ظهر الإصدار الأخير لإعلام ولاية نينوى التابع لتنظيم الدولة "داعش" في ذكرى سقوط الموصل بيد التنظيم تحت شعار "عام على الفتح"، هذا الإصدار الذي يتكلم عن قصة دخول التنظيم للموصل كان طبيعيًا من الظاهر لكنه حمل أسرارًا كبيرة بين ثنياه، 29 دقيقة تفحصناها بعناية لنخرج أسرار هذا الإصدار لنضع تحليلاً لما يطرحه التنظيم في أبرز إصداراته.

احتفال دون محتفلين

على غير المتوقع ظهر الإصدار دون مشاهد احتفالية أو استعراضية في مدينة الموصل، فقد مرت الـ 29 دقيقة دون صور لاحتفالات أو استعراضات في الذكرى السنوية لما أسماه التنظيم "الفتح" وهذا يدل على  أمور رئيسة وهي:

عدم قدرة التنظيم على حشد جموع من الناس لتنظيم احتفالات حقيقية تظهر حجم التعاطف، وهذا دليل على انحصار شعبية التنظيم بشكل كبير جدًا عن بداية دخوله للمدينة بعد أن كشر الليث عن أنيابه فيها وتوضح الأمر بشكل كبير للناس الذي حاول مسايرتهم في الأسابيع الأولى لدخوله المدينة، ولكن العام الماضي كان كفيلاً بطرد أي فكرة لمساندة التنظيم من رؤوس أهالي المدينة.

الأمر الثاني والأكثر أهمية هو الخوف الحقيقي من استهداف أي استعراض عسكري، حيث كان من المتوقع أن قوات التحالف أو القوات العراقية تنتظر هذا الأمر الذي يعد فرصة إعلامية كبيرة في حالة استهداف استعراض لداعش في احتفالهم بسنتهم الأولى التي يسيطرون فيها على ثاني أكبر مدن العراق؛ الأمر الذي دفع التنظيم لعدم الظهور للشارع مكشوفين أمام سلاح التحالف الجوي.

نحن من يمثل السنة في العراق

منذ لحظته الأولى وحتى نهاية دقائق الإصدار ركز التنظيم على إبراز نفسه أنه ممثل السنة الحقيقي وهو المدافع عن حقوقهم، فظهر في الدقائق الأولى صور لما أسماهم بأذناب الرافضة المرتدين، وركز على ثلاث شخصيات وهم (طارق الهاشمي، أثيل النجيفي، عبد الله الياور) الأمر الذي جعل التنظيم يعترف ضمنيًا أن هؤلاء هم منافسوه على تمثيل الساحة السنية؛ مما دفعه بشكل أو بآخر لاستهداف تلك الشخصيات واستمر التنظيم إلى دقائقه الأخيرة ليقول المعلق إن الأنبار ونينوى وكركوك وديالى وشمال وجنوب بغداد والبصرة هي مناطق التنظيم وهي مناطق تواجد السنة في العراق ليؤكد للمتابع أنه من يمثل سنة العراق وهذا ما يريده فعلاً الطائفيون المتطرفون من كل الأطراف.

النخر من الداخل: طريق التنظيم إلى بغداد

دقائق الإصدار الخامسةالى الثامنة تحتوي على عدد من العمليات التي قام بها التنظيم قبل دخوله المدينة من تفجير واغتيال كان أغلبها في داخل الأحياء السكنية في الموصل وعلى أفراد من شرطة المرور غير العسكريين المنظمين لحركة السيارات في المدينة، الأمر الذي يجعل الجميع يفكر أن القتل لم يكن يطال جهة محددة وإنما كان يصل للجميع بغرض زعزعة أمن المدينة ومنع سير الحياة فيها بشكل طبيعي وهذا يخالف ما يحاول تصديره أنه يقاتل الجيش الصفوي فهل هي هفوة إعلامية أم رسالة أن الجميع مستهدف عسكري أو مدني فقط لأنه لا ينسجم مع التنظيم بالتوجه، إن هذا الأمر يدل أيضًا أن طريقة التنظيم تعمل على ضرب المدن من الداخل ثم محاولة اقتحامها من الخارج بعد أن تنتهي قواها وهو مشهد يحاول تصديره إلى بغداد بالتحديد وهذا ماغرد به اليوم عدد من حسابات الفيس بوك القريبة من التنظيم.

اعتراف التنظيم أن الموصل سلمت له

في الدقيقة السابعة للإصدار يذكر المعلق "لم يكن في البال أن التقدم سيكون أكبر بكثير مما خطط له"، وهذا يعزز القول إن المدينة سُلِمت للتنظيم على طبق من ذهب فلا يعقل أن بين 300 إلى 400 مقاتل، كما ذكر المعلق "أكثر من عدد المسلمين يوم بدر بقليل" استطاعوا إسقاط ثاني أكبر مدن العراق التي تحتوي على تشكيلات من الجيش العراقي وقوات سوات والشرطة المحلية وشرطة الأفواج والشرطة الوطنية التي يصل تعدادها لعشرات الألوف.

ليستمر الإصدار بعرض ما يسميه "غزوة أبو عبد الرحمن البيلاوي" أو معركة تحرير الموصل ويظهر وهو يتحرك في صحراء الجزيرة وهو بكامل عدته وعتاده دون أن يعترضهم أحد، حتى يدخلوا أطراف المدينة، تظهر المعارك كمسرحية هزيلة عبارة عن اشتباك من طرف واحد عقبه تفجير انتحاري قرب فندق الموصل لينسحب الجيش ويترك معداته وآلياته بطريقة غريبة جدًا وهذا ما يبين أن الإصدار لم يكن في نهايته صور لقتلاه التي ظهرت في بقية الإصدارات للتنظيم، إضافة لكون مقاتلوه كانوا يقومون برمي الأرتال دون رد من قِبل تلك الأرتال على المقاتلين، فقط انسحاب دون قتال!

وقود داعش والقنبلة الموقوته في المجتمع

يظهر الإصدار تأثر الأطفال والصبية في التنظيم منذ اللحظة الأولى لدخوله وحتى اللحظة الأخيرة؛ فنشاهد أن الخطاب العاطفي التحريضي اللحظي الذي استخدمه التنظيم في تجيشه للناس استقطب الأطفال والفتيان من أصحاب العواطف ولم يستطع استقطاب الرجال والشيوخ لوجود الحكمة والنظر في العواقب، يظهر المشهد الأول عند بداية اقتحام المدينة عدد من الصبيان يرحبون بمقاتلين التنظيم ولعل أبرز ما دفع هؤلاء الصبيان هو الإعلام المسبق أنهم مقاتلون لأجل الدين وحماية الناس ومساعدة بطش الجيش والتهميش لزرع هذا الأمر بشكل أكبر، نشاهد أحد الأطفال يقبل رأس أحد المقاتلين بينما يقف أحد الرجال بعيدًا لا يقترب.

لحظة ثانية في الدقيقة الـ 22 يظهر الأطفال حماسهم في الصراخ لتشجيع أرتال التنظيم في استعراض عسكري بينما لا يوجد للرجال والشيوخ وجود في ذلك المشهد.

يتكرر المشهد في خطبة في أحد المساجد جمع من الأطفال بخطيب من التنظيم ويختفي أيضًا الرجال والشيوخ.

لحظة أخيرة تختزل المشهد؛ مقاتلو التنظيم يسوقون آمر فوج شرطة طوارئ نينوى وهو بلباسه المدني بعد أن تم تأمينه أن التنظيم قبل توبته وأنه لن يُقتل ليأتي أحد الأطفال فيسبه ويتوعده أن الدولة الاسلامية ستقوم بقتله ليقوم أحد أفراد التنظيم بتنفيذ ما توعد به الطفل؛ فيطلق مجموعة من الرصاصات تودي بآمر الفوج قتيلاً أمام عيون مجموعة من الأطفال بينه المتوعد لعيسى.

هذا التحشيد والتدريب والاستقطاب الذي يحدث لعدد غير قليل من الأطفال سيجعلهم قنبلة موقوته للجيل القادم والمستقبل، أكاد أجزم أنها ستحرق ليس فقط الأراضي التي تحت حكم التنظيم اليوم ولكن ستمتد إلى أكثر من ذلك بكثير.

الاعتراف بمقتل والي الموصل

أبو ليث الأنصاري صاحب الصورة الشهيرة في استعراض التنظيم في يوم 11 يونيو في الموصل وهو يمتطي حصان ويضع علم التنظيم خلف ظهره ويقود الرتل المستعرض، لم يذكر التنظيم أنه والي الموصل فقط كتب في الصور "أبو ليث الأنصادي تقبله الله" وهي دلالة على مقتله، أفادت مصادر أن أبي ليث قُتل في الأشهر الثلاثة الأولى من دخول التنظيم للموصل بقصف استهدف موكبه ولم ينف أو يؤكد التنظيم هذا إلى أن ظهر اليوم تأكيد الأمر من خلال هذا الإصدار.

نحن دولة ولسنا تنظيم

يحاول التنظيم إظهار نفسه أنه دولة حقيقية لديها مؤسسات وتعمل على البناء والتطوير؛ فيظهر آليات لوضع مناهج للمدراس والكليات وتعمر وتخطط محاولاً القفز على الحقائق أنه خلال عام لم يقم غير بتفجير المساجد التاريخية والكنائس والمتاحف وحرق المكتبات والمخطوطات وقطع الأطراف والرؤوس، وأن عمليات كنس الشوارع وصبغ الدوائر باللون الأسود أو بناء مسجد صغير في وسط المدينة لن يجعل التنظيم دولة، فماتزال رواتب الموظفين تصل من بغداد ولم يستطع التنظيم حتى توفير الأدوية والمستلزمات العاجلة والمواد الغذائية للناس ناهيك عن بناء المشاريع الحقيقية وتسيير أعمال الناس، فما تزال إحدى أبرز جامعات العراق متوقفة بسبب سيطرة التنظيم على المدينة، ومايزال مليون ونصف نازح من أهالي المحافظة خارج المدينة؛ كل هذه الامور حاول التنظيم القفز عليها في إصداره متجاهلاً كل تلك الحقائق.

هذا أبرز ما ظهر خلال الإصدار الذي اختزل التنظيم احتفالات عام على دخوله الموصل والسيطرة عليها ليكون بمثابة بديل إلكتروني عن التواجد على الأرض.