تعتبر القضية الكردية من القضايا المعقدة التي تشهدها تركيا والتي كلفتها على مدى عقود طويلة عشرات آلاف الضحايا في الصراع مع حزب العمال الكردستاني، وقد مرت القضية الكردية بتغييرات عديدة خلال السنوات الماضية خصوصا مع وصول حزب العدالة والتنمية غلى الحكم والذي سعى إلى تفعيل عملية السلام بعد إدراكه بفشل خيار الحرب في تحقيق ذلك، و كان هاقان فيدان رئيس  المخابرات التركية و بأمر من رئيس الوزراء أردوغان آنذاك قد بدأ في مفاوضات مع رئيس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان  المسجون في جزيرة أمرلي في بحر مرمرة، وقد قطعت المفاوضات شوطا مهما خصوصا بعد القرار الذي صدر عن عبد الله أوجلان لعناصر حزبه المسلحين للانسحاب باتجاه جبال شمال العراق.

و كان تأسيس حزب الشعوب الديمقراطي نتيجة طبيعية لهذا التطور والذي تأسس بدعوة من أوجلان نفسه، ويرى الكثيرون بأن هذا القرار الذي اتخذه أوجلان بالانخراط في العملية الديمقراطية تعزيزا للحل السلمي وفرصة لإنهاء الصراع المسلح وأفقا مهما  لحل القضية الكردية.

هناك العديد من النقاط المهمة التي يمكن تسجيلها لفهم أبعاد القضية الكردية في الظروف الحالية:

الحل السياسي والحل المسلح
الحل السياسي للقضية الكردية من خلال تعزيز الانخراط الديمقراطي وتفعيل وسائل الدفاع السلمية تعتبر انجازا مهما وتطورا كبيرا في رؤية الحركة السياسية الكردية والتي جاءت نتيجة طبيعية لتتغير الحقيقي الذي شهدته تركيا منذ بداية القرن الحالي خصوصا التفاعل الإيجابي من طرف حكومة حزب العدالة والتنمية التي تجرأت على فتح موضوع القضية التركية بل وحتى الدخول في مفاوضات مع أوجلان المسجون لديها والذي كان وما يزال خطا أحمرا وأمرا محرما عند كثير من الأتراك.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو إذا ما كانت الحركة السياسية الكردية قد اتخذت الطريق السلمي لحل القضية الكردية وحل المسائل العالقة المتمثلة في قضايا الحكم الذاتي أو في الأمور الثقافية أو الدستورية أم أن الحل سلمي أضحى خيارا فقط في ظل وجود الحركة المسلحة الكردية؟

في الحقيقة هناك العديد من وجهات النظر لهذا التساؤل، نحصرها في اتجاهات ثلاثة:-
أولا:  بقاء الحركة المسلحة نتيجة عدم الثقة  
يشكك الكثير من الأكراد بمطالبة الدولة التركية لحزب العمال الكردستاني ترك السلاح أولا قبل الوصول إلى الحل النهائي، إذ يخشى كثيرون من إعادة سناريو حوادث شبيهة قام فيها أعضاء من الحزب بترك أسلحتهم نتيجة تصريح الجهات التركية بعدم المساس بهم ثم لاحقا تم ملاحقتهم قانونيا وأمنيا، هذه الحالة من عدم الثقة  بين الحزب الكردي والحكومة جعلت الأخيرة تقوم بمفاوضات تدريجية تحقق من خلالها بعض المتطلبات الكردية كبادرة حسن نية ولزرع الثقة بين الدولة التركية والحزب وبين الدولة التركية والحاضنة الشعبية لحزب العمال الكردستاني ، فالانخراط الحزبي للاكراد المتمثل في حزب الشعوب الديمقراطي ينم عن تطور ملموس في القضية الكردية ولكنه يبدو إلى الآن غير كاف في إنهاء الحركة المسلحة الكردية.

ثانيا: الحركة المسلحة خيار و ورقة ضغط
يعتبر دخول الأكراد في الانتخابات البرلمانية بشكل حزبي تطورا مهما قد ينتج عنه تغيرا حقيقا في الساحة التركية خصوصا فيما يتعلق بالمسألة الكردية وحقوق الأكراد، إلا أن بقاء الحركة المسلحة بذاته يعني إشارة إلى أنه وفي حالة عدم التوصل للحلول بشكل سلمي ومن خلال المنظومة الديمقراطية يبقي الباب مشرعا للعمل المسلح، وعليه فإن التطورات التي ستشهدها الساحة السياسية التركية وخصوصا فيما يتعلق بقدرة حزب الشعوب الديمقراطي تجاوز عتبة العشرة في المئة أو عدم قدرته ستؤثر في مستقبل الحركة المسلحة للأكراد.

ثالثا: صراع أجنحة
من خلال القراءة السريعة لموازين القوى داخل الحركة السياسية الكردية يظهر أن هناك موازين قوى مختلفة منها عبد الله أوجلان القائد  التاريخي لحزب العمال الكردستاني المسجون في تركيا و حزب المجتمعات الكردي بقيادة أيلان في جبال قنديل في شمال العراق  وحزب الشعوب الديمقراطي بقيادة صلاح الدين ديمرطاش ورغم أن الأخير أكد أنه لا خلاف بين أوجلان وقيادات المجتمعات إلا أنه من  الواضح أنه هناك أراء مخالفة لذلك فقد أكد أكد مستشار أحمد داوود أوغلو أن ديمرطاش وقيادات المجتمعات تحاول التخلص من أوجلان والسيطرة على الحركة السياسية الكردية مشيرا إلى الحالات المتكررة التي أخر فيها الإعلان عن رسائل أوجلان الإيجابية كرسالة انسحاب المسلحين وترك السلاح، وكذلك فإن هناك علاقات مشبوهة بين قيادات المجتمعات وحزب الشعوب الديمقراطي مع جهات الدولة العميقة ودول أجنبية من الممكن أن تأثر على قرارات الحركة الكردية من أجل الحفاظ على مصالح معينة لأشخاص أو دول.
 
الانتخابات البرلمانية وعتبة العشرة
لا شك أن الانتخابات البرلمانية التي ستعقد بعد يوم غد سيكون لها تأثير كبير على القضية التركية وعملية السلاح، فإذا استطاع حزب الشعوب الديمقراطي تجاوز نسبة العشرة في المئة فسيعتبر ذلك إنجازا مهما للحركة السياسية الكردية ولبنة مهمة في تعزيز الحل السلمي وبناء الدولة التركية، وكان صلاح الدين ديمرطاش قد صرح بأن حزبه لا يمتلك أي علاقة مع حزب العمال الكردستاني إلا أن فوزه في الانتخابات قد يشكل بداية صحيحة لعملية السلام ويعزز قناعة حزب العمال بضرورة سلوك هذا الطريق.

إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في فشل الحزب في تجاوز عتبة العشرة في المئة، إذ أنه وفي هذه الحالة سيتزايد الإحباط في الشارع الكردي وقد يصبح جاهزا لأي أعمال عنف نتيجة التوتر الناتج عن هذا الفشل وقد يزيد الإيمان لدى البعض بالعمل المسلح وضرورة الانفصال، ورغم أن صلاح الدين ديمرطاش أكد بأن حزبه لن يسلك أي سلوك غير ديمقراطي إذا لم يستطع تخطي النسبة المحددة لدخول البرلمان، بل سيسعى للاستمرار في العمل السلمي، ومن جانب أخر أكد رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو عن ضرورة قبول حزب الشعوب الديمقراطي نتائج الانتخابات .

ولكن لا يمكن التخمين بالسيناريوهات التي يمكن أن تحدث في حالة عدم فوز الشعوب الديمقراطي ولا يمكن التأكد من قدرة الحزب بضبط الشارع الكردي، وتثير صحف مقربة من حزب العدالة والتنمية عن أن هناك معلومات بأنه وفي حالة فشل حزب الشعوب الديمقراطي في تجاوز عتبة العشرة في المئة فإن حزب العمال الكردستاني يمتلك تعليمات بإثارة أحداث عنف داخل البلاد. كما تؤكد قيادات الحكومة التركية بأن عملية السلام غير مرتبطة بأي حال بفوز أو خسارة حزب الشعوب الديمقراطي ، مؤكدين على الاستمرار بتحقيق متطلبات عملية السلام بعد الانتخابات البرلمانية.

يصرح البعض بأن الحركة السياسية الكردية سنخرج منتصرة في حالة فوز حزب الشعوب الديمقراطي أو خسارته ، فسيعتبر انتصار الحزب فرصة للمشاركة في العملية السياسية والتأثير على صناعة القرار داخل الدولة ولربما الدخول في ائتلاف من أجل تشكيل الحكومة وفي حالة خسارة حزب الشعوب الديمقراطي سيشكل الفشل تعميق لشعور الاضطهاد لدى الأكراد مما قد يعطي الحركة المسلحة الكردية صوتا أعلى في المفاوضات مع الدولة التركية، وتبقى نتائج الانتخابات خطا فاصلا ومهما في تاريخ الحركة  السياسية الكردية قد تشكل بداية حقيقة للحل وقد تزيد من تعميق الفجوة في القضية الكردية.