حوار خاص مع المتحدث الإعلامي باسم حزب الحرية والعدالة الدكتور أحمد رامي (الجزء الأول)

وقع الانقلاب العسكري في مصر بتاريخ الثالث من يوليو لعام 2013  بقيادة وزير الدفاع السابق ورئيس الجمهورية  الحالي الجنرال عبدالفتاح السيسي مدعومًا بلفيف من القوى السياسية المعارضة لحكم الرئيس السابق محمد مرسي الذي يقبع الآن خلف السجون ويواجه اتهامات في قضايا عدة لم تبرز سوى بعد الانقلاب لتبرر أمر اعتقاله.

الرئيس السابق محمد مرسي هو مرشح جماعة الإخوان المسلمين  في انتخابات الرئاسة التي تمت بعد ثورة يناير بأكثر من عام في منتصف 2012، أثار ترشيح الجماعة له جدلًا واسعًا في الشارع المصري بعدما أخلفت الجماعة تعهدها بعدم خوض منافسات الانتخابات الرئاسية، ولكن مرسي الذي كان بديلًا جاهزًا لنائب المرشد العام للجماعة المهندس خيرت الشاطر الذي استُبعد من الانتخابات استطاع في مدة قياسية أن يخرج بأعلى الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات، ليخوض الجولة الثانية أمام ثاني أعلى المرشحين أصواتًا وهو مرشح الدولة المباركية كما صنف آنذاك الفريق "أحمد شفيق" آخر رئيس للوزراء في عهد المخلوع مبارك.

حُسمت النتيجة لصالح مرشح جماعة الإخوان المسلمين في الجولة الثانية بعد صراع مع أجهزة الدولة العميقة، وبعد أن نجحت الجماعة في حشد قوى يناير خلف مرشحها، ما أعطاه ثقلًا أمام مرشح النظام السابق، وقد كانت للثورة حينها زخمها التي احتفظت به، ليصل رئيس المكتب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين لأول مرة في تاريخ الجماعة إلى كرسي رئاسة مصر بعد ثمانية عقود من تأسيسها وحراكها في مصر.

دخلت البلاد في عهد مرسي منذ أول يوم صراعًا سياسيًا مع قوى الدولة العميقة التي لا زالت تحتفظ بولائها التام لزمن المخلوع مبارك، كما افتعلت الأزمات في سنة حكم مرسي وأبرزها الإعلام بشكل غير مسبوق، ومن جانب آخر نشب صراع مع الرئاسة باعتبارها ممثلًا لـ"حكم الجماعة" كما كانت وجهة نظر القوى السياسية التي أسمت نفسها بالمدنية، وظهرت هذه الخلافات في لجنة صياغة الدستور، وتلتها خلافات على قرارات مرسي التي كان يحاول الاستقواء بها على قوى دولة مبارك، بينما رأت التيارات السياسية الأخرى أنها ديكتاتورية جديدة حد وصفهم، إلى أن وصل الاستقطاب مداه في آخر سنة حكم مرسي.

طوال هذا العام كانت تلعب وزراة الدفاع دورًا سياسيًا خفي عكس ما أوهمت به الرئاسة وقيادات جماعة الإخوان، وبعد أن نجحت قوى النظام السابق في حشد الجماهير وتعبئتها ضد النظام الجديد، استغل السيسي الموقف المتأزم أثناء ترأسه  وزارة الدفاع في عهد مرسي، وقرر الإستعانة ببعض القوى السياسية الرافضة لحكم مرسي والتي لم تمانع في الإطاحة بمرسي عن طريق الجيش، ونفذ انقلاب الثالث من يوليو، وما لبثت أجهزة الدولة آنذاك في الترويج لما حدث بأنه ثورة شعبية ضد حكم مرسي.

 رفضت جماعة الإخوان المسلمين ما حدث جملةً وتفصيلًا، واعتصمت في تجمعين بأعداد ضخمة من أنصارها رفضًا لما اعتبرته انقلابًا عسكريًا على الشرعية الدستورية لرئيس الجمهورية، وقد طالب الإخوان منذ ذلك الحين بعودة الرئيس الشرعي للبلاد محمد مرسي وذلك من خلال الاعتصامين اللذين أقيما في ميدان رابعة العدوية شرق القاهرة، وميدان النهضة بالجيزة.

استمرت الفعاليات الرافضة لانقلاب الجيش من خلال الاعتصامين، حتى قررت السلطات فض الاعتصامين بطريقة عنيفة، أدت إلى مقتل ما يزيد عن ألف من المعتصمين في بعض التقديرات، تلى ذلك مجازر أخرى نتج عنها مقتل المئات من المناهضين للسلطة في تظاهرات على مدار عامين، مع أعداد المعتقلين التي فاقت 40 ألف معتقل.

ومع اقتراب الذكرى الثانية للانقلاب العسكري في مصر، ما زالت جماعة الإخوان المسلمين مصرة على المضي في طريق معارضة الانقلاب الذي حدث، عن طريق أدواتها في الداخل والخارج، وهو ما وضع النظام الحالي في مصر حتى الآن تحت ضغط بشكل أو بآخر بعد فشله في التخلص من آثار هذه المعارضة على مدار سنتين، وإن حاول إضعافها عن طريق الضغط الأمني.

أين وصل الصراع بين النظام والجماعة بعد عامين؟
الدكتور أحمد رامي أحد المتحدثين الإعلاميين باسم حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهو أحد ثلاثة عينوا للتحدث الإعلامي بالنيابة عن الحزب إبان فترة حكم مرسي، يوّصف أحمد رامي في حواره الخاص الذي أجراه مع موقع "نون بوست" الأزمة في مصر بعد عامين بأنها:  "ليست بين السلطة والإخوان"، حيث يرى أن هذا التوصيف يحاول به الطرف الآخر المتمثل في النظام العسكري والمتحالفين معه تصدير الأزمة في مصر على أنها بين السلطة والإخوان فقط سواء كان ذلك تصدير للشعب المصري أو للعالم، ويتم بهذا الشكل للعالم على أساس وجود فوبيا من الإسلاميين بصورة عامة مع محاولات إلصاق تهمة الإرهاب بالإخوان من طرف العسكر ليضمنوا بذلك ظهيرًا دوليًا مساندًا لهم.

كما يرى رامي أن النظام مستمر في ذلك باستغلال تخوف الرأي العام الغربي وصناعة فزاعة الإسلاميين والإرهاب وغيرها في الغرب، كذلك يروج لذلك في الداخل على أساس وهم الشعب بأن من يبتعد عن المشهد والإخوان لن يطاله أذى، واستشهد رامي في ذلك الصدد بحديث أحمد عبدالرحمن رئيس مكتب المصريين في الخارج الذي انتخب مؤخرًا الذي قال فيه أن حجم الاخوان وسط الحراك المعارض للسلطة لا يتخطى نسبة 30%.

الإخوان يصدرون حراكهم كحراك شعبي
دأب الإخوان المسلمين في الأوانة الأخيرة على التأكيد أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة النظام، محاولين تصدير صورة شعبية لحراكهم المناهض للسلطة، فقد أكد أحمد رامي وهو أحد العاملين في لجنة التواصل السياسي في الحزب مع التيارات السياسية الأخرى أن الحراك الآن أغلبه من شباب اشترك في العمل السياسي مع بداية الثورة في 2011، وأغلبهم لا ينتمي لتنظيمات تقليدية، مؤكدًا أن شريحة كبيرة من هؤلاء مناصرين للفكرة الإسلامية بدرجة أو بأخرى فيما يسمى بالتيار الإسلامي العام.

إلا أننا لا نستطيع الجزم بأن الحراك المناهض للسلطة الحالية في مصر يتصدره الإسلاميون فقط، فبعض انقلاب النظام على شركائه المدنيين في الانقلاب العسكري، انضمت شريحة أخرى لمعارضة النظام وإن لم تكن بنفس شراسة الإسلاميين، من بينهم حركات شبابية كحركة السادس من أبريل والتي بدأت مؤخرًا في تنظيم نشاطات معارضة ولكن ما زالت على استيحاء، ليأتي التساؤل ما موقف الإخوان المسلمين من هذه التحركات خارج إطارهم؟

موقف الإخوان من التيارات الأخرى التي اضمت مؤخرًا للمعارضة
عبر رامي عن موقف الإخوان من هذا بقوله:" بأن أي خلاف مع النظام الحالي على أسس جذرية على أساس أن هذا النظام لا يمكن أن يبقى بأي حال فنحن ندعمه، لكن حراك على أساس تشكيل معارضة من داخل هذا النظام نحن نتحفظ عليه، لأن هذا النظام غير صالح للبقاء، فالذي يطرح معارضة جذرية لهذا النظام يمكن أن نلتقي معه في أي وقت من الأوقات أو في أية فعالية، ونحن نعلم جيدًا أن هناك فارق بين أن نكون تحالف سياسي وبين الاشتراك في عمل ثوري، وفهناك فارق كبير وتدرج في درجات التعاون بدايةً من العمل على أهداف مشتركة أو من خلال تكوين تحالف ثوري أو تحالف سياسي، كل هذه المراحل متفاوتة وليس عندنا رفض مبدئي للتعاون مع أي فصيل سياسي على أسس ومباديء ثورة يناير، ودائمًا ما نسعى إلى ذلك، والآن أستطيع القول أن هناك عدم ممانعة من تيارات أخرى، لكن الظرف الأمني الحالي يمنع تطوير هذا الموقف إلى تحالف واضح وصريح".

هل تتوحد المعارضة المصرية ضد النظام الحالي؟
ولكن بعد عامين من الحراك المعارض باستخدام أساليب متعددة كانت قيادة الجماعة واضحة فيها طوال عامين، ولم يُطرح حتى الآن توحيد الأجندة المعارضة بين الجماعة وغيرها من القوى رغم محاولات إنشاء كيانات معارضة جامعة من الخارج والتي لم تختفي فيها الهيمنة الإخوانية وهو ما صدر عن بعض أعضاء هذه الكيانات من خارج الإخوان، بيد أن الإخوان يرون أن الثورة ليست لها شروط، وأن من سيدفع ضريبة المقاومة أمام النظام فهو جدير بالتعاون معهم، لكن بعض المتابعين للشأن المصري يرون أن الجماعة تناقض نفسها وتشترط أجندتها السياسية لإنشاء تحالفات ويتمثل ذلك في الإصرار على عودة الرئيس السابق محمد مرسي.

وهو ما رد عليه الدكتور أحمد رامي في حديثه الخاص مع "نون بوست" مؤكدًا أن التمسك بعودة مرسي هو تمسك بشرعية الانتخابات التي أتت به إلى سدة الحكم، وليس تمسكًا بشرعية الإخوان، داعيًا من له لافتة أخرى غير عودة الشرعية إلى طرحها ومناقشتها بشرط أن تؤدي إلى كسر هذا الانقلاب على حد وصفه، مضيفًا أن أي اختيار سيأتي برغبة الجماهير عقب سقوط هذا الانقلاب سيرضخ له الإسلاميون، مشيرًا إلى أن ذلك حدث في أكثر من قطر خلاف مصر وهو ما يعكس احترام الإسلاميين لإرادة الجماهير.

موقف الإخوان المسلمين من حدوث انقلاب على الانقلاب
مع ظهور إرهاصات صراع الأجنحة والقوى داخل النظام المصري باتت احتمالية حدوث انقلاب على النظام الحالي مطروحة ولو بنسبة ضعيفة، فمنذ أيام ظهرت على الإعلام قضية اتهم فيها عسكريون بمحاولة الانقلاب على السلطة وكان من بين المتهمين مدنيين اثنين من قيادات جماعة الإخوان المسلمين هما الدكتور حلمي الجزار والدكتور محمد المرسي أحد أعضاء مكتب الإرشاد، كذلك وسط الحديث عن تحركات لموالين للفريق أحمد شيفق داخل أجهزة الدولة محاولين إدخاله المشهد من جديد.

 نفس الأمر تكرر مع الفريق سامي عنان والحديث عن احتفاظه بمراكز قوى داخل الجيش، كل هذا يطرح علامات استفهام وأسئلة من بينها كيف سيتعامل معارضو الانقلاب الحالي إذا حدث هذا بالفعل بأي صورة؟، خاصةً وأن هناك أحاديث عدة خرجت من مفوض العلاقات الخارجية السابق للإخوان المسلمين والقيادي التاريخي بالجماعة "يوسف ندا" تحث ما أسماهم المخلصين في الجيش للتحرك لانقاذ البلاد، وفي تصريحات سابقة له أشار أنه ينتظر تحركًا من داخل الجيش، مشبهًا إياه بانقلاب "سوار الذهب" في السودان.

رسالة ندا الأخيرة أثارت ناقشًا حادًا حول احتمالية الجماعة القبول بانقلاب من داخل الجيش على السيسي لكن القيادي أحمد رامي رأى أن الرسالة لم تحتوي على كلمة انقلاب، مؤكدًا أن الجماعة على استعداد للتعامل مع الجيش حال كونه التزم بدوره كمؤسسة مستقلة وطنية محايدة كما هو وضعه في كل دول العالم، وباعتباره مؤسسة مصرية كباقي المؤسسات في إطار أنها تقوم بدورها المتعارف عليه في كل الدول الديمقراطية والدول المدنية الحديثة، مضيفًا أن جماعة الإخوان لن تقبل أن تستبدل عسكرة السلطة الحالية بوجه آخر عسكري، كذلك أعرب عن رفض الإخوان تكرار تجربة السادت وعبدالناصر لأن السياق مختلف الآن.

كيف يرى الإخوان وضع النظام بعد عامين من المعارضة؟

 يرى رامي أن الوضع غير مستبب للنظام مستشهدًا بالمؤشرات الاقتصادية التي تعبر عن عدم قدرة النظام على الإنجاز على كافة الأصعدة السياسية والأمنية، فالنظام لم ينتهي من تنفيذ خارطة الطريق التي أعدها بنفسه بعد الانقلاب، وكذلك الوضع الأمني في الشارع في حالة انهيار، فبذلك يرى الإخوان أن قدرة النظام على الإنجاز طوال عامين في تراجع، مؤكدين بذلك أن السيسي لا زال يعاني من أزمة في شرعيته، وهو غير قادرعلى تجاوز هذا الأمر رغم مرور كل هذا الوقت، عبر عن ذلك الدكتور أحمد رامي بقوله: "أن النظام الذي ولد في الثالث من يوليو نظام مشوه يحمل في طياته عوامل سقوطه، مؤكدًا أن وجود الحراك المعارض أحد عوامل السقوط هذه".

فمن خلال الحراك المعارض للنظام في الخارج والتي تقوده الجماعة في كافة الأقطار التي تتواجد بها، ترى الجماعة أنها نجحت في حصار السيسي إلى حد ما دوليًا، مفرقين بذلك بين الموقف الرسمي للحكومات من الانقلاب وبين الموقف الشعبي، فالإخوان يرون أن الحكومات الغربية على سبيل المثال غلبت مصالحها على مبادئها ودعمت السيسي رغم أنها تعلم بصعوده إلى سدة الحكم عبر انقلاب عسكري.

ولكن رغم علم الجماعة بموقف الحكومات الداعم للانقلاب حرص الإخوان المسلمين على الذهاب إلى واشنطن في أكثر من مناسبة والتقوا بجهات رسمية هناك، وعلق على ذلك الدكتور أحمد رامي بقوله:" بأنه لا يتسطيع أحد تجاهل الإخوان ودورهم في المنطقة، فالإخوان متداخلين في أوضاع كثيرة بالمنطقة، وليست مصر فقط، فالإخوان لديهم دور في الملف السوري واليمني والعراقي، ولا يستطيع أي لاعب مؤثر في المنطقة إلا أن يسعى للقاء الإخوان"، مؤكدًا أن الإخوان لا يمتنعون عن شرح قضيتهم لأي شخص، والأولوية لدى الإخوان للشعوب ولمنظمات حقوق الإنسان، وأوضح أن الحكومات والدول لن تتغير موقفها إلا إذا تغير الوضع في الداخل، لذلك فالجماعة لا تعول على تغير مواقف الأنظمة خاصة الأنظمة الغربية، إلا بعد تغير المعادلة في الداخل.

وبذكر تواجد حركة الإخوان المسلمين في عدة أقطار تعاني من أزمات سياسية في المنطقة، وهو ما يحتفظ للجماعة بدور إقليمي كبير، لكن ثمة محللون يرون أن الجماعة لم تحسن الاستفادة من هذا التواجد الإقليمي، بصناعة ترابط عضوي بين الصراعات المختلفة التي تعتبر هي جزء أصيل منها كما في مصر وليبيا وسوريا والعراق، لكن هناك اختلاف في وجهة النظر هذه يقول بأن الجماعة لا تريد أن تعطي صورة ذهنية إقليمية لحراكها ما سيضر بالتحركات الداخلية في كل قطر، وأن هناك سعي لإحداث ترابط بين دول الربيع العربي على سبيل المثال في قضية الثورات المشتركة دون أن تتصدر الجماعة الحراك بشكل مباشر.

غدًا الجزء الثاني من الحوار