الفريق أحمد شفيق، رئيس وزراء مصر الأسبق عقب اندلاع ثورة الـ 25 من يناير، الرجل الذي ارتبط اسمه بإحدى مجازر النظام المباركي آنذاك وهي "موقعة الجمل" التي حدثت في عهده، تلك العلامة الفارقة في أحداث الثورة المصرية، والتي لولاها لما اكتسب ثوار يناير حينها التعاطف الشعبي.

عقب تنحي مبارك ظل شفيق رئيسًا للوزراء بالرغم من كونه أحد أبرز وجوه النظام البائد، حتى تقدم باستقالته بعد دعوة قوى يناير لمليونية خاصة لإسقاط حكومته، وهو ما اضطر المجلس العسكري - الحاكم الفعلي للبلاد - على إثره لقبول استقالته مؤثرًا السلامة.

ظن البعض أن هذه كانت النهاية السياسية لشفيق وأن اسمه لن يتردد بأي حال في المستقبل المصري، وبالرغم من الهجمة الشرسة التي شنتها قوى يناير على بقايا النظام المباركي، إلا أن شفيق أصر على إعلان ترشحه للرئاسة المصرية في نهاية عام 2011، ولم يستطع قانون العزل السياسي استبعاده من سباق الرئاسة المصرية بدعوى عدم دستوريته.

وعلى الرغم من محاولات منافسي شفيق في الانتخابات اللعب على وتر أنه وجه من وجوه النظام القديم، إلا أن شفيق كان يتمتع بدعم من أجهزة الدولة العميقة، جعلته يصمد أمام كل هذه الدعايا التي وجهت له تهمًا بالفساد والعمل على عودة النظام القديم، كل هذا أعطى صورة ذهنية عن الرجل بأنه مدعوم من جناح أمني داخل الدولة العميقة، كان حائط صد منيع أمام قوى ثورة يناير التي حاولت النيل من شفيق.

لم يتوقع أحد أن يحتل شفيق المرتبة الثانية في الجولة الأولى من سباق الرئاسة المصري، فقد وصلت الدولة العميقة بقيادة جناح شفيق إلى جولة الإعادة أمام مرشح جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، وبعد طول خلافات بين رفقاء يناير، قرروا في هذه اللحظة الاصطفاف خلف مرسي لمنع شفيق من الانتصارعليهم، وقد كان؛ فقد خسر شفيق هذه الجولة، بعدما أشيع إعلان فوزه من خلال تسريبات بالطبع عمل على نشرها جناحه في الدولة.

خسر شفيق الانتخابات، وسرعان ما سافر إلى الإمارات، أو إن شئت قل فر إلى هناك بعدما توقع الإيقاع به في قضايا فساد، التحف الرجل ثياب المعارضة من الخارج، وطعن مؤيدوه في نتيجة الانتخابات بالتزوير، وظل شفيق طوال عام من حكم مرسي يحرض على النظام من الخارج، ويعمل مؤيدوه بدأب على إسقاط النظام من الداخل، لاسيما وأن أجنحة الدولة المصرية قد اتحدت على هذا.

جاءت لحظة انقلاب الثالث من يوليو وظن شفيق أن ثمة دور سيكون له في العملية السياسية بعدما أطاح الجيش بحكم مرسي، واعتقد أنه الأحق بالرئاسة حينها، لكن شفيق اصطدم بطموحات الجنرال السيسي الذي رفض جناحه عودة شفيق إلى مصر رفضًا باتًا، عندما أعلن شفيق نيته الترشح للانتخابات، إلا أن أجهزة السيسي لوحت بفتح قضايا الفساد مرة أخرى، ورفضت إزالة اسمه من قوائم ترقب الوصول.

هنا بدأت لحظة صراع الأجنحة في الدولة المصرية بعد تولي السيسي زمام الأمور، فجناح شفيق ومعاونيه داخل مفاصل الدولة المصرية لازالوا يتمتعون بقدرة على توجيه الدفة في الداخل، في المقابل تعمل جبهة رجال الأعمال على التواصل مع أجنحة في النظام بعيدة عن جناح السيسي المسيطر، في الوقت نفسه يعاني النظام من أزمات سياسية واقتصادية جعلت الحرب بين ملوك الطوائف هذه تطف على سطح النظام ويظهر أثرها.

فالسيسي فجأة بات يُهاجم على قنوات رجال الأعمال الخاصة وذلك بعدما رأى رجال الأعمال نية السيسي تضييق الخناق عليهم لصالح بيزنس المؤسسة العسكرية، ومن قبل ذلك تظهر تسريبات خطيرة من داخل أروقة النظام أعزاها البعض لصراع الأجنحة هذا، بين هذا وذاك رأى جناح السيسي وهو الأقوى بالطبع حتى الآن أن ثمة تنسيقًا بين كل ما يحدث وليس من قبيل الصدفة، ولا يمكن أن نستبعد اسم الفريق أحمد شفيق بعيدًا عن هذا كله.

نشرت جريدة الشروق المصرية المقربة من دوائر جناح السيسي، عن مصدر سياسى رفيع المستوى، حسب قولها، أن دوائر السلطة في القاهرة أرسلت إلى الفريق أحمد شفيق، المرشح الرئاسي السابق، المقيم في الإمارات، "رسالة واضحة ونهائية" بأن عليه أن يوقف "النشاطات التي يقوم بها والتي يسعى من خلالها للبقاء على الساحة السياسية في مصر أو العودة إليها".

بحسب ما نشر في الجريدة فإن جهات سيادية رصدت تحركات لشفيق ومؤيديه، تهدف إلى زعزعة شرعية السيسي، مضيفة أن المرشح الرئاسي السابق يتواصل مع شخصيات في جهات هامة داخل الدولة مازالت باقية على دعمه ومازالت تأمل في أن يكون له دور في الحياة السياسية، وقد أبلغوا أنهم تحت المراقبة.

"لو مرسى راجع فإن شاء الله شفيق ممكن يبقى الرئيس"، هكذا نشرت جريدة الشروق على لسان المصدر، بأن هذا هو مضمون الرسالة التي وصلت لجناح شفيق في النظام الحالي، فجناح السيسي يتهم جناح شفيق بلقاء عدد من رجال الأعمال وسياسيين في الإمارات والسعودية وشخصيات بارزة في مراكز بحثية تابعة لوزارتي الخارجية والدفاع الأمريكية، بحثًا عما أسماه جناح السيسي بأنه "سيناريوهات مختلفة لمستقبل مصر" في إشارة للإطاحة بالجنرال عبدالفتاح السيسي.

الأمر نفسه أكده إعلامي موالٍ لنظام السيسي، أشار في برنامجه التليفزيوني أن ثمة صراع بين أجنحة النظام من بينهم جناح شفيق، وليس هو فحسب وإنما يوجد آخرون في هذا الصراع ولكنه لم يصرح باسمهم.

لا يمكن النظر لهذا الأمر بعيدًا عن دعوات الانتخابات الرئاسية المبكرة التي انطلقت فجأة عبر منصات عُرفت قبل ذلك أنها موالية لنظام السيسي قلبًا وقالبًا، وقد أشار محللون بأن هذا هو أثر صراع الأجنحة الذي طفا على السطح، كل هذا بجانب تسريبات صحفية تتحدث عن "خطة لتنصيب شفيق في 30 يونيو المقبل بديلًا للسيسي".

جناح السيسي حينما يتهم شفيق صراحة عن طريق وسائل إعلام موالية له، بمحاولة الإطاحة بالسيسي، يعني بذلك أن محاولات احتواء هذا الصراع باءت بالفشل وثمة حاجة لتوجيه رسائل محددة حازمة، نشرتها جريد الشروق في صفحتها الأولى تحت عنوان من النظام لشفيق "لا عودة ولا سياسة".. ولأعوانه "اتلموا".

جناح السيسي يعلن صراحة عن تعرض السيسي إلى مؤامرة لإسقاطه يشارك فيها عدة أطراف داخلية يرأسها جناح أحمد شفيق داخل النظام ورجل الأعمال نجيب ساويرس، وذلك عن طريق السيطرة على مجلس النواب القادم للتمكن من تشكيل الحكومة بعيدًا عن جناح السيسي، بالإضافة للسيطرة على وسائل الإعلام، وبكلا الأمرين يمكن تقويض حكم السيسي، والتمهيد لطرح شفيق بديلًا له.

بعد هذا القصف الإعلامي من جانب جناح السيسي في النظام وصراحته غير المعهودة في الإشارة إلى شفيق، سارع يحيى قدري، نائب رئيس حزب الحركة الوطنية، الذي يترأسه الفريق أحمد شفيق لنفي كل ما ورد من أنباء عن رغبة شفيق في العودة من جديد للساحة السياسية في مصر، حاول قدري تصوير الأمر على أنه وقيعة بين شفيق والسيسي، ولكن يبدو وأنها مواءمة واجبة بعدما أصبحت كروت اللعبة مكشوفة بين الطرفين.

كذلك ثمة حملة مجهولة المصدر انطلقت في مصر تحت اسم "الحملة الشعبية لعودة الفريق أحمد شفيق"، ظهرت لها عدة ملصقات حول الجمهورية تطالب بعودة "شفيق"، في الوقت نفسه الذي ينفي حزب شفيق أي صلة له بهذه الحملة.

يبدو وأن نظام السيسي لم يستطع حتى الآن ترويض رجال المخلوع مبارك ودوائرهم داخل السلطة المصرية، فجناح السيسي يعلم جيدًا أن دور الأجنحة الأخرى في التمهيد للإطاحة بحكم الرئيس السابق محمد مرسي لا يقل أهمية عن الانقلاب في حد ذاته الذي قاده السيسي، و رجال الجنرال يعملون أيضًا مدى مقدرة هذه الأجنحة الأخرى على العبث بأمن النظام ماداموا يرون أن من حقهم الحصول على ثمن دعم انقلاب السيسي مسبقًا، ومادام أيضًا جناح السيسي يرى أنه من الأفضل القضاء على هذه التيارات داخل النظام للانفراد بالجزء الأكبر من اللعبة، فإن الآخرين سوف يرون أنفسهم البديل الأوفر حظًا في حال سقط السيسي.