، هم خُمس عدد سكان الأردن. مما يزيد اعباء الحكومة الأردنية المثقلة بالفعل. وساهم هذا الوضع في زيادة المخاوف -إلى حد كبير- حول الأمن والهوية الوطنية، ومما يزيد الأمر سوءاً فإن الرأي العام بالأردن منقسم حول الحرب.

وتضطر السلطات الأردنية الآن إلى بذل مجهود أكبر على الحدود لرصد الأشخاص والبضائع العابرة للحدود، ووجود اللاجئين والقبائل والمهربين يساعد على نقل الأسلحة والمتفجرات والأسوأ من ذلك كله فإن هذا الوضع يسهل الأمور بشكل كبير على الحركات الجهادية مثل جبهة النصرة – معظم القادة في جبهة النصرة هم أردنيون الأصل – والتي تستغل الوضع لتجنيد المجاهدين للقتال بسوريا ولتثبيت أقدامهم اكثر بالأردن، صعود الدولة الإسلامية بالشرق هو امر مقلق جدا.

ومع إن نسبة اللاجئين العراقين تعتبر ضئيلة نسبيا إلا انها يمكن ان تخرج عن السيطرة في أي وقت، الدولة الإسلامية تسعى إلى التسلل إلى الأردن بطرق عديدة، بحسب التقرير.

ويضيف التقرير أن “الطريقة الأكثر فعالية بالنسبة للدولة الإسلامية في التسلل إلى الأردن لن تكون بإختراق الحدود، ولكن سيكون بالتعاون مع بعض الجماعات الأردنية “المتطرفة”، وإستغلال السخط الإجتماعي المتفشي بين الشباب الأردني”.

ولمواجهة هذه التوجهات، سعت الحكومة الأردنية إلى إستغلال الإنقسام الدائر بين الدولة الإسلامية والقاعدة وأفرجت عن بعض رجال الدين وأتاحوا لهم نسبة من الظهور الإعلامي في محاولة للقضاء على السلفية الجهادية، ولكن تلك المحاولة قد تأتي بنتائج عكسية، كما يقول التقرير.

يبدو أن المؤشرات الآن تشير إلى إن اولويات الملك عبدالله لم تعد تتماشى مع اولويات المملكة العربية السعودية أو الحلفاء التقليديين للأردن الذين يركزون على محاربة إيران ووكلائها في المنطقة.

في الإجتماع البرلماني الذي عقد في الثاني عشر من إبريل، قام الملك عبدالله بالدعوة إلى حل سياسي في اليمن وفي سوريا. ولكنه اتخذ موقفا حازما فيما يتعلق بالعراق قائلاً “إننا ندعم الحكومة العراقية في جهودها لمكافحة الإرهاب والعصابات الإرهابية”.

وفي مقابلته الأخيرة مع “فوكس نيوز” أعرب الملك عبدالله عن أسفه للحالة التي وصلت إليها سوريا واصفا إياها بإنها “تتهاوى” وأوضح أن فكرة الإطاحة ببشار الأسد لم تكن يوما على قائمة أولوياته.

وأضاف الملك قائلا “هناك الآن نوعان من الحروب القائمة بالفعل، أحدهم ضد النظام والآخر ضد الدولة الإسلامية أو ما يسمى بداعش، وإن سألتني ما هي الأولوية لديك؟ سأجيبك هم بالطبع داعش، هم المشكلة الرئيسية”.

ما مدى عمق “الدفاع في العمق”؟

تفرض المملكة الهاشمية سيطرتها الكاملة على حدودها الشمالية والشرقية، ولكن بإستشارف المستقبل والذي يتوقع ان تمتد فيه فترة الصراعات لزمن طويل، ويبدو ان الملك عبدالله يريد أن يُهيء شعبه لفكرة ان لا أحد سيقوم بحماية الحدود لهم سوى الحكومة وان فكرة التدخلات خارج الحدود لا بدّ وان تكون فكرة عادية.

وكما فسرها البدارين في صحيفة القدس العربي، فإن استراتيجية العمق ربما تحتوي على عمليات عسكرية بداخل سوريا والعراق. ووفقا لمصادر البدارين، فإن الملك قد ناقش أيضا الجوانب التقنية لإنشاء “الحزام الأمني لحماية الحدود الأردنية مع سوريا والعراق”

وفي مقال للمتابعة نشر في 19 إبريل، أضاف البدارين إن تلك “الأحزمة الأمنية” يمكن ان تخدم اللاجئين ولكن على الحدود المقابلة للحدود الأردنية، وذلك سيتطلب تعاون ضمني مع الفصائل المسلحة بما فيهم جبهة النصرة في سوريا.

فكرة سيطرة القوات البرية الأردنية على اجزاء من سوريا او العراق فكرة خيالية جدا، ومع ذلك ليس هناك ما يدعو إلى القفز إلى استنتاجات تستند على عدد قليل من الخطب والمقالات الصحفية. مفهوم الدفاع في العمق قد يكون ببساطة هو  إعادة صياغة مشاركة الأردن الجارية في التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية وخطوة إلى الأمام، وربما لم يوضح الملك عبدالله المعنى الدقيق للإستراتيجية الجديدة ليبقي المجال مفتوحا أمام خياراته وسياساته المستقبلية في ظل البيئة السياسية الإقليمية المتغيرة دائما وسريعا.

المصدر: كارنيجي - ترجمة أردن الإخبارية