بعد أن نشر موقع ويكيليكس كدفعة أولى 70000 وثيقة من الوثائق المسربة التي قال إنها تخص وزارة الخارجية السعودية، وأخرى لوزارة الداخلية والاستخبارات العامة، احتوت الوثائق بحسب الموقع على أعداد كبيرة من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين الوزارة والهيئات الخارجية، وكان نجمها الأول حتى الآن هو سعود الفصيل وزير الخارجية السابق في المملكة الذي ترأس الخارجية السعودية لمدة ناهزت 40 عامًا.

يقول الموقع إن الوثائق سيتم نشرها تباعًا خلال الأسابيع المقبلة ليتم بذلك الكشف عن أكثر من نصف مليون وثيقة، ضمنها ما يندرج تحت بند "سري للغاية" لوزارة الخارجية السعودية، حيث سربت اتصالات سفارات المملكة العربية السعودية حول العالم بالخارجية وبالداخل السعودي، لنقل رؤية السفارات لمختلف الأحداث التي تجري في المحيط الإقليمي والدولي.

من جانبها في بداية الأمر عقب بدء نشر الوثائق صرحت وزارة الخارجية السعودية في تغريدة عبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "عزيزي المواطن الواعي تجنب الدخول إلى أي موقع بغرض الحصول على وثائق أو معلومات مسربة قد تكون غير صحيحة بقصد الإضرار بأمن البلاد".

وفي تغريدة أخرى قالت: "عزيزي المواطن الواعي لا تنشر أي وثائق قد تكون مزورة تساعد أعداء البلاد في تحقيق غاياتهم"، هذه التغريدات توضح تعامل السعودية بإنكار في بداية الأمر حتى اعترفت بصحتها في تصريحات لرئيس الإدارة الإعلامية بوزارة الخارجية السفير أسامة بن أحمد نقلي، حيث اعترف بأن ما يتم تداوله على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي مرتبط بالهجمة الإلكترونية التي تعرضت لها الوزارة سابقًا منذ قرابة الشهر، في حين أكد أنه سيتم ملاحقة جميع الجهات التى وقفت خلف هذا الاختراق سواء كانت شركات أو حكومات وبموجب القوانين والتشريعات الدولية، مما يعكس حالة من التخبط لدى الإدارة السعودية في التعاطي مع الأمر، خاصة وأن هناك وثائق بالغة الحرج.

وعلى جانب آخر ما زال نشر الوثائق مستمر حتى اللحظة من قِبل المهتمين بالأمر، وذلك بما في هذه الوثائق من معلومات وخلفيات مهمة عن كيف يرى السعوديون العالم ومنطقتهم من خلال سفاراتهم التي توافيهم بكل جديد، فبعض الباحثين يرون في هذه الوثائق مادة دسمة للدراسة لسنوات مقبلة، لأن هذا الكم من الوثائق لا يمكن الاستفادة منه بمجرد نشره فقط، ودراسة وبحث آلاف الوثائق تطلب جهدًا كبيرًا من مراكز أبحاث متخصصة لوضع سياق كل وثيقة وخلفياتها.

لكن ما يمكن الخروج به الآن هو بعض الملامح للسياسة الخارجية السعودية التي تبدو من بعض الوثائق المنشورة، فمن المتوقع أن تلقي هذه الوثائق المسربة الضوء على العديد من القضايا التي تشكل السياسة الخارجية السعودية جزءًا أساسيًا منها كالقضية السورية والعلاقات الخليجية المتدهورة مؤخرًا، إلى جانب دور المملكة فيما يحدث بمصر قبل فترة الإطاحة بحكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي وبعد الانقلاب أيضًا، كذلك معرفة دور السفارة السعودية في واشنطن وإلى أي مدى وصلت العلاقات بين البلدين.

فعلى سبيل المثال كشفت إحدى الوثائق التي تم إرسالها من الخارجية السعودية إلى سفارة المملكة في واشنطن، تحت بند "سري وعاجل للغاية" تحذر من خلالها الخارجية من أن عشرات الطلاب السعوديين وعدد من الدول الخليجية الأخرى قد زاروا السفارة الإسرائيلية في واشنطن كجزء من البرنامج الدولي لإعداد القادة. الوثيقة

كذلك من بين الوثائق التي تم الكشف عنها وتعود إلى عام 2012 تشير إلى وجود تحفظ سعودي بشأن المفاوضات النووية مع إيران والتي توصلت لاتفاق منذ عدة أشهر، فقد أوضحت السفارة السعودية في طهران إلى وزارة الخارجية في الرياض، أن "رسائل أمريكية تصل إيران عبر وسيط تركي مجهول تحمل كثيرًا من الغزل نحو طهران"، مما يعني أن السعودية كانت تراقب هذه الوساطات بحذر، وهو ما يفسر القلق السعودي بعد إبرام اتفاق أولي بين إيران والغرب.

كما نشرت وثيقة موقعة من وزير الخارجية السعودي السابق "سعود الفيصل"، جاء فيها أن مسؤولي سفارة الولايات المتحدة الأمريكية يرغبون في زيارة المواطنة الأمريكية أروى عصام طاهر جميل بغدادي، المحبوسة في الرياض، والعضوة في فرع تنظيم القاعدة باليمن، على أن تكون الزيارة في 26 مارس 2012، وأشارت الوثيقة أن هذا ليس الطلب الأمريكي الأول، مما يعطيك ملمحًا عن التنسيق السعودي الأمريكي بشأن الحرب على القاعدة في اليمن.

وبالانتقال إلى القاهرة فقد تضمنت الوثائق المنشورة مراسلات بين السفارة السعودية بالقاهرة مع وزارة الخارجية في الرياض تقول فيها إن الولايات المتحدة قد قامت بمساومة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، على الدخول في حرب العراق مقابل السماح بتمرير التوريث والتفاهم بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني في مصر، لكن الوثيقة ذكرت أن مبارك رفض ذلك الأمر كما رفض قبلها التورط في الحرب في أفغانستان، بحسب الوثيقة.

أظهرت إحدى الوثائق التي سربها موقع "ويكيليكس" بخصوص السعودية أن أحد أبناء أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي قتل على يد قوات نخبة البحرية الأمريكية في باكستان عام 2011، كان قد طالب الولايات المتحدة بشهادة وفاة والده، وقد رفضت الإدارة الأمريكية الطلب بسبب أن المقتولين في عمليات عسكرية لا يُستخرج لهم شهادات وفاة، وقد قامت عائلة بن لادن باستلام وثائق من القضاء الأمريكي يؤكد فيها مسؤولون وفاة والده، ما يعني وقف الملاحقات بحقه، وهو ما كانت تريده العائلة لإثبات ذلك في إجراءات الميراث.

ووفقًا لما جاء في الوثيقة التي نشرها ويكيليكس، فقد طالب نجل بن لادن تصديق الوثيقة من وزارة الداخلية السعودية، علمًا أن أسامة بن لادن يحمل الجنسية السعودية التي أسقطتها عنه المملكة عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، كما طلب التقدم للمحكمة في جدة من أجل استصدار صك حصر إرث وإثبات الورثة الشرعيين، وهو ما رفضته المملكة.

وعلى صعيد الشأن الإماراتي فقد تبادلت الخارجية الإماراتية رسائل مع الخاريجة السعودية بشأن بعض المعتقلين الإماراتيين في المملكة لبيان موقفهم القانوني، كما أظهرت الوثائق أيضًا اهتمامًا سعوديًا بنقل ما يدور في الداخل الإماراتي من أوضاع لحقوق الإنسان وغيرها خاصة ما يرد في التقارير الدولية.

وعلى صعيد لبنان فقد كشفت عدة وثائق هامة عن تدخلات السعودية في دولة لبنان، وهذا يتضح من علاقة سياسيين بارزين في لبنان بالسفارة السعودية، حيث نشرت برقية أرسلها السفير السعودي في لبنان علي عواض العسيري إلى وزارة خارجية يتحدث فيها عن استقبال موفدًا من قِبل رئيس حزب القوات اللبنانية الذي يترأسه سمير جعجع، وتحدث عن صعوبة الأوضاع المالية التي يعيشها حزبهم وصلت إلى حد باتوا فيه عاجزين عن تأمين رواتب العاملين في الحزب.

في الوقت الذي يرى فيه السفير السعودي أن سمير جعجع يعول عليه لردع حزب الله وإيران في لبنان، كما أوصت السفارة بتقديم مساعدة مالية لجعجع، لا سيما بعد اتخاذه مواقف متقاربة مع المملكة، حيث رأت السفارة أن جعجع هو الأقرب إلى المملكة بين الزعامات المسيحية وله موقف ثابت ضد النظام السوري، وفوق ذلك فهو يبدي استعداده للقيام بما تطلبه منه السعودية.

فيما تحدثت وثائق أخرى عن طلب إعلاميين وسياسيين كثر في لبنان لدعم مالي سعودي منهم مي شدياق الإعلامية التي تتناقض أحيانًا مواقفها مع المملكة، كذلك طلب نقيب الصحفيين البنانيين تمويلاً من السعودية بعد أن لعب على وتر أن هناك إغراءات إيرانية تأتيه، وهكذا حال السعودية في لبنان التي تشتري الولاءات بالمال في حرب النفوذ ضد حزب الله هناك.
الوثيقة

كذلك كشفت الوثائق المتعلقة بلبنان أن رئيس الوزراء السابق سعد الحريري مستاء من الهجوم عليه في الصحافة السعودية وقد تقدم بشكواه إلى السفارة السعودية في لبنان، وكما تشير برقيتان أن رد السفارة على شكاوى الحريري بأنها رأت الحفاظ على حليفها ومن المناسب وقف مثل هذه الكتابات التي لا تخدم الأهداف المنشودة للمملكة بحسب ما ورد في الوثائق، كما رفع وزير الخارجية السابق سعود الفيصل إحدى شكاوى الحريري الى الديوان الملكي السعودي للنظر فيها. الوثيقة

يرى مراقبون أن مثل هذه الوثائق توضح آلية عمل مؤسسات الدولة السعودية لا سيما الخارجية منها، كما نلمح من الوثائق التنافس السعودي الإيراني في المنطقة وتبارزهم في حروب بالوكالة كدعم السعودية لمجموعات المعارضة السورية المسلحة وفي المقابل تدعم إيران نظام الأسد، كذلك في لبنان تشتري السعودية بعض الإعلاميين والسياسيين، وفي العراق الأمر ذاته مع الجماعات والشخصيات السياسية في العراق المناوئة لإيران، في حين رفضت السعودية التوصل لاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو ما بدا من متابعة السعودية لهذا الملف، كما تُظهر الوثائق المسربة دعم النظام المصري بعد الانقلاب على الرئيس السابق محمد مرسي.

حاولت وكالات عدة وجهات إعلامية وبحثية التأكد من صحة هذه الوثائق وكانت أبرزهم "وكالة الأسوشيتد برس" التي أعلنت أن فحصها للعديد من هذه الوثائق يُظهر أن هذه الوثائق مجرد عمل إداري روتيني في أجهزة الخارجية السعودية وهي مجرد وثائق مرسلة عبر الإيميل أو الفاكس.

وقد صرح جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس، أن برقيات السعودية تميط اللثام عن "نظام دكتاتوري" حسب وصفه لم يحتفل فقط بقطع رأس 100 شخص هذا العام، بل أيضًا أصبح يشكل تهديدًا لنفسه وجيرانه، على حد وصف أسانج، وبحسب أقوال أسانج: "هذه التسريبات تكشف النقاب عن إحدى أكثر الديكتاتوريات الغامضة عبر التاريخ".

ورغم الانتقادات الموجهة للملكة السعودية في ملف حقوق الإنسان، إلا أنها تعد من الحلفاء المقربين من الولايات المتحدة، ومن بين أكبر الدول التي تملك احتياطيًا نفطيًا، ومن أكبر منتجي النفط أيضًا، مما جعل لها تأثيرًا كبيرًا في الساحة الدولية، بحسب وصف الموقع.

وخلال 40 عامًا الماضية تولى الأمير سعود الفيصل وحده إدارة الشؤون الخارجية للمملكة العربية السعودية، ما جعله يحتل الرقم القياسي في تولي منصب وزير الخارجية على مستوى العالم، الأمر الذي انعكس أيضًا على السياسة الخارجية للمملكة السعودية.

وتبين الوثائق أيضًا مدى البيروقراطية والمركزية الشديدة التي كانت تدار بها المملكة العربية السعودية على مدار العقود الماضية خاصة في الشؤون الخارجية، ونشر مثل هذه الوثائق سينقل بعض الأحداث من نظرية الاستنتاجات إلى إعطاء بعض ملامح الحقيقة.