حقق حزب المحافظين مفاجأة في الانتخابات التي أجريت بالأمس بحصوله على أكثر من نصف المقاعد لمجلس العموم البريطاني، حيث نجح في الوصول إلى 331 مقعدًا من أصل 650 (51٪)، وهو ما يكفيه ليشكّل الحكومة منفردًا على عكس حكومة الائتلاف الحالية، كما سيظل ديفيد كاميرون رئيسًا للوزراء لخمس سنوات مقبلة، في حين تكبّد حزب العمال هزيمة كبيرة بحصوله على 232 مقعدًا فقط (36٪)، بينما حل حزب إسكتلندا الوطني ثالثًا بـ56 مقعدًا (9٪) رغم منافسته على المقاعد الـ58 لإسكتلندا، وهو ما يعني أنه اكتسح بشكل شبه كامل في بلده الأم.

بثمانية مقاعد فقط (1٪) حل حزب الليبراليين الديمقراطيين رابعًا في تراجع عن أدائه القوي في الانتخابات الماضية، والتي أدت لدخوله الائتلاف مع المحافظين، بينما جاءت أحزاب ويلز وأيرلندا الشمالية في المراكز الخمسة التالية بإجمالي 20 مقعدًا، ليحل حزب استقلال بريطانيا في المركز العاشر بمقعد واحد فقط في نتيجة لم تكن متوقعة أيضًا نظرًا لبروز الحزب بقوة في الفترة الأخيرة، ومع حزب الخُضر بمقعد واحد أيضًا.

لماذا اختار الإنجليز المحافظين؟ ولماذا خسر العُمال؟

بتلك النتيجة غير المتوقعة، يتسائل الكثيرون الآن عن سر تفوق المحافظين، والسبب الأبرز بالطبع هو أن أداء حكومتهم الاقتصادي كان جيدًا بالنظر للمؤشرات على مدار السنوات الخمس الماضية، مقارنة بأداء حكومة جوردون براون، زعيم حزب العمال السابق، التي انتهت ولايتها عام 2010، وعانت بريطانيا تحت حُكمها من آثار الأزمة المالية 2008.

الأهم من ذلك أن المحافظين قد نجحوا في تحويل خطابهم بشكل كبير للاهتمام بقضايا ملحة مثل المهاجرين والاتحاد الأوروبي، وتقديم وعود واضحة، على عكس العمال، في هذا الصدد، وأبرز خطوة هنا ستكون الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2017، والتي أصبحت على جدول أعمال بريطانيا بعد فوز المحافظين بالأمس، وستؤثر بالطبع على العلاقات بين لندن وبروكسل، وكذلك إلزام المهاجرين بالبقاء في بريطانيا أربعة سنوات مع دفع الضرائب قبل أن يبدأوا في الحصول على المميزات التي تقدمها الدولة.

وزير المالية المحافظ جورج أوزبورن الباقي في منصبه: "البريطانيون اختاروا استكمال مسيرة السنوات الخمس الماضية."

بالإضافة إلى ذلك، لم يكن أداء إد ميليباند، زعيم حزب العمال، مؤثرًا بشكل كبير، لا سيما مع عدم وضوح موقفه فيما يخص قابلية تشكيل ائتلاف مع حزب إسكتلندا الوطني، والذي تحفظ عليه الكثيرون في جنوب إنجلترا ممن يخشون هيمنة نيكولا سترجون رئيسة الحزب، غير العضوة بالبرلمان البريطاني، على السياسة الإنجليزية، بالنظر لضعف موقف العُمال في ائتلاف كهذا، وهو خيار كان ليضطر له ميليباند بالفعل نتيجة غياب أي بديل مثل الليبراليين الديمقراطيين الذين تراجع التأييد لهم بقوة.

بطبيعة الحال، هيمن المحافظون بشكل أساسي في الجنوب، في حين تفوق العمال قليلًا في شمال إنجلترا، ليتركا إسكتلندا في أقصى الشمال تحت هيمنة كاملة لحزب إسكتلندا الوطني، وهي هيمنة قتلت الكثير من فُرَص حزب العُمال الذي يفضله الإسكتلنديون كثيرًا على المحافظين معدومي الشعبية هناك، حيث حصل العُمال في الانتخابات الماضية على 40 مقعدًا عن إسكتلندا، في حين حصلوا هذه المرة على مقعد واحد فقط عن مدينة أدنبره.

المحافظون بالأزرق، العُمال بالأحمر، إسكتلندا الوطني بالأصفر الفاتح شمالًا، الليبراليون الديمقراطيون بالأصفر الداكن، أحزاب أيرلندا الشمالية واضحة جغرافيًا، حزب استقلال بريطانيا بالبنفسجي بمقعد وحيد في أقصى شرق بريطانيا، والخُضر بمقعد وحيد أيضًا في الجنوب

الشمال الأصفر: بين إسكتلندا وبريطانيا

لم تكن أغلبية المحافظين المطلقة هي المفاجأة الوحيدة، بل الاكتساح التام لحزب إسكتلندا الوطني بقيادة السياسية نيكولا سترجون، فرُغم فشل الحزب في تحقيق استقلال إسكتلندا الذي طرحه بعد بزوغه خلال العقد الماضي، إلا أن رئيسة الحزب الجديدة قد وضعت أجندة للحزب لخلق موقع جديد لإسكتلندا في إطار الاتحاد البريطاني، أبرزها بالطبع الحصول على المزيد من السلطات من لندن، وكذلك لعب دور قوي في البرلمان البريطاني.

نيكولا سترجون زعيمة حزب إسكتلندا الوطني

تلفت النظر هنا شعبية الحزب القوية في شمال إنجلترا رُغم عدم قدرته على المنافسة هناك، واجتذابه للكثير من الإنجليز ذوي الآراء اليسارية، وهو ما يعني أن الحزب خلال العقد المقبل، وحتى يتمكن من إجراء استفتاء آخر في المستقبل البعيد، سيكون أكبر من مجرد حزب إسكتلندي، على عكس أحزاب ويلز وأيرلندا الشمالية محدودة التأثير، أضف لذلك أن مسألة سحب السلطات من لندن ستكون مطلوبة أيضًا في الشمال الإنجليزي الذي صوّت بشكل أكبر للعُمال، ويعاني من هيمنة لندن على مقدرات بريطانيا السياسية والاقتصادية.

بهذا الشكل، لن تكون الأمور سهلة بالنسبة لديفيد كاميرون كما يعتقد البعض، إذ أن الانتخابات تعني نجاحه في الهيمنة بشكل كبير في جنوب ووسط إنجلترا، ولكن قيادته لاتحاد منقسم يميل الشمال فيه لنموذج أكثر فيدرالية ولامركزية، ويطمح ربما إلى محاكاة ما ستقوم به إسكتلندا في الفترة المقبلة، حيث من المُنتَظر أن تنفذ حكومة كاميرون وعودها التي قدمتها للإسكتلنديين لكيلا يصوتوا بنعم على الاستفتاء.

الخاسرون يستقيلون

إد ميليباند زعيم حزب العُمال المستقيل

إلى جانب هزيمة العُمال الثقيلة، والتي استقال على إثرها إد ميليباند، كانت المفاجأة بفشل حزب استقلال بريطانيا في الوصول لما طمح إليه بنسبة أكثر من المقاعد عن البرلمان السابق، حيث كان له في برلمان 2010 ثلاثة مقاعد، وقد توقع الكثيرون ربما حصوله على أكثر من عشرة نظرًا للحراك الذي أحدثه في الساحة السياسية البريطانية على مدار السنوات الماضية، إلا أن الإنجليز على ما يبدو قرروا ترجيح دفة ديفيد كاميرون دون بعثرة أصوات اليمين، ليحصل الحزب في النهاية على مقعد واحد.

تباعًا، أعلن نايجل فاراج زعيم الحزب استقالته من رئاسة الحزب، لا سيما وقد فشل هو شخصيًا في الوصول لمقعد في البرلمان بعد هزيمته أمام منافس من المحافظين في مقاطعة ساوث ثانيت بجنوب إنجلترا، كما يُضاف إلى قائمة المستقيلين أيضًا نيك كليج زعيم الليبراليين الديمقراطيين الذي لم يحققوا المفاجأة كما فعلوا عام 2010، وتلقوا ضربة من الناخبين الإنجليز، وهو ما يعني أنهم لم يعودوا الحزب الثالث في بريطانيا بعد الحزبين التقليديَّين كما كان يُقال سابقًا.

***

في المُجمَل، تشير الانتخابات إلى تكتّل الناخبين الإنجليز حول المحافظين، دون الاتجاه لأقصى اليمين أو للوسط، وهو اتجاه له أسباب واضحة تتعلق بالداخل، أبرزها الاقتصاد والمهاجرين، والخارج، وهي الاتحاد الأوروبي بالأساس، والتصويت للمحافظين يعني أن الإنجليز يرفضون المواقف المتطرفة والعنصرية التي يمثلها حزب استقلال بريطانيا، ولكنهم قلقون بالفعل جراء القضايا التي طرحها على الساحة، والتي تبدو حكومة كاميرون الأقدر في نظرهم على مواجهتها.

مرة أخرى، يبدو وأن حزب إسكتلندا الوطني، والذي سحب البساط من تحت العُمال، سيؤثر على المشهد السياسي البريطاني لسنوات، وسيكون هو الحزب الثالث، وربما الثاني من ناحية القوة السياسية، إذ أنه سيظل يخلق ضغطًا على حزب العمال الذي اعتمد في السابق على أصوات إسكتلندا، بل وقد يؤدي النموذج الذي سينسجه على مدار السنوات المقبلة إلى نشوء أحزاب إنجليزية حليفة له في الشمال.