مدينة الموصل، أو قرية نبي الله يونس صاحب الحوت، ثاني أكبر مدن العراق بعد العاصمة العراقية بغداد، تتصدر نشرات الأخبار فجر يوم الـ 10 من يونيو قبل عام، بعد سقوط مدوٍ وغير متوقع انسحب الجيش العراقي، تاركًا المدينة بمن فيها للمصير المجهول، تلك المدينة التي يزيد تعداد سكانها عن 3 مليون نسمة، نزح نصفهم، بينما يقبع الآن النصف الثاني تحت سطوة تنظيم الدولة، الذي اتخذ من الموصل عاصمة لخلافته ومركزًا لها، وجعل من بقي من أهلها أسيرًا، منع من الخروج منها، وأصبح مليون ونصف من أهالي المدينة مخطوفين تحت رحمة التنظيم، فما الذي حدث في تلك الليلة التي لم ينم الموصليون فيها.

نعود بالأحداث إلى أيام قبل تلك الليلة التي سقطت فيها المدينة قبل عام من اليوم، تحديدًا يوم 5 يونيو 2014، تتسارع الأحداث في المدينة بعد يوم خال من أي هاجس أمني سوى إشاعة عن فرض حظر التجوال، التي تبين أنها حقيقة، تم فرض حظر التجول من قِبل قيادة عمليات نينوى، وهي قيادة الجيش المسؤولة عن الموضوع الأمني في المدينة، وتابعة مباشرة لرئيس الوزراء آنذلك نوري المالكي.

يجلس الموصليون في بيوتهم ليترقبوا ماذا يحدث، أخبار عن سقوط سريع لمناطق غرب الموصل على يد مقاتلين، وصفهم أهالي الأحياء التي دخلوها بالوحوش المدربة، ليخرج محافظ المدينة أثيل النجيفي مطالب بتسليح الأهالي الذي لم ينفذ، وتتسارع بعدها الأحداث ليخرج قائد عمليات نينوى، مهدي الغراوي، على قناة العراقية، القناة الحكومة العراقية الرسمية، ومعه مستشار رئيس الوزراء لشؤون العشائر، أنور الندى، وهو بزي عربي ومرتديًا سلاحه، وهم يقفون أمام أحد جسور المدينة وأحد الجنود يرمي بسلاح متوسط على الجانب الأيمن من المدينة، وهناك 3 أو 4 سيارات من نوع همر، الأمر الذي جعلني أتوقف وأعيد حساباتي فقد كنت أتوقع أن المدينة لن تسقط، فمنظر قائد عمليات نينوى الغراوي لا يوحي بالثقة أبدًا، وتلك القوة البسيطة لا توحي بقدرة قتالية ولا حتى دفاعية، كنت جالسًا أمام التلفاز وبيدي الهاتف النقال كما هو حال الـ3 مليون من أهالي مدينة الموصل أترقب ما الذي يحدث، محاولًا فهم الوضع في المدينة.

أجريت بعض الاتصالات مع شخصيات موصلية، منهم أعضاء في المجلس البلدي للمدينة وبعض الضباط، كان الكلام أن هناك تقدم للقوات العراقية على الأرض، وتم دفع مقاتلي تنظيم الدولة عن المنطقة التي يسيطرون عليها، وبقي ساعات قليلة وينتهي الأمر.

كنت غير مقتنع بهذا الكلام أبدًا لذلك حاولت الاتصال بشخصيات من ضباط الجيش العراقي السابق، وبعض رجال المدينة، ووجهاء المناطق، كان الكلام العام أن الجيش غير قادر على الدفاع عن المدينة، وهناك رغبة حقيقية لمساندة الجيش والشرطة والحكومة المحلية، وهم على استعداد للقتال لو تم تسليحهم وطُلب منهم ذلك، كان هناك حراكًا شعبيًا لغرض الحفاظ وحماية المناطق، وعودة أهالي المدينة لتجربة 2003، وما يعرف في ذلك الوقت بوقفة المساجد، وهي وقفة قادتها مساجد المناطق في الموصل تم من خلالها الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة من حركة الغوغاء التي صاحبت احتلال العراق على يد الأمريكان، لكن العائق متعلق بعدم امتلاك الأهالي السلاح، إضافة لخوف الأهالي من الاصطدام مع الجيش؛ فقد عملت حكومة المالكي على منهجية الإقصاء لثاني أكبر مدن العراق، فقد مُنع أهالي المدينة من حيازة الأسلحة وحتى الشخصية للدفاع عن النفس أو المنازل، ويتم مصادرة السلاح واعتقال صاحبه عند اكتشاف حيازته لقطعة سلاح بسيطة.

وتم الضغط بشكل كبير على المدينة حتى وصل الأمر بفرض قوات الجيش والشرطة الاتحادية إتاوات (مبالغ مالية تدفع بالإكراه لتجنب الاعتقال أو القتل)، كان آخر من فرض عليهم تلك الإتاوة هم أصحاب ساحات وقوف السيارات؛ حيث قامت قيادة عمليات نينوى بغلق جميع ساحات وقوف السيارات، ومنع أصحابها من العمل لحين دفع مبلغ مالي يقدر بـ 10 آلاف دولار للساحة لكي تعود للعمل؛ ما جعل الأمر يصل لحالة التبجح بإهانة المدينة وأهلها، وتهميش دور الإدارة المحلية، إضافة لإجهاض أي محاولة لتشكيل قوة من أبناء المدينة أوتطويعهم في الجيش أو الشرطة، أو تشكيل فرقة يشرف عليها ضباط المدينة وتكون خاصة لحماية وحفظ الموصل؛ الأمر الذي جعل أهالي المدينة يشاهدون دون حول ولا قوة ومدينتهم تنتزع أو تسلم دون أي دور يذكر لهم.

في تلك الأثناء شاهدت مقاتلي العشائر، التابعين لمستشار رئيس الوزراء المالكي "الندى"، بسياراتهم وأسلحتهم يحملون عوائلهم وحاجاتهم من حي الطيران ليخرجوا هاربين من المدينة، كان ذلك عصر اليوم 9 يونيو، كانت سيارات الدفع الرباعي، حوالي ثمانية، تسابق الريح لتخرج من المدينة دون أن يشارك رجال تلك السيارات في أي اشتباك أو معركة ولا حتى في نقل النازحين من أهالي المدينة.

في العاشرة والنصف مساءً ليلة سقوط الموصل، قنابل الهاون تسقط على مناطق الجانب الأيمن التي ما يزال الجيش العراقي مسيطرًا عليها (الطيران والجوسق والغزلاني) بكثافة، حيث يوجد مقر قيادة العمليات نيوى، مقر فوج الدعم والإسناد، والموصل، ومحكمة مكافحة الإرهاب.

كان أهالي المنطقة يريدون الخروج لينتقلوا للجانب الأيسر، لتجنب القصف الذي استهدف مناطقهم، لكن قوات الجيش التي تغلق مداخل تلك الأحياء تمنع خروجهم، ليعود المواطنون إلى دورهم، تتجاوز الساعة الثانية عشرة ليلًا، يشاهد أهالي تلك المناطق انسحاب لنقاط الجيش وترك النقاط التي كانت على أبواب المناطق خالية، تحرك أهالي المناطق للمغادرة إلى الجانب الأيسر لتجنب القصف وخوفهم من المجهول.

كنت أنا ما أزال بالمنزل، حاولت الاتصال بالمسؤولين المحليين أو الضباط ولكن دون أي جدوى، اتصل بي أحد الجيران وقال استطعت العبور إلى الجانب الأيسر عبر الجسر، دخلت إلى والدي أخبره أننا يجب أن نغادر، فرفض المغادرة، قلت له نغادر لبيت نسيبنا في الجانب الأيسر لتجنب قنابل الهاون وعند نهاية العمليات العسكرية يمكن أن نعود، اتفقنا على هذا الأمر، لم نحمل معنا سوى الأوراق الثبوتية خوفًا من مواجهة نقاط تفتيش للجيش، وقررنا الخروج بسيارة واحدة وترك الثانية في المنزل لكي نكون سوية لخوفنا من المجهول خلال الخروج.

خرجنا من الأفرع الداخلية للحي لنصل إلى الشارع فنشاهد سيارة نوع همر للجيش العراقي دون جنود، ونقطة للتفتيش خالية، كانت المدخل والمخرج الوحيد للحي الذي أسكن فيه، توجهنا للجسر الذي يربط جانب المدينة الأيمن بالأيسر لنقف على هول المشهد؛ عشرات الجنود والضباط والشرطة يهربون بسيارات مدنية وعسكرية، حالة من الهلع، موقف يجعلك تقف على حافة الموت لتشاهد الجحيم بعينك.

مواقف على الجسر

جندي فوق سيارة نوع همر تحمل سلاح مدفع رشاش يقوم بإطلاق النار بشكل جنوني نحو المجهول لا يعرف هو لماذا! الناس ما تزال تنزح من الجانب الأيمن إلى الأيسر للمدينة، وأنا أنظر للناس تسير ولا تلتفت لصوت المدفع الرشاش الذي يهز الجسر، وتلك الأم الموصلية التي تجر طفلها دون أن تفكر حتى بالنظر من الذي يطلق النار.

 ألتفت إلى الجهة الثانية، سيارات للشرطة تتوسطها سيارات عليها علامة k9، وهي علامة تدل على الكلاب المدربة التي تستخدمها القوات الأمنية لغرض الكشف عن المتفجرات، اقتربت العربات وكان عددها 3 من جانبي، لتصعقني المشاهدة التالية أن ما بداخل تلك العربات معتقلين بلباس أصفر مقيدين العينين والأيدي، والقوات المرافقة لهم من الشرطة المحلية تطلق النار بشكل جنوني لفتح الطريق لها كي تعبر، سمعت فيما بعد أن هؤلاء المعتقلين تم تصفيتهم ميدانيًا في الجانب الأيسر للمدينة، ولكني لم أشاهد تلك التصفية.

تجاوزنا الجسر الذي يقطع بما لا يزيد عن 3 دقائق بـ 30 دقيقة بسبب الزحام الشديد، الذي سببه هروب القطاعات العسكرية وتركهم لسياراتهم على الجسر ليتم دفعها من قِبل الأهالي ليتمكنوا بعدها من العبور.

عند الجانب الأيسر من المدينة، التي كانت تحت سيطرة فرقة المشاة الثانية من الجيش العراقي، لم نجد جنديًا واحدًا لذلك قررنا بعد الاتصال ببيت نسيبنا الخروج صوب أربيل، لتبدأ رحلة الخروج من المدينة من أمام جامع النبي يونس ذي النُّون - عليه السلام -، لتكون رحلة النزوح القاتلة ولحظة افتراق الجسد عن الروح، تلك الروح التي أبت المغادرة، كنت أنا واحد من مليون ونصف نازح شاركوني تلك اللحظة وعاشوا معي ذلك الفراق.

الجزء الثاني من المقال سنتكلم عن رحلة النزوح، وصباح سقوط الموصل بشهادة خاصة توثق ذلك اليوم الحزين.