اضطرتني مشاغل الحياة وضرورة قضاء بعض الحوائج لأن أحزم حقائبي وأشد الرّحال للعاصمة تاركًا مسقط رأسي في الجنوب الغربي للبلاد، مدينة قفصة، وبالنظر لطول المسافة ومشقة السفر في شهر الصيام، نسقت مع صديق العمر حتى أمر به في مدينة سوسة الساحلية وأمضي الليلة عنده، ثم أواصل السفر من سوسة إلى العاصمة من الغد.

لم أجد مكانًا شاغرًا في الحافلة المكيفة؛ فاضطررت لطلب خدمة سيارة الأجرة، وبعد انتظار، اجتمع العدد اللازم من الركاب (ثمانية) وانطلقنا جميعنا نطوي الأرض طيًا تحت رعاية من "أفنتْ قرونًا، وهي في ذاك لم تزل تموت وتحيا كل يوم وتُنشر"، تزيد في وعثاء السفر بكل حزم.

وكما جرت العادة أثناء مسيري هذا من الجنوب إلى الشمال، ألهيت نفسي بقراءة نصوص الطبيعة التي تكشف بسكونها ذاك الخلل الذي كرسته دولة ما بعد الاستقلال التي فضلت أقوامًا على أقوام، فليس المناخ فقط ما يتغير بالانتقال من الجنوب العطشان إلى الشمال الأقل عطشًا، بل البؤس أيضًا والفرح.

وبعد مرور ما يزيد عن الثلاث ساعات، وصلت سيارتنا إلى جوهرة الساحل سوسة، فنزلت من السيارة وجلست في المحيط الخارجي لمحطة سيارات الأجرة منتظرًا صديقي ليُقلّني.

ولأنها ليست زيارتي الأولى لهذه المدينة التي طالما قلت إنه يطيب فيها العيش، لم يكن لتعسُر عليّ المقارنة بين سوسة ما قبل الهجوم الإرهابي الذي هز أركانها وسوسة ما بعده، ذاك الهجوم الذي أردى فيه شاب متدعشن 39 قتيلاً أغلبهم من السياح حالمًا بحور عين وجنات خلد مهرها ما ملكت يمينه من الدماء والأشلاء، وفق الإسلام الذي لم يجده في دولة الاستبداد التي وُلد فيها (دولة المخلوع بن علي) فانبرى عنه باحثًا في شبكات التواصل الاجتماعي إلى أن تلقفته أيادي الغدر المُجنّدة فبرمجته وخدّرته وقتلته بعد أن قتلت به بسمة سوسة.

ما إن تتأمل في الوجوه العابسة حتى تفهم أن المدينة ضُربت في مقتل، كيف لا وعدد من يشتغلون في القطاع السياحي بشكل مباشر في تونس بحسب الأرقام الرسمية يتجاوز 400 ألف، ومثل هذا العدد ممن ترتبط مهنهم بهذا القطاع خاصة وأن هذا الموسم كان مُبشرًا بكل خير.

في غمرة ذاك السفر بين تقاسيم وجوه الناس، أتى صديقي وأقلني لمنزله الذي يبعد بضعة أمتار عن النزل الذي استهدف فيه الإرهابي نزلائه، وما إن دخلنا لنطقة القنطاوي السياحية حتى هالني ما وجدت: تحولت هذه المنطقة الصاخبة المليئة بالحياة والمكتظة دائمًا خلال هذه الفترة من السنة إلى مدينة أشباح غاب عنها الشقراوات، حتى الشاطئ الجميل خلا إلا من بعض التونسيين الذين لم يعودوا يلقون بالاً لما يحدث.

في المساء، تجولت في المدينة واستعنت بسيارات النقل الجماعي وسيارات الأجرة لتنقلني من مكان إلى آخر، منشط مريم إلى القنطاوي، ومن القنطاوي إلى باب بحر ومن باب بحر إلى حمام سوسة (مناطق وأحياء مختلفة في محافظة سوسة)، وأثناء تجاذبي الحديث مع العم محمد، ساق التاكسي، أكد لي أن الحادثة الإرهابية لم تؤثر على القطاع السياحي فقط، بل عكرت المزاج الشعبي العام برمته، حسب شهادته.

أحد التجار الذين التقيتهم بالسوق قال لي بأن ما حصل أضر بالكثير من المهنيين، فكم من صاحب متجر كان يمني النفس بحركية كبيرة مع حلول السواح الذين يقبلون بكثافة على كل ما له علاقة بالمنتجات التقليدية التونسية، فأثث متجره بسلع لن يتمكن من بيعها مع المغادرة المنظمة لعملائه المُنتظرين.

سوسة التي كانت منارة السياحة في تونس أطفأ شمعتها أحد المخبولين، ورغم ما قيل عن أنه تجنب إطلاق الرصاص على غير السواح، إلا أنه أضر التونسيين من نواحي أخرى: ضرب الاقتصاد والأمل لدى كثيرين، ورغم الوجع الذي سببته الحادثة، ورغم الحزن البادي حتى على الجدران، ستحارب سوسة والتونسيون ثقافة الموت بثقافة الحياة، فرغم كل شيء تمتاز تونس بأنها لا تحتوي حاضنة للإرهاب وأن الشعب كله مستعد لأن يحمل السلاح ويذود عن أرضه.

وخلال مغادرتي لسوسة متجهًا نحو العاصمة، أمضيت زمن السفرة مطالعًا تغريدات على تويتر حول الهجوم وتداعياته عبر وسم  #SousseAttack