قد يظن البعض أن حوارات المعتدلين العرب والأكراد غير مجدية في ظل سيطرة المتطرفين من كل جانب، لكنها يجب أن تستمر رغم كل ذلك. لا يستطيع السياسيون العرب تقديم أي وعود باستيعاب الأكراد طالما سيطرت الفصائل المسلحة على القرار العربي، وكذلك لن يصدق العرب أي تعهدات من الأكراد بنبذ الفيدرالية طالما سيطرت ميليشيات قوات الحماية الكردية على القرار الكردي. حقيقة لا فكاك منها، هكذا تبدو، لكنها لن تستمر كذلك للأبد. فعلى الجانب الكردي، لن تجدي القوة العسكرية الكردية في حماية مدن كردية متفرقة، ولن تجدي التحالفات الإقليمية والدولية في توفير الشرعية لأي كيان انفصالي، ولن تكفي الموارد المالية الكردية لبناء الإقليم وتمويل سيادته في ظل محيط مضطرب. وعلى الجانب العربي، فمهما طالت سيطرة الميليشيات العربية على المشهد؛ فستلجأ في النهاية إلى السياسة والسياسيين، وعندها سيقوى موقف المعتدلين وتتجدد الحاجة إليهم مرة أخرى. هكذا تشير حركة التاريخ والجغرافيا إلى أنه لا مستقبل للمتطرفين وأن الاستهتار بالسياسيين والحوار معهم حول المستقبل هو قِصَرُ نَظر فادح.

** ** **

تعبر وحدات حماية الشعب الكردية عن وجه التطرف الكردي. لا يعرف على وجه الدقة تاريخ تأسيس هذه الوحدات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لكن من المتوقع أن تكون قد أنشئت في 2004 بعد أحداث القامشلي، وبقيت طي الكتمان حتى تم الإعلان عنها في 2012 بعيد الثورة. لكن، ماذا يعني هذا بالنسبة لمستقبل العلاقة بين العرب والأكراد؟ هناك العديد من القضايا التي يفجرها مجرد وجود وأنشطة هذه الوحدة. أولها تجذر الشعور بعدم الأمان بين الأكراد، وهو ما كان يجب أن تضمنه الدولة السورية ومؤسساتها. يشعر الأكراد بالتهديد من محيط دأب على الكذب والخداع والاستغلال، سواء كان من العرب أم الترك أم الفرس. إنكار هذه الحقيقة غير مفيد، لكن من المسؤول عن الوصول إلى هذا الوضع؟ هل هو النظام البعثي العلوي الأقلوي أم العرب الذين تجرعوا نفس كأس القمع، بل وأكثر. قد لا تفيد التفرقة في الوقت الحالي، وإن كانت مفهومة؛ فكما يقول المصريون “اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”، وإن كان لا بد أن تكون محل نقاش دائم لتسكين الهواجس وتهدئة النفوس بإجراءات ملموسة لبناء الثقة بين الطرفين.

ثاني القضايا وراء الميليشيات الكردية، المقدر عددها بحوالي 30 ألف مقاتل، هو وجود ماكينة عسكرية ضخمة من أجل إدارة معسكرات لضم العناصر الجديدة وتدريبها وتسليحها وتوفير الدعم السياسي المحلي والدولي لها. هذه الماكينة ستكبر وتترسخ حتى تصبح واقعًا يتجاوز حتى فكرة الفيدرالية. فحتى في ظل سيناريو الفيدرالية في إطار وحدة الأراضي السورية لا يفترض أن يكون للإقليم قواته المسلحة ولا سياسته الخارجية المستقلة عن الدولة الأم. قد يكون من المفهوم وجود الميليشيات الكردية للحماية والدفاع عن المدن الكردية في الوقت الحالي، لكنها بلاشك ستشكل تهديدًا لسيادة الدولة ومصدرًا للاضطراب حتى في ظل وضع فيدرالي. للأسف لا يستطيع أحد من السنة تقديم وعود بحماية الأكراد الآن؛ حيث إنه في الأغلب من سيقوم بذلك لن يكون قادرًا على حماية نفسه، لكن يجب التفكر في احتمال أن ُيصعب وجود الميليشيات وسيطرتها على القرار الكردي التفاوض حتى على دولة فيدرالية. أيضًا، فإن التجاوز في التحالفات الدولية الداعمة للكيان الكردي الجديد والذهاب بعيدًا في سياسة خارجية تتناقض مع مصالح سوريا الاستراتيجية وتهدد أمنها من شأنه أن يصب الكثير من الزيت على نيران مضطرمة بالفعل.

 ثالث القضايا هو تمويل الميليشيات، والذي يعتمد على بعض عوائد البترول من حقول استولوا عليها في الشمال، وضرائب وتبرعات من داخل وخارج سوريا. هذا التمويل لن يكون كافيًا لإمدادها بالعتاد اللازم لمقاتلة باقي الفصائل عند سقوط النظام. لن يستطيع الأكراد حشد ما يكفي من مقاتلين ولا تمويلهم لخوض حرب ضد جميع الفصائل، ولن تفيد العلاقات الدولية ولا أي دعم كردي إقليمي في دفع الضرر الجسيم المرجح وقوعه. في مثل هذا الوقت ستنكسر شوكة مسلحي الأكراد وترجح كفة السياسيين المعتدلين، لكن ماذا عن جانب العرب؟

** ** **

هل يظل السوريوون العرب مكتوفي الأيدي أمام تطرف كردي يهجر العرب من قراهم ويحولهم إلى أقلية داخل بلدانهم؟ من غير المتوقع ذلك. إذا استمرت الميليشيات الكردية في فرض أمر واقع في الشمال، استغلالًا لانشغال الفصائل العربية بمقاتلة النظام؛ فذلك لن يستمر لفترة طويلة. فبعد سقوط النظام، من المتوقع أن تنفجر ثلاثة صراعات في الشمال: أوله صراع (كردي-عربي) حينما تتحول المناطق الكردية إلى مرمى لسهام جميع المتطرفين للسيطرة على حقول النفط أولتصحيح أوضاع يرونها مختلة. الصراع الثاني هو (كردي-تركي) عندما تضطرب الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا نتيجة للصراع الدائر؛ وحينها تتدخل تركيا لغير صالح الكرد، كما هو متوقع.

هنا يجد الأكراد أنفسهم بين رحى العرب والترك. لكن هذه ليست سوى البداية، فمن المتوقع أن يقوم العرب والترك بدعم وتسليح فصائل كردية أخرى غير الاتحاد الديمقراطي، وهو ما سيعزز اندلاع فوضى وحرب (كردية-كردية). عزيزي القارئ، ليس بالضرورة أن يحدث هذا كله دفعة واحدة ولا أن يحدث كله بالأساس، لكن دعنا نتفق أن بعضه كفيل بإحالة حلم الانفصال إلى سراب.

انفصال! نعم، هي كما قرأتها، أو هكذا يفسر العرب سلوك الكرد ولا يثقون في نواياهم. فتلك القوة المسلحة المسماة وحدات الحماية هي نواة جيش لن يكون صديقًا ومشروع دولة ستتحقق على حسابهم، هكذا يفكرون. كما من الصعب طمأنة الكرد بنوايا العرب، من الصعب أيضًا إقناع العرب بحسن نوايا الكرد؛ وهو ما يجب أن تستمر الحوارات لأجله.

في النهاية، ستنكسر كل هذه الكيانات المتطرفة على صخور الواقع الحادة، ولن يتبقى للجميع سوى العقل والاعتدال للجوء إليه بدلًا من استدامة العنف والكراهية والدماء والفشل. لن ُينجي الجميع من مثل هكذا مصير سوى انضواء المعتدلين تحت لواء المعارضة غير المشروطة للأسد والانخراط مع المعارضة السياسية العربية المعتدلة؛ وذلك من أجل نزع الشرعية عن أي استهداف للأكراد أو لمكتسباتهم بعد الثورة، فما قد يتراءى للأكراد حلمًا اقترب تحققه؛ لن يكون بدون توافق مع العرب.

نُشر هذا المقال لأول مرة في موقع التقرير