132 ساعة من القتال كلفت العرب القدس الشريف والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، ستة أيام من الدمار والهجوم الخاطف أودى بحياة ما يقرب من 25 ألف نسمة معظمهم من الجنود العرب وتدمير 90 %من سلاح الجو المصري و70% من مجموع العتاد الحربي العربي، وحدها مصر خسرت 15 ألف مقاتل منهم 1500 ضابط في رتب عالية وما يقرب من 40 طيار محترف، الأردن بدورها خسرت 7000 جندي في دفاعها المستميت عن القدس والضفة الغربية أما سوريا فكانت خسائرها البشرية محدودة نسبيًا إذ وصلت لما يقرب من 400 قتيل.

في مصر لم يبق بيد القوات المسلحة سوى 15% من سلاحها قبل الحرب، 420 طائرةً مقاتلةً دمرت على الأرض أو أصبحت خارج الخدمة أي قرابة كامل الأسطول الجوي المصري، إضافة إلى 320 دبابةً، 480 مدفعًا وبطاريتي سام وعشرة آلاف مركبة تبخرت في أقل من أربعة أيام، خسائر الأردن كانت أيضًا هائلة ماديًا؛ إذ خسرت 179 دبادةً و1082 مدفعًا وآلاف المركبات، القوة العربية الوحيدة من التحالف التي لم تدمر بشكل كامل هي سوريا إذ خسرت عشرات الدبادات والمدفعية في غضون أقل من يومين قتال في أواخر الحرب.

قبل 48 سنة من اليوم تكررت نكسة جديدة في العالم العربي بقيادة جمال عبد الناصر وجنرالات الجمهوريات العربية وحلفائهم الذين غر بهم من الممالك، حرب كلفت ومازالت تكلف العرب ثمنًا باهظًا لم يول له قارعو طبول هذه الحرب أي اهتمام، ففي نفس الوقت الذي كان العالم العربي يعيش جوًا قاتمًا من الحروب والخلافات الداخلية قرر المغامرون ركوب الأمواج المدمرة بحثًا عن غفران شوارعهم العربية وإثباتًا للذات، رغم علمهم بأنهم ليسوا جاهزين بعد لهكذا مغامرات.

المشهد العربي قبل 67

بعد ثورة العرب المدعومة من الغرب ضد الإمبراطورية العثمانية وخضوعها فيما بعد للحكم الغربي وقيام مفهوم الدول القومية ثم استقلال هذه الدويلات المتناثرة من الاستعمار الغربي، ظل العرب في وضع معلق بلا قيادة موحدة ولا نظرة مستقبلية عامة تجمعهم، فوحدها حروبهم ضد الأتراك ثم الاستعمار كانت لبنة وحدتهم، وفي نفس الوقت لم يمتلكوا قادة ذوي خبرة تقودهم نحو وحدة قومية كما حدث في تركيا على يد أتاتورك، تخبط العرب ونزاعاتهم الداخلية وعدم الثقة فيما بينهم كلفهم فلسطين والقدس الشريف خاصة، ولكن بعد هزيمة 48 وحتى بداية 67 كان هناك توجه عام يوحد هذه الدول وهي العروبة وتحقيق إعادة الاعتبار لأنفسهم في نصر حاسم على عدوهم الذي فرض عليهم، ولكن في نفس الوقت كان هناك كم هائل من الصراعات الداخلية.

في تلك الفترة انقسم العرب إلى قُطرين: القطر الجمهوري القومي والقطر الملكي المحافظ، الجمهوريون بقيادة مصر وسوريا، والملكيون بقيادة السعودية والأردن، لعقود ظلت العلاقة بين الطرفين محتدمة ومشتعلة بالخلافات والصراعات الساخنة فكل منهما يسعى للسيطرة على المشهد والقرار العربي ويمتطي العروبة وفلسطين كوسيلة للوصول إلى غايته، ظلت الحرب العربية باردة حتى 1962 حتى اشتعال الثورة اليمنية لتصبح اليمن ساحة لتصفية الحسابات بين الجمهوريين والملكيين العرب.

الأمر الذي عقد الأمور هو أن لكل من الطرفين العربيين حلفاء أوفياء من القوى العظمى، الملكيون كانوا في تحالف قوي مع الغرب الذي كان يزودهم بالسلاح والدعم، والجمهوريون كانوا في الصف المقابل مع الاتحاد السوفيتي الذي كان هو أيضًا سخيًا في دعمه لحلفائه، هناك وبين هذه الطبقات المتشعبة والعلاقات المشوكة كان اليمن ساحة حقيقة للحرب العالمية الباردة بين قطبي "السوبر باور".

بعد انسحاب الدولة العثمانية من اليمن في عام 1918، تولى حكم البلاد الإمام يحيى حتى تم اغتياله في محاولة انقلاب في عام 1948 ليخلفه ابنه أحمد بن يحيى الذي كان معروفًا بسياساته القمعية وعلاقته الشائكة مع جيرانه، في 19 سبتمبر 1962 اُغتيل الإمام أحمد في تعز داخل قصره على يد الجمهوريين ليخلفه ابنه محمد البدر والذي أُطيح به بعد أسبوع من توليه حكم البلاد على يد عبد الله السلال قائد الحرس الملكي ليفر البدر إلى السعودية محاولًا من هناك إعداد العدة ليستعيد ملك أجداده بدعم القبائل الشمالية.

السلال من طرفه أعلن نفسه رئيسًا للجمهورية العربية اليمنية بعد الانقلاب، ليصل إلى هذا المنصب بعد أن شارك في ثورة 48 وقتل الإمام يحيى ليسجن وينجو من إعدامات الإمام أحمد وبعدها يطلق الإمام البدر سراحه ليقوم السلال بشكره بطريقته المعهودة في تعامله مع الملوك فقاد انقلاب الضباط الأحرار ضد حكم الأئمة الذين لم يأتوا من فراغ بل كانوا يحضون بدعم قبلي واسع ولمئات السنين في اليمن، في اليوم التالي من الانقلاب اعترفت مصر وبعدها الاتحاد السوفيتي بالجمهورية الجديدة.

كل هذا لم يشعل اليمن بعد ولكن ما أشعلها بحق هو وصول قوات مصرية لدعم الجمهوريين، الأمر الذي دفع السعودية لدعم حلفائها الملكيين لمكافحة خطر الجمهوريين، هنا أصبح ناصر في مواجهة عسكرية مع من كان يسميهم "الرجعيين" و"عملاء الاستعمار"، الحملة المصرية التي بدأت بـ 12 ألف جندي تضاعفت في أقل من ستة أشهر لتصبح 28 ألف جندي وظل الرقم المصري يتضخم حتى وصل إلى 70 ألف جندي مع عدد كبير من الخبراء العسكريين الروس والسوفيتيين، ولكن الملكيين أثبتوا جدارتهم القتالية إذ استنزفوا المصريين وحلفائهم بشكل ملحوظ حتى سميت اليمن ڤيتنام مصر وتغيرت العقيدة القتالة للجيش. 

في هذا الوضع المزري في اليمن منذ 62 وحتى 67 ظل عبد الناصر يسخر من "الرجعيين العملاء" في الرياض وعٓمان ويصفهم في خطاباته العامة بأقبح الأوصاف والألقاب كما في هذا المقطع المشهور:

http://youtu.be/voUNkFuhg1E

في ظل هذا الاختناق العربي قرر الجنرال خوض مغامرة جديدة بعيدًا عن مستنقعه في اليمن، فحشد الحشود وطرق الطبول لتحرير القدس! وكأن جيشه كان في عملية تدريبية في اليمن وجاء ليخوض جولة أخرى مع عدو العرب الأوحد!

أسباب اندلاع حرب 67

باختصار 67 كانت محاولة سوفيتية لإظهار قوتها في الشرق الأوسط، إذ تم تضليل كل الأطراف نحو حالة من الإطراب والحذر، فالاتحاد السوفيتي أعطى معلومات تفيد بتحرك 11 لواءً نحو سوريا وأن هناك تحركات مشبوهة في صحراء النقب قرب شبه جزيرة سيناء؛ الأمر الذي دفع المصريون لإعلان التعبئة العامة واستدعاء قوات الاحتياط وترسيخ اتفاقيات الدفاع العربي المشترك.

بعدها بيومين قرر عبد الناصر التصعيد بدلًا من التروي وترك الأمر للسياسيين والوسطاء، فأغلق مضيق تيران قبالة خليج العقبة - وهو مضيق بين السعودية وشبه جزيرة سيناء - وقرر أنها جزء من المياة المصرية ولا يحق لأحد استخدامها بدون إذن، وأضاف أنها مغلقة بشكل كامل ضد إسرائيل، الأمر الذي اعتبرته إسرائيل إعلان حرب وحصار بحري يجب الرد عليه، رغم أن أغلب صادراتها تمر عبر موانئ تل أبيب ويافا وحيفا.

ردت مصر دبلوماسيًا بطمأنة القوى الدولية ومجلس الأمن بأنها لن تبدأ بأي عمل عسكري ضد إسرائيل ولكن الحشود الهائلة على الحدود كانت تشير إلى غير ذلك، لم يرد ناصر أي حرب بل كان يحاول إظهار قوته لأعدائه من العرب ولكن يبدو أن المشهد خرج عن السيطرة، إذ كانت القيادة العامة المصرية للجيش تحت يد المشير عبدالحكيم عامر الذي أدار الحرب وظل يُصعد الأمور على هواه وكان المسؤول الأول والأخير لما حدث لمصر.

مع تدفق القوات المصرية على سيناء في وضح النهار وبشكل استعراضي كانت كل أوراق ناصر مكشوفة لأعدائه؛ الأمر الذي دفع العرب لوضع خلافاتهم جانبًا ولو لحين لدعم هذه الحملة، فدعا الملك فيصل العرب للاصطفاف مع مصر وخصص الأموال لدعم صمود هذا التحالف العربي وقام الملك الحسين بن طلال بزيارة سرية للقاهرة لطي الخلاف العربي وتوقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك وإعلانه أنه سيشارك في المعركة القادمة.

أسباب هزيمة 67

قبل سرد أسباب هذه الهزيمة، لا بد من ذكر مدى بسالة مقاومة الجيش الأردني الذي لم يطلب هذه الحرب لعلمه بحجم الخسائر الهائلة التي ستلحق به وخاصة وأنه في علاقة جيدة مع الغرب (حلفاء إسرائيل ومصدر سلاحه الوحيد)، ومع هذا وباسم الدين والعروبة قرر ألا يخذل أمته، بدون أي غطاء جوي من مصر أو سوريا خاض الأردنيون معركتهم وحدهم أمام جيش متفوق ومدعوم جويًا لدرجة أن العديد من سراياه أُبيدت بالكامل وقاتلت إلى آخر رجل وآخر رصاصة، وشهد له العدو قبل الصديق بالشهامة والشجاعة والاحتراف القتالي، حتى إن أحد جنرالات الاحتلال صرح بالقول بأن هذه الحرب كان يمكن تسميتها حرب الساعات الستة بدل الأيام الستة لولا صمود الجيش الأردني ومحاربته منفردًا أيامًا عدة فيما انهزم غيره في غضون ساعات بعد الهجمة الأولى.

رغم أن الهجمة الأولى في جبهة سيناء كانت خاطفة ولكن لا يمكن وصفها بالمفاجئة، فكلًا الطرفين كان مستعدًا للمواجهة منذ ثلاثة أسابيع، ولا يمكن القول بأن السبب هو ضعف الجيش المصري بسبب توغله في اليمن إذ إن تلك القوات لا تتجاوز عُشر الجيش الذي حشده ناصر وجنرالاته في سيناء فالسبب الحقيقي للهزيمة أعمق من ذلك، صحيح أن 60% إلى 70% من طائرات مصر عطلت في غضون الساعات الأولى من الحرب ولكن هذا لا يعني عدم قدرة القوات البرية المحتشدة على المحور الشمالي والمتوسط على الرد وبقوة على الهجوم المضاد.

ما حدث هو فشل عسكري إداري هائل يدل على عجز العسكريين الجدد وقلة خبرتهم لإدارة حرب حقيقية، إذ ومن اللحظة الأولى ظهر أن معظم القادة ليسوا في أماكنهم والقيادة العامة منفصلة عن القيادات الميدانية، وفي اليوم التالي وبدلًا من إعادة ترتيب الصفوف والرد قرر المشير عامر القائد العام بالتراجع والانسحاب بعد بضع ساعات من القتال وبدون علم عبدالناصر، بدون أي خطة واضحة للانسحاب أو أي تواصل مع القيادات الميدانية، أمر المشير بسحب جميع القوات في ليلة واحدة أي حوالي 160 ألف؛ الأمر الذي أشعل حالة من الفوضي أودى بحياة آلاف القتلى والجرحى بدون أي مواجهة منظمة مع العدو.

في تقريره السري وضح الفريق محمد صادق الذي عين وزير للدفاع في عهد السادات عددًا من النقاط الهامة في تقرير المخابرات الحربية عما حدث في يونيو 67 فقال:

1ـ لم تكن قيادة القوات المسلحة في أيدي قادة محترفين ذوي علم عسكري أو كفاءة قتالية أو خبرة بالمعارك الحديثة التي تشترك فيها جيوش وتتعاون الأسلحة المختلفة، كما أن القوات المسلحة المصرية في عام 67 لم تكن في حالة تسمح لها بدخول عمليات حربية من هذا النوع بعدما قضت حرب اليمن علي المستوي القتالي والتدريبي المعهود بالقوات المصرية.

2- أسوأ ما في معركة يونيو 67 خطة التعبئة فإنها لم تكن سليمة وعلي سبيل المثال: كانت الوحدات تشكو من وصول قوات الاحتياط بالملابس المدنية إلى الجبهة بدون أسلحة، فمثلا كانت الدبابات تُدفع للعريش من المخازن وبدون بطاريات أو ذخيرة، كما كان تشكيل وحدات المشاة الاحتياطي يتم بدون عدد كاف من الضباط وبدون الأسلحة المعاونة، ووصلت قوات كثيرة إلى سيناء بدون معلومات عن دورها في الخطة.

3- بالرغم من معرفة القيادة العسكرية باحتمال وقوع هجوم إسرائيلي يوم 5 يونيو - كما قدرت المخابرات - فقد سافر المشير عامر ومعه قائد القوات الجوية إلي قاعدة المليز وكان ينتظره في المطار معظم القيادات الميدانية عندما بدأت الضربة الجوية، وقد يكون لعلم اسرائيل بهذه التحركات أثر في اختيار التوقيت، لو أضفنا انتظار قيادات الجبهة للأوامر من القاهرة - حيث كانت إدارة العمليات منها -، مما جعلها في حالة شلل لمواجهة تطورات الموقف على الجبهة، وكذلك سوء الاتصالات بين القوات وقيادتها، فإنه يتضح مدى فقدان السيطرة وخاصة عند بدء العمليات.

أضف إلى ذلك انعدام المعلومات الميدانية المهمة، فالراديو كان الوسيلة الوحيدة لفهم ما يجري، وكل القنوات العربية كانت تتغنى بانتصارات القوات العربية والتي في الحقيقة لم تقاتل بل كانت في حالة ذعر وتخبط، عبدالناصر نفسه لم يعرف ما حدث إلا بعد يومين أو ثلاثة إذ كان الجميع يخشى ردة فعله لو أخبروه، الأردنيون استطاعوا معرفة ما حدث ومع هذا ثبتوا مع قلة عدتهم وعتادهم، والسوريون رغم علمهم بما حدث ظلوا في مواقعهم ولم يتحركوا إلا بعد هجوم العدو عليهم في آخر يومين من الحرب وسقوط الجولان بخسائر طفيفة وبشكل لم يكن يتوقعونه.

الخلاصة

باختصار كانت حرب 67 هزيمة نكراء للعرب ولكن وبشكل محدد للقوميين والجمهوريين حلفاء موسكو، تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري من جيش وطني منظم إلى جيش مفكك يحارب حرب عصابات في الجبال كلف الكل ثمنًا باهظًا، اليمن لعبت دورًا مهمًا في الهزيمة إذ إنها كثفت الفجوة بين الملكيين والجمهوريين، وبين التقدميين والمحافظين.

اليوم تشهد اليمن صراعًا جديدًا بين نفس الأطراف تقريبًا ولكن مع وجود عدو جديد متربص بالعرب متمثلًا بإيران، هناك في اليمن يتصارع التقدميون بقيادة إيران والحوثيين في حلف مشبوه مع علي عبدالله صالح ضد السعودية وحلفائها في بحثها عن الاستقرار وخوفها ليس فقط من الثوريين الربيعيين ولكن أيضًا من الطائفيين والمتشددين.

مصر تعلمت درسها وعدلت من عقيدة جيشها لتنتصر في 1973، ولكن ها هي اليوم تبني لنفسها ڤيتنامًا جديدة في سيناء لينتهي بها المطاف في حرب خارجية جديدة قد تكون في ليبيا أو اليمن، ولكنها نفس الأخطاء تعود وتتكرر.

سوريا بدورها والتي تشبه لبنان في ثمانينيات القرن السابق هي وحدها القادرة على إطفاء نار الحروب في الشرق الأوسط قبل أن تتدهور الأوضاع وتشتعل لبنان وبعدها الأردن والخليج العربي نفسه لا سمح الله، العرب بارعون جدًا في خلق الأزمات ولكنهم فاشلون في إطفائها ولعل هذه هي لعنة محاولتهم احتواء الربيع العربي بدلًا من دعمه وتوجيهه نحو الأفضل من قِبل الجمهوريين والملكيين المحافظين، ولكن الطرف الثالث في المعادلة والمتمثل بالديمقراطيين الربيعيين مايزال في طور النمو السياسي ولا بد أن ينتصر ولو على حساب غيره من أطراف الصراع.