إن المتأمل في تاريخ العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين تونس وليبيا يلحظ بسهولة أنها لم تكن مستقرة في مختلف المراحل التاريخية التي مرت على البلدين؛ فرغم التقاء البلدين حدوديًا على شريط يبلغ طوله 459 كيلومترًا، ورغم الانسياب التجاري خاصة في منطقتي قردان والذهيبة، اتسمت العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بمزاجية جعلتها تتأرجح بين الدفء والجفاء.

مرحلة القذافي - بورقيبة

قبل انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969، اتّسمت العلاقة بين ليبيا وتونس بالهدوء والاستقرار النسبي، وانقلب الوضع مع حلول السبعينات، فبعد فشل تجربة الوحدة عام 1974، تم طرد 14 ألف عاملًا تونسيًا، ثم دخل بورقيبة والقذافي في حرب إعلامية.

حيث عقد الرئيس الليبي معمر القذافي وحدة مع الرئيس التونسي السابق حبيب بورقيبة، والتي أعلنت في جزيرة جربة التونسية في يناير 1974، واستمرت لمدة 48 ساعة، حيث طلبت فرنسا من رئيس وزراء تونس الهادي نوية، الذي كان في زيارة رسمية لطهران، قطع رحلته والعودة لتونس لإعلان إجهاض هذا المشروع، وطلب القذافي وقتها تعيين زين العابدين بن علي وزيرًا لداخلية الدولة الجديدة، وتذكر مصادر متطابقة أن بورقيبة رد عليه قائلًا "لم أثق في حياتي بعسكري، والمرة الوحيدة التي وثقت بها بعسكري خلعني".

وقد أُثيرت في تونس وفي أوساط عربية عديد من التساؤلات، ليس عن هذه المحاولة الليبية التي أضيفت لعشرات غيرها من أوهام القذافي وتخريجاتها للهروب من مشاكله الداخلية، بل عن هذه العلاقة التي كشفها القذافي مع هذا الضابط الأمني التونسي الذي كان كثيرون في تونس، خاصة العاملين في المجالات الحزبية السرية والعلنية المعارضة والمتطرفة، يرتعبون لمجرد ذكر اسمه، وهو الضابط الأمني السري، فإذا بالقذافي يريده وزيرًا لداخلية دولة الوحدة.

وفي فترة لاحقة، اتهمت الحكومة التونسية العقيد الراحل بالتورط في دعم الاتحاد العام التونسي للشغل في أزمة 1987، وبمساندة وتمويل التمرد المسلح في ڤفصة عام 1980، وبالوقوف وراء انتفاضة الخبز نهاية 1983 وبداية 1984، ومن ضمن التهم الموجهة للحكومة الليبية آنذاك قرارها طرد 3 آلاف عامل تونسي عام 1985؛ بهدف الضغط على حكومة محمد المزالي ومضاعفة الأزمة الاجتماعية، وخلال السنة الموالية استفحلت الأزمة بين البلدين، بعد تحليق الطيران العسكري الليبي في الأجواء التونسية ردًا على عدم التنديد بالعدوان على ليبيا.

مرحلة القذافي - بن علي

دخلت العلاقات التونسية الليبية مرحلة هدنة وهدوء خلال حوالي ربع قرن من حكم الرئيس الأسبق بن علي، إذ ساند النظام الليبي وصول بن علي للسلطة وعمل نظام بن علي على كسر الحصار المفروض على ليبيا من قِبل المجتمع الدولي.

وبعيدًا عن العلاقات الرسمية، تشكلت بين البلدين روابط جديدة تمثّلت في علاقات مصاهرة ومصالح مشتركة بين العائلات، وأصبحت ليبيا تدريجيًا الشريك الاقتصادي الأول لتونس عربيًا وأفريقيًا، والشريك الخامس لتونس عالميًا، وتشير الأرقام إلى بلوغ المبادلات التونسية مع ليبيا ما يناهز 7٪ من مجموع مبادلات البلاد مع الخارج عام 2010، كما بلغ عدد المؤسسات التونسية المستثمرة في ليبيا، لها فروع في دولة الجوار، حوالي 1000 مؤسسة، وبلغ عدد التونسيين العاملين في ليبيا حوالي 150 ألف عاملًا.

هذا المشهد الجديد من الوئام بين الدولتين لم يخف في المقابل استمرار بعض التوترات؛ من ذلك عدم التزام الطرف الليبي بما تم التوصل إليه من اتفاق حول حدود المياه الإقليمية بينهما (الجرف القاري)، تنفيذًا للحكم الصادر عن المحكمة الدولية بداية الثمانينات، الأمر الذي حرم تونس من جزء مهم من الخيرات النفطية في هذا الجرف، وفي عام 2010 اتخذت الحكومة الليبية إجراءات جمركية كانت لها تأثيرات سلبية على عدد كبير من التجار التونسيين.

وبعد الثورة عاد العقيد الراحل للاهتمام بالشأن السياسي التونسي، فانتقد الثورة التونسية واستهجن قيامها، الأمر الذي أدى الى حالة من التوجس في تونس تخوفًا من أي مبادرة قد يقوم بها القدافي لإجهاض الثورة التونسية.

مرحلة ما بعد الثورات

لم ينكر الباجي قائد السبسي، في تصريحات لاحقة، دور تونس في الثورة الليبية، إذ أقر أنه تم التنسيق معه كرئيس للحكومة الانتقالية حتى تكون قاطرة لتمرير السلاح للثوار الليبيين، وتوطدت العلاقات بين شعوب البلدين خاصة مع تكفل تونس شعبًا وحكومة، برعاية اللاجئين الليبيين الذين فروا من الصراع المسلح بين كتائب القذافي وكتائب الثوار.

ورغم كل هذه الأحداث، تواصل التبادل التجاري بين البلدين، بل تدّعم خاصة في مجال المواد الغذائية والأدوية، وقد شهدت تونس توافد أكثر من مليون ونصف ليبي، بحسب تقديرات السلطة التونسية، وهم اليوم مستقرون بأكثر من مدينة تونسية خاصة تونس العاصمة ومدن الساحل.

على المستوى الدبلوماسي، انعكس انعدام الاستقرار السياسي، سواء في تونس أو في ليبيا، على العلاقات بين الدولتين، ففي فترة حكم الترويكا في تونس، شهدت العلاقات استقرارًا، غذته العلاقات الطيبة التي كانت تجمع حركة النهضة بمختلف مكونات المشهد الليبي.

وفي مرحلة لاحقة، تزامنت حكومة مهدي جمعة، التي خلفت حكومة علي لعريض، مع استفحال الأزمة بين الفرقاء الليبيين ودخولها رسميًا في نفق الاحتراب الأهلي، وعلى نحو مفاجئ، بادرت حكومة جمعة لمسايرة المجتمع الدولي من خلال الاعتراف بحكومة طبرق فقط، وهو ما سبب حفيظة حكومة طرابلس وعملية فجر ليبيا التي كانت الأكثر سيطرة على الأرض.

وبحسب ما صرح به سفير تونس في ليبيا، المستقيل منذ أشهر، لقناة المتوسط الفضائية، رضا بوكادي، فإن حكومة مهدي جمعة تسببت بالإضرار بالمصالح التونسية في ليبيا وبالأمن القومي التونسي، وقد اعتبر حكومة مهدي جمعة مسؤولة عما يحدث في الجنوب من احتجاجات، على حد تعبيره، وأضاف السفير المستقيل أن حكومة مهدي جمعة مسؤولة عن عدم استعادة الصحفيين سفيان الشورابي ونذير القطاري، إضافة لعدم استلام المتورطين في قضية اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أبو عياض وأحمد الرويسي.

البكوش ومحاولات إيجاد التوازن المفقود

يعتبر وزير الخارجية الحالي، الطيب البكوش، أكثر الوزراء إثارةً للجدل في حكومة الحبيب الصيد خاصة مع تعدد تصريحاته، التي أثارت ضجة كبرى سواء في علاقة تونس بتركيا أو سوريا أو بليبيا نفسها، فرغم تأخر بيان موقف الحكومة الحالية من الصراع الدائر في ليبيا، انتهى البكوش إلى أن الدولة التونسية ستعتمد بعثتين دبلوماسيتين، واحدة للتعامل مع حكومة الشرق، والأخرى للتعامل مع حكومة طرابلس حفظًا لمصالح التونسيين، معتبرًا أن لكلا الحكومتين شرعية.

ورغم أن الحكومة التونسية تعترف رسميًا بحكومة طبرق، إلا أن الأخيرة هاجمت بطريقة فجة الدولة التونسية وأكثر من مرة، حيث صرح عمر القويري، وزير الإعلام الليبي في حكومة طبرق، في حوار مع صحيفة آخر خبر ،" أبشركم بقيام إمارة إسلامية بجبل الشعانبي، وسنتعامل معها بحياد وسنكون على مسافة واحدة من حكومة قصر قرطاج ومع حكومة قصر الشعانبي"، في إشارة إلى تصريحات وزير الشؤون الخارجية الطيب البكوش، والتي قال فيها إن تونس تقف على ذات المسافة مع حكومة عبد الله الثني شرقي ليبيا، وحكومة عمر الحاسي ومقرها العاصمة طرابلس.

وقد انتقد المختار الشواشي الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية التونسية "تهجم ممثل حكومة طبرق على تونس التي تستضيف منذ سنوات نحو مليونين من الأشقاء الليبيين بصرف النظر عن مواقفهم السياسية والحزبية"، واستغرب الناطق باسم الخارجية التونسية "خلط المسؤول الليبي بين المجموعة الإرهابية في جبل الشعانبي، وواقع ليبيا التي توجد فيها، منذ أكثر من عام، أكثر من حكومة وأكثر من برلمان وسلطات كثيرة".

ورغم تبرأ حكومة طبرق من تصريحات القويري، أتى تصريح رئيس الحكومة الليبية، المعترف بها دوليًا، عبد الله الثني ليزيد الطين بلة، حيث انتقد  تصريح الرئيس التونسي، الباجي القايد السبسي، الذي اعتبره اعترافًا غير رسمي بحكومة الإنقاذ في طرابلس، وقال الثني إن السبسي تحدث عن "جسم لم يكسب شرعيته على الإطلاق، وليس منتخبًا من الشعب"، بحجة سياسة الأمر الواقع، مضيفًا أن "تصريح السبسي يسيء له كشخصية سياسية".

ومن جهة أخرى، أدى اختطاف أكثر من 170 تونسيًا في مناطق نفوذ حكومة طرابلس إلى وضع العلاقات بين الطرفين، التي بلغت أشواطًا متقدمة، في الميزان.