تي إي لورنس، مرتديا زيا بدويا

ترجمة وتحرير نون بوست

يصادف اليوم الذكرى الـ 80 لوفاة توماس إدوارد لورنس الملقب بـ "لورنس العرب"، بطل الحرب، والدبلوماسي المنشق، والباحث المشهور؛ لورنس الذي قضى الجزء الأكبر من حياته بالحركة، يجوب جميع أنحاء العالم العربي، وفي خضم حبه للحركة، مات لورنس منغمسًا في هوسه بالدراجات النارية في محيط بلدة أوكسفورد البريطانية.

ظهرت بطولة لورنس خلال الحرب العالمية الأولى، التي سعى خلالها لحث رجولة جيش البدو ضد الإمبراطورية العثمانية المريضة، الذي ترافق مع تملق ومداهنة بريطانيا، على أمل أن يكون الاستقلال التام هو جائزة العرب لولائهم في الحرب، ويُقال حينها إن لورنس سعى جاهدًا للضغط على فرنسا والمملكة المتحدة للتخلي عن سيطرتهما على المنطقة، وعلى وجه الخصوص إلى إلغاء اتفاقية سايكس - بيكو، ولكن عروض لورنس الحماسية تم رفضها بصراحة، وغدرت بريطانيا وفرنسا بأصدقاء السلاح السابقين، وتلقى لورنس هذه النتائج بشكل شخصي، وشعر بخيبة الأمل وبحرقة القلب.

لورنس كان ساذجًا، ففي الوقت الذي رأى فيه العرب كأصدقاء، كان أسياده في لندن ينظرون إليهم كأدوات، وذلك طيلة فترة الحرب، وما بعد الحرب، ومن نافلة القول إن هذه النظرة استمرت حتى الآن.

سذاجة لورنس

سذاجة لورنس العرب مازالت مستمرة حتى الآن، فعشرات كتاب الأعمدة في الصحف العالمية، والمفكرين، والمؤسسات الفكرية، الذين يتناولون جميع جوانب الطيف السياسي، والكثير منهم أعرفهم وأكن لهم الاحترام، مازالوا يصدقون ترهات مبدأ التدخل الإنساني، وما من شك في أن لورنس اللبيب وخريج جامعة أوكسفورد كان يؤمن بهذه المبادئ أيضًا.

هذه السذاجة المنتشرة على نطاق واسع بين المثقفين الغربيين تمتد إلى عقود خلت، وذلك منذ ظهور مبدأ ترومان لأول مرة في عام 1947، والذي غيّر تاريخيًا من نفور الولايات المتحدة من مبدأ تغيير أنظمة الدول الأجنبية، موضحًا أن الولايات المتحدة تسعى "لمساعدة الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات الاستعباد من قِبل الأقليات المسلحة أو الضغوط الخارجية".

هذا الهدف النبيل حظي بتأييد واسع في وسائل الإعلام، ولكنه في الحقيقة لم يكن أكثر من وهم تسويقي، مغلف بخطاب إنساني، ليخفي حقيقة المصلحة الذاتية والأنانية، وكان أول تعبير عن هذا المبدأ هو دعم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لنظام الشاه الاستبدادي في إيران الغنية بالنفط في عام 1953، وغني عن البيان أن هذا النظام لا يمكن وصفه بأنه بطل في مجال حقوق الإنسان.

الدعامة الإستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تطورت ببطء بعد ذلك، حتى ظهر مبدأ كارتر عام 1980، ليوجه الضربة القاضية لأوهام الغريزة الإنسانية، بتركيزه فقط على ما كانت الولايات المتحدة مهتمة به حقًا؛ ففي 23 يناير 1980 أعلن الرئيس الأميركي جيمي كارتر الإستراتيجية الأميركية الجديدة لأمن الخليج، والتي أُطلق عليها "مبدأ كارتر"، وينص هذا المبدأ على أن أميركا "سوف تعتبر أي محاولة من قِبل أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد مثل هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية".

وفي الوقت الذي مايزال فيه مبدأ كارتر هو المبدأ المعتمد حتى اليوم للحفاظ على أمن دول الخليج الغنية بالنفط، عاد المحافظون الجدد في أوائل القرن الحالي بصفاقة تامة إلى التطرق والاعتماد على مبدأ ترومان في التدخل الإنساني الوهمي، وأفضل مثال يوضح ذلك، هو غزو العراق عام 2003، العملية التي أصبح من الواضح حاليًا أن خلفيتها غير نابعة من أسباب إنسانية، وإنما لمنع صدام حسين من مهاجمة أسعار النفط العالمية بوحشية، ومع ذلك، لايزال بعض كتاب الأعمدة في الصحف، والمفكرين، والمؤسسات الفكرية، والسياسيين يشيدون بهذه الخطة، والبعض منهم خُدع نتيجة لصدقه، وهؤلاء كانوا ساذجين، تمامًا كلورنس العرب.

المبررات الإنسانية

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" هو قصة مماثلة، فهناك بطبيعة الحال، مبرر إنساني لإنقاذ حياة الأقليات العرقية من قتلة داعش، وليس هناك من شك في أن أحدًا ما - ولكن ليس بالضرورة الغرب المستبد - يجب أن يضطلع بمهمة إنقاذهم، ولكن عندما تفنّد حجج "المبررات الإنسانية" التي قدمتها الولايات المتحدة في الصيف الماضي، ورددتها وسائل الإعلام بحماس، تستطيع بوضوح أن تلمس الوهم الذي تم تشييده في عقول الشعب بنجاح.

ركزت الكثير من الرسائل الحكومية الأمريكية لتبرير العمل العسكري الجديد في العراق على الـ40.000 إيزيدي المحاصرين في جبل سنجار من قِبل داعش، والذين يتواجهون مع مخاطر الإبادة الجماعية الوشيكة، ولكن ما لم يتم توضيحه أمام الرأي العام الأمريكي على نطاق واسع هو أنه في خضم انتشار الروايات في واشنطن حول التهديد الوشيك من الإبادة الجماعية للإيزيديين، جرت مهمة إنقاذ ناجحة على نطاق واسع لهذه الجماعة من قِبل المقاتلين الأكراد؛ مما يجعل زعم الحكومة الأمريكية أمام الجمهور أن عدم تدخل أمريكا في العراق سيقود إلى إبادة الإيزيديين، مجرد وهم وكذب فاضح.

وما لم يتم توضيحه أمام الرأي العام الأمريكي أيضًا، هو أنه إلى جنوب غرب سنجار بحوالي 400 كم، يوجد حوالي 15.000 من الشيعة التركمان، محاصرين تمامًا من قِبل داعش في قرية أمرلي منذ يونيو الماضي، ومثل الإيزيديين، يعتبر مقاتلو داعش أن هؤلاء الشيعة مرتدون ويستحقون القتل.

المدينة كانت تعيش مأساة حقيقية، مع الانقطاع التام للمياه والكهرباء، ومع وجود طبيب واحد فقط ليعالح جميع السكان - الذي تم قتله في نهاية المطاف -، الرجال والنساء والأطفال كانوا يموتون جرّاء سوء التغذية والإسهال وقرحة المعدة المؤلمة، وهذه الحالة كانت قضية إنسانية واضحة ووشيكة، إن لم تكن إبادة جماعية جارية ونشطة، ولكن مع ذلك، بقيت الحكومة الأمريكية صامتة تمامًا حول هذه المسألة.

ويبقى السؤال، لماذا تمت ترقية أزمة جبل سنجار لتطغى على العديد من جرائم الإبادة الجماعية الوشيكة الأخرى في العراق والمنطقة؟

الجواب ببساطة، لأن هذه المنطقة مجاورة لمصافي النفط الحيوية في شمال العراق وسورية، وعلى وجه الخصوص خط أنابيب كركوك - جيهان الحيوي، الذي يعمل الآن بربع طاقته التشغيلية بفضل التخريب الذي أحدثه مقاتلو داعش.

مرة أخرى، المصالح النفطية تشكل القلق الأكثر إلحاحًا لدى الإدارة الأمريكية، التي تعمد إلى تصوير تدخلها الحالي من الزاوية الإنسانية بهدف تمويه وخداع الجمهور، وللأسف، يطل عدد لا يحصى من كتاب الأعمدة في الصحف، والسياسيين الجادين بسذاجة لورنس المتجددة، عن طريق تصديقهم لأكاذيب وخداع الحكومة الأمريكية.

لورانس كان رجلًا عظيمًا، جاء إلى الشرق الأوسط، وسلبته طيبة هذا الشعب الرائع، واستحوذت عليه النوايا الصادقة لإنقاذهم، لكنه استخف بخطط وحسابات المؤسسة الاستعمارية، واليوم كما في الماضي، الغرب لا يسعى لإنقاذ الشرق الأوسط، بل إنه يسعى ليستحوذ عليه.

المصدر: الجزيرة الإنجليزية