لطالما تحدث المسؤولون في واشنطن وأنقرة عن خلافات كبيرة بين البلدين في الملف السوري، لا سيما مع صعود داعش، واتجاه الأولويات الأمريكية ناحية دعم الاتحاد الديمقراطي الكردي وثيق الصلة بحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا لاحتواء داعش، في مقابل حياد تركي بين داعش والأكراد على أقل تقدير يفي بمصالح أنقرة كما ارتأت القيادة التركية حتى وقت قريب، والتي ترى في صعود الاتحاد الكردي ضربة كبيرة لتصورها عن السلام مع الأكراد وعلاقاتها بحكومة كردستان العراق، والتي تمتلك هي الأخرى الكثير من الخلافات مع الاتحاد الكردي.

على مدار الشهور الأخيرة، كانت المفاوضات جارية بين واشنطن وأنقرة للسماح للطائرات الأمريكية باستخدام القواعد الجوية التركية في إطار جهود التحالف لضرب داعش، وهو التحالف الذي تحفظت تركيا على أهدافه منذ الإعلان عنه ولم تدخل فيه نظرًا لاختلاف أولوياتها على الأرض، والتي تهتم بالأساس باحتواء الأكراد، ثم دعم الثوار على الأرض ضد نظام الأسد، وهي المطالب التي رأت تركيا أن تحقيقها يتطلب منطقة حظر جوي في شمال سوريا تعيق النظام عن تفوقه باستخدام القوات السورية، وتضع حدًا في نفس الوقت لطموحات الأكراد، وهو المطلب الذي ظلت واشنطن ترفضه.

بيد أن العملية التي تبنتها داعش في مدينة سوروج التركية منذ أيام بالقرب من الحدود السورية وأدت لمقتل 32 شخصًا، قد قلبت من الحسابات الاستراتيجية في أنقرة، وأحدثت تقاربًا جديدًا بين البلدين، وهو تقارب لا يبدو معه أن أولويات الطرفين قد تغيرت، ولكن أن حاسابتهما لتحقيق تلك الأولويات قد تبدلت بشكل أتاح وجود أرضية مشتركة للتعاون بينهما عسكريًا، وهو ما أفضى إلى اتفاق جديد وضع الرئيسان التركي والأمريكي معالمه في محادثة هاتفية الأربعاء الماضي، كما تقول المصادر.

الاتفاق التركي الأمريكي

سيتيح الاتفاق الجديد للطائرات الأمريكية التي تقصف داعش منذ أشهر استخدام قاعدة إنجيرلك التركية القريبة من شمال سوريا والتي تبعد حوالي 400 كيلومتر فقط عن الرقة، وبالتالي ستوفر الكثير على الطائرات الأمريكية التي تعتمد حاليًا على قواعد في الخليج وشمال العراق وتتكبد تكاليفًا كبيرة، أضف لذلك أن قربها من العمليات سيعطيها مرونة تكتيكية أكبر في التحرك ضد داعش.

علاوة على ذلك، تشير المصادر إلى أن الاتفاق يشمل استخدام قواعد تركية أخرى في حالات الطوارئ، وهي القواعد الموجودة في مدن ملاطية وديار بكر وباطمن، كما يتيح لها بشكل عام التحرك في المجال الجوي التركي واستخدامه لإطلاق طائرات تجسس وطائرات بدون طيار، وهي مطالب شديدة الأهمية لواشنطن لتعزيز جهودها الأرض، وقابلتها مطالب حيوية من الجانب التركي وافق عليها الأمريكيون وإن اختلفت الصياغات.

المطلب الرئيسي الذي وافقت عليه واشنطن هو خلف منطقة عازلة في شمال سوريا، وهي منطقة ستكون فعليًا منطقة حظر جوي وإن رفضت واشنطن تسميتها كذلك بشكل رسمي بل وأنكرت أن تكون منطقة حظر جوي، بيد أنها ستتيح للقوات التركية نفوذًا أكبر في التحكم بالقوى الموجودة على الأرض، وإتاحة الفرصة بالطبع للقوى الموالية لها مثل المعارضة السورية بالتواجد على حساب الأكراد، وربما تشكيل نقطة انطلاق لتلك المجموعات ضد النظام السوري وداعش في المستقبل.

النقاط الحمراء: القواعد المستخدمة حاليًا من الجانب الأمريكي، النقاط الزرقاء: القواعد التركية التي سيُتاح لها استخدامها، المناطق الخضراء: تحت سيطرة داعش، المربع الأحمر: المنطقة العازلة

طبقًا لصحيفة حريّت التركية، تمتد تلك المنطقة بطول 90 كيلومتر من منطقة ماري إلى جرابلس، وستكون بعُمق 40 إلى 50 كيلومتر، ويمكن أن تتوسع أكثر من ذلك في المستقبل طبقًا للمصادر المسؤولة في تركيا والتي لم تفصح عن هويتها للصحيفة، وقالت أن الاسم الذي اتفقت عليه أنقرة مع واشنطن هو المنطقة “الخالية من داعش،” بدلًا من المنطقة الآمنة أو العازلة، لكيلا ترسل واشنطن رسالة سلبية لروسيا وإيران داعمي نظام الأسد، والتركيز على الهدف الرئيسي وهو احتواء داعش فقط، وهو ما رأت تركيا أنه يحقق أهدافها فعليًا طالما ستُمنَع طائرات الأسد من استخدام تلك المنطقة.

من ناحيتها، وبينما يتراجع هدف إسقاط الأسد لصالح تحجيم الأكراد، تعمل تركيا بدأب الآن على الأرض لوضع داعش وحزب العمال الكردستاني في سلة واحدة في إطار “مكافحة الإرهاب،” وهو جهد بالطبع سيصب في احتواء الأكراد نظرًا للقواعد المشتركة التي يعتمد عليها حزب العمال في تركيا والاتحاد الكردي في شمال سوريا، وهي جهود قالت مصادر عدة أن واشنطن أبدت استعدادها لغض الطرف عنها، لا سيما وأن التنازل عن الدور الكردي على الأرض في مواجهة داعش ستعوّضه المشاركة التركية، واستخدام مجالها الجوي وقواعدها.

لماذا قد يتنازل الأمريكيون عن الاعتماد على الأكراد ذوي الدور المحوري في استرجاع كوباني واحتواء داعش؟ ذلك لأنه على المدى البعيد، ستكون المشاركة التركية والقدرة على استخدام البنية التحتية العسكرية في تركيا أكثر أهمية، كما أن الاعتماد على قوة عسكرية وسياسية، مثل حزب الاتحاد الكردي، تعتمد على نقاط ارتكاز ديمغرافي كردي ولا يمكنها أن تتوسع خارجها سيجعلها في المستقبل غير قادرة على مواجهة داعش بشكل واسع، على العكس من الوصول لتنسيق مع تركيا، وهو التنسيق الذي سيتضمن بالتأكيد دعم قوى المعارضة على الأرض، والتي تمتلك نظريًا القدرة على لعب دور أوسع من الأكراد.

بالفعل، وطبقًا للمصادر التركية، تتضمن الخطة إطارًا عامًا لمركزة قوات تابعة للجيش الحر مستقبلًا في تلك المنطقة، وهو ما سيمنع التمدد الكردي الجاري حاليًا، كما سيتيح لتركيا خلال سنوات قليلة أن تعيد اللاجئين السوريين الذين قاربوا على المليونَين إلى الأراضي السورية نظرًا للعبء الذي تمثله عليها، وهو ما يعني بالتبعية أن تكون تركيا صاحبة دور أساسي في إعادة تنمية تلك المنطقة لتجذب اللاجئين إليها، لتعزز من نفوذها مستقبلًا بشكل عام في شمال سوريا، أضف لذلك أن إعادة وضع اللاجئين في ذلك الشريط الحدودي يقلل من التأثير الكردي نظرًا للتغييرات الديمغرافية التي سيحدثها، وسيكون بمثابة “شريط آمن” ديمغرافي واقتصادي للنفوذ التركي في الشام بشكل عام.

الملف الكردي: بين أنقرة وأربيل ودياربكر

بالتزامن مع تلك التحركات العسكرية، شنت السلطات التركية في الداخل حملة اعتقالات طالت أكثر من 300 شخص بزعم أنهم مناصرون للإرهاب، إما في شكل تنظيم داعش أو حزب العمال الكردستاني، وهو ما يؤكد المحاولات التركية الجارية لضرب عصفورين بحجر، ويرسل رسالة واضحة بأن تركيا لن تشارك في ضرب داعش دون تقليم أظافر حزب العمال الذي زاد نفوذه مؤخرًا، لا سيما مع تحقيق جناحه السياسي في تركيا، حزب الشعوب الديمقراطي، لفوز كبير في الانتخابات البرلمانية الماضية بشكل عقّد تمامًا من حسابات عملية السلام الجارية، والتي كانت تتم بالأساس بين أنقرة وأربيل.

تباعًا، انتقد حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في تركيا الخطوات الأخيرة، وقال بأنها لا تعدو محاولات لكسر المعارضة الكردية في سوريا، وحذر من أن ما تقوم به الحكومة التركية سيقوّض من محادثات السلام الجارية مع حزب العمال، وهو رد متوقع بالطبع، وما إن كان الحزب سيتمكن من إعاقة محادثات السلام وهز شرعية الحكومة التركية في المناطق الكردية هو أمر ستكشف عنه الأسابيع المقبلة، لا سيما وأن المشاركة في ضرب داعش بشكل رسمي هي محاولة من جانب أنقرة لكسب الشرعية التي فقدتها بين الأكراد برفضها دعم أكراد سوريا في كوباني.

على صعيد آخر، سيكون لحكومة كردستان العراق بالتأكيد تأثير على سير هذا الملف، لا سيما وأن الضربات الجوية التركية طالت مواقع حزب العمال في شمال العراق بالأمس، وإن كانت الحكومة هناك قد اقتربت من حزب العمال نتيجة الهدف المشترك في تحجيم داعش، فإن الحسابات الكردستانية في شمال العراق، مثل نظيرتها الأمريكية، قد تتخلى عن حزب العمال إذا ما كان البديل هو دخول تركيا بشكل عسكري ضد داعش، خاصة وأن حزب العمال غريم تقليدي لسلطان البرزاني في شمال العراق.

حتى الآن لم تصدر أربيل أي تصريحات رسمية بشأن الاتفاق التركي الأمريكي الجديد، وضربات تركيا الجوية ضد داعش وحزب العمال، إلا أنها على ما يبدو ستميل لكفة الاتفاق الأمريكي التركي، كما تشي بذلك تصريحات المتحدث باسم حكومة كردستان الإقليمية في أربيل، والذي لام رئيس الاتحاد الكردي صالح مسلم على تصريحاته بأن الأسلحة التي قدمتها أربيل لأكراد سوريا كانت عن طريق الاتحاد الوطني الكردستاني فقط الذي يرأسه طالباني، وهو ملف قديم بالطبع يعني فتحه أن أربيل تحاول البحث عن مسألة تخلق بها مسافة بينها وبين الاتحاد الكردي.

بالتزامن مع تلك التصريحات، كان وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر يحط رحاله في أربيل للتفاوض بشأن العمليات العسكرية الجارية مع حكومة كردستان، وهي محادثات ستتضمن البحث في ماهية التنسيق بين الطرفين في إطار الاتفاق التركي الأمريكي الجديد، وحضرتها كما هو متوقع القيادات العسكرية الكبرى في البشمركة الكردية.