لم ينتظر القصر الملكي طويلًا للتعامل مع "بوادر الثورة" في المغرب، التي اندلعت عبر مسيرات احتجاجية يوم 20 فبراير 2011، إذ أعلن الملك محمد السادس في خطاب 9 مارس عن إصلاحات تنازل فيها عن بعض صلاحياته، وبعد إقرار دستور غرّة يوليو 2011، أعلن عن تنظيم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها أعطت الفوز لحزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي، وأهلته لقيادة البلاد تحت ظل الملك.

وقبل انطلاق حراك فبراير في المغرب، كانت تونس قد نجحت في تحريض الشارع العربي من أجل المناداة بالحق في الإنسانية بعد عقود الامتهان والمذلة؛ بعد نجاحها في خلع رأس النظام وفرض ديمقراطية ناشئة على نظام الدكتاتور ومن والاه، وبين "الاستثناء المغربي" و"الاستثناء التونسي"، كانت الفترة السابقة بمثابة الفرصة السانحة للدارسين والباحثين ليقارنوا على مهل بين مسارات التغيير في كلا البلدين مع تغير السياقات والأدوات.

وفي حين اختارت المغرب تحولًا هادئًا، أدى التغيير في تونس لانفلات شمل مجالات عدة، باعتبار أنه زعزع أركان النظام، وأدى الاحتقان السياسي والاجتماعي لجملة من المشاكل التي انعكست بشكل مباشر على وضعية الاقتصاد.

وأمام الأوضاع الصعبة التي مرت بها تونس، سجلت المملكة المغربية خطوات مُعتبرة في القطاعات التي تعد فيها تونس منافسة لها، على غرار الاستثمارات الأجنبية؛ وفق تقرير صادر عن مؤسسة EMPEA، يحتل المغرب المرتبة الأولى على مستوى جاذبية استثمار الصناديق المالية الكبرى، مستحوذًا وحده على أكثر من نصف ما خصصته الصناديق الاستثمارية لدول شمال أفريقيا، والمتجاوز لسبعة عشر مليار درهم خلال السنوات الخمس الماضية.

وفي السياق ذاته، قال تقرير المؤسسة، وهي منظمة تعنى بمتابعة الاستثمارات الخاصة بالأسواق الناشئة، إن الصناديق المالية الاستثمارية ضخت أكثر من 3 مليار دينار تونسي في دول شمال أفريقيا وذلك خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2014، ويفيد نفس التقرير أن المملكة كان لها نصيب الأسد من هذه الاستثمارات، إذ إنها حصلت وحدها على أكثر من 1.5 مليار دينار من هذه الاستثمارات، بينما تقاسمت دول شمال أفريقيا الحصة المتبقية، وبهذا يكون المغرب قد تفوق لأول مرة على مصر في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية؛ حيث تمكنت مصر من الحصول على 1.28 مليار دينار أما تونس فلم تتحصل سوى على 0.36 مليار دينار، ولاحظت المؤسسة نفسها تراجع الاستثمارات الأجنبية في منطقة شمال أفريقيا منذ سنة 2011.

ويلاحظ من المعطيات الواردة في التقرير أن استثمارات الصناديق المالية في شمال أفريقيا تعرف منحى تنازليًا منذ سنة 2012، إذ انتقلت من 0.67 مليار دينار خلال سنة 2011 إلى 0.45 مليار دينار خلال سنة 2013، لتصل إلى حدود 163.98 مليون دينار في العام 2014، ويفسر هذا التراجع بتحول الصناديق إلى تمويل بلدان أفريقية أخرى، وبيّن التقرير أن الصندوق الاستثماري التونسي كان الأكثر نشاطًا بين جميع الصناديق الاستثمارية في شمال أفريقيا خلال الفترة ما بين 2010 و2014، إذ أنه قام بأكثر من 12 عملية استثمارية خلال هذه الفترة.

ومن جهة أخرى ، كان المغرب أكثر دول شمال أفريقيا جاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث أكد التقرير أن المغرب هو البلد الوحيد في شمال أفريقيا الذي نجح في الحفاظ على نسبة نمو مهمة في مجال الاستثمارات الأجنبية، في الوقت الذي كانت فيه دول المنطقة تعاني من اضطرابات أمنية وسياسية، ويُشار إلى أن آخر المعطيات الصادرة عن مكتب الصرف كشفت أن المغرب قد جذب أكثر من 1.22 مليار دينار حجم استثمارات أجنبية خلال الثلث الأول من العام الجاري.

وتشير تقارير أخرى أن المغرب نجح في ظرف الثلاث سنوات الأخيرة، أن يضاعف من إنتاجه للفوسفات بنسبة 100%، وحققت السياحة تطورًا بمعدل 10% في السنة، كما حولت كثير من رجال الأعمال وجهتهم إلى المغرب الأقصى للاستثمار، بمن فيهم تونسيين، حيث تؤكد التقارير الرسمية المغربية أن مئات من المستثمرين الأجانب ركزوا استثماراتهم بالمغرب بعد أن كانوا يستثمرون أو ينوون الاستثمار بتونس، وأن أكثر من 100 مستثمر تونسي بدأوا أعمالهم بالمغرب الأقصى تم تسجيلهم خلال 2013.

فرغم التراجع الطفيف الذي شهده إنتاج الفوسفات وتصديره بالمغرب خلال سنة 2013، فان هذه المادة شهدت مضاعفة لإنتاجها خلال الخمس سنوات الأخيرة، وقد استطاعت المغرب المحافظة على المرتبة العالمية الأولى من حيث إنتاج وتصدير هذه المادة، وتمكنت من افتتاح أسواق جديدة خلال السنوات الأخيرة مستغلة العراقيل التي واجهها الإنتاج في تونس، جراء التحركات الاجتماعية التي شهدتها مدن الحوض المنجمي، والتي وصل بها الأمر لإيقاف الإنتاج بالكامل هذه السنة قبل أن يُستأنف الإنتاج تدريجيًا، وبعد أن كانت تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث إنتاج هذه المادة وتصديرها؛ تراجعت إلى مراتب متأخرة عن الخمس الأوائل.

وشهدت تونس خلال نفس الفترة تراجعًا ملحوظًا في استقطاب السياح والخدمات السياحية، في حين بلغ عدد السياح الوافدين على المملكة المغربية خلال العام الماضي 11 مليون سائح، حسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة، وتراهن وزارة السياحة في المغرب خلال العام الجاري على تعزيز النمو الملحوظ في أسواقها التقليدية خاصة فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، إيطاليا، والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى استقطاب السياح القادمين من الخليج العربي وأمريكا الشمالية.

هذا وقد تمكنت المغرب من كسب أسواق جديدة كانت قبلة السوق السياحي التونسي، بمن فيهم السياح الجزائريون، فرغم أن الحدود البرية مغلقة، وصل عدد السياح الجزائريين الذين فضلوا الوجهة المغربية على نظيرتها التونسية خلال سنة 2012 إلى 100 ألف سائح، وتتوقع الجهات المغربية أن يتجاوز هذا الرقم المليونين من السياح في حالة فتح الحدود، والغالبية الساحقة من السياح الجزائريين هم من أفراد الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج، الذين يفضلون قضاء جزءًا من عطلتهم في المغرب؛ وخلافًا للطموح التونسي بالعودة للنسق الطبيعي في استجلاب السياح، فإن المغرب تطمح خلال الخمس سنوات القادمة أن يبلغ عدد السياح الوافدين عليها الـ 20 مليونًا.

يبدو أن "االاستثناء المغربي" لم يكن سياسيًا فحسب، بل انعكس على الجانب الاقتصادي؛ لتحقق المغرب، على خلاف دول المنطقة، أرقامًا جيدة على مختلف الأصعدة، لسان حالها يقول: "ثورات قوم عند قوم فوائد".