على مدار الأسابيع الماضية، انصب الحديث في الساحة السياسية في تركيا عن احتمالية التوجه ناحية الانتخابات البرلمانية المبكرة نظرًا لفشل الأحزاب في الاتفاق على حكومة ائتلافية، وكانت المفاوضات الوحيدة المستمرة هي بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري العلماني، بعد أن رفض حزب الحركة القومية الدخول في أي تشكيل حكومي، في حين ظل حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بعيدًا عن حسابات الحكومة نظرًا لمواقفه.

بيد أن تلك التوقعات قد تغيّرت على ما يبدو نتيجة التحول في موقف الحكومة التركية من الملف السوري، والذي أدى لتقاربها مع الولايات المتحدة منذ أيام وبدء المساهمة في الضربات الجوية الجارية ضد مراكز داعش في سوريا، في مقابل موافقة واشنطن على خلق منطقة عازلة تسمى رسميًا بالمنطقة الخالية من داعش تُمنَع فيها طيارات نظام الأسد من الطيران، وتمنع في نفس الوقت التمدد الجاري من جانب حزب الاتحاد الكردي في شمال سوريا، وهو الحزب وثيق الصلة بحزب العمال الكردستاني الذي تعده تركيا إرهابيًا.

كانت حسابات حزب الشعب الجمهوري في الحقيقة تميل منذ وقت طويل للائتلاف مع العدالة والتنمية، نظرًا لعلمه التام بأن أي انتخابات مبكرة لن تكون في صالحه، وستزيد على الأرجح من هبوط أصواته مقابل صعود حزب الحركة القومية من ناحية، والذي بدأ يجذب الكثير من القوميين الأتراك المتحفظين على ما يجري بالملف الكردي، وكذلك لصالح حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي بدأ يجذب الآلاف من اليساريين الأتراك ممن يرون أن حزب الشعب لم يعد قادرًا على مواكبة المشهد اليساري والشبابي في تركيا.

لماذا لم يتم تشكيل حكومة إذن؟ أولًا لأن بعض الأصوات داخل العدالة والتنمية كانت ترغب بإجراء انتخابات مبكرة لعل وعسى يعود الحزب بالأغلبية البرلمانية بعد أن رأى الأتراك احتمالية عدم الاستقرار الذي قد ينشأ بتراجع الحزب، وثانيًا لأن بعض الأصوات داخل حزب الشعب نفسه رأت أن الحزب سيخسر كثيرًا حال دخل في ائتلاف مع العدالة والتنمية بعد سنوات من معارضته والاقتراب من النشطاء الجدد المعارضين له.

تحوّلت تلك الحسابات بالطبع بعد قرار تركيا الدخول جويًا إلى سوريا لضرب معاقل داعش، ومعاقل حزب العمال الكردستاني أيضًا، حيث أصبح جليًا لحزب الشعب الجمهوري أنه قد يعزز من شعبيته إذا ما دخل تلك الحكومة، ووضع اسمه في سياق الحرب على داعش من ناحية، والتي ستعزز من موقفه الأصلي الذي انتقد سياسات تركيا في الماضي المهادنة لداعش، كما قد تعزز من رصيده لدى القوميين نظرًا لتركيز الضربات على حزب العمال وليس داعش فقط.

بالفعل، تتحدث الصحف التركية عن ميل أكبر ناحية تشكيل ائتلاف بين الحزبين، حيث التقى بالأمس خلوق كوتش العضو بحزب الشعب مع عمر تشليك من حزب العدالة، وسيلتقيان تقريبًا يوميًا حتى نهاية الأسبوع لمناقشة كافة النقاط العالقة قبل تشكيل حكومة، وهو السيناريو المرجح حاليًا وإن لم يكن مؤكدًا، والذي يتوقع أن يتم إعلانه في الثالث من أغسطس حال إتمامه، وقد نشرت صحيفة حريت التركية بالأمس، والقريبة من حزب الشعب، النقاط التي تجري بشأنها المفاوضات حاليًا.

الطريق إلى 3 أغسطس

أول تلك النقاط هي مسألة الدستور الجديد، والذي سيُتاح للحزبين باعتبارهما الأول والثاني في الانتخابات تمريره إذا اتفقا عليه، وهي مسألة هامة كما يشي بذلك وجود عثمان جان، خبير القانون الدستوري، في لجنة المفاوضات بين الحزبين، والخلافات الرئيسية بينهما ستكون بالأساس حول وجود مبدأ العلمانية من عدمه في الدستور، وحدود سلطات الرئيس والتي قد يحاول العدالة والتنمية توسيعها حتى ولو أبقى على النظام البرلماني الذي سيستمر في أغلب الأحوال وربما تكون هناك خلافات حول دور الهوية التركية في تعريف المواطن التركي بالدستور.

المسألة الثانية بالطبع ستكون عملية السلام الأكراد، والتي لا يختلف الحزبان على الأطر العامة لها، بيد أن حزب الشعب يرى أن هناك الكثير من المشاكل في الآليات التي يستخدمها حزب العدالة لتناول الملف الكردي، لا سيما الخطوات غير الرسمية أو التي تتم خارج إطار الحكومة والبرلمان، كالدور الذي يلعبه الرئيس أردوغان مثلًا بعلاقته الشخصية الوطيدة مع البرزاني، إذ يرى الحزب أن البرلمان يجب أن يكون المسؤول الأول عن هذا الملف.

على الطاولة أيضًا ملف القضاء واستقلاله، بعد أن تعرضت صورة لاهتزازات كثيرة نتيجة تدخل الحزب فيه لكبح نفوذ جماعة كولن المتنامي داخله، حيث يرى حزب الشعب أن القضاء قد فقد استقلاليته في خضم هذا التناحر السياسي، وبالتالي يحتاج إلى إعادة هيكلته، ورُغم التخوّف من مساعي إعادة نفوذ العلمانيين فيه، إلا أن الحزبين متفقان حتى الآن على إعادة هيكلة المجلس الأعلى للقضاه والنواب، وهي نقطة انطلاق جيدة لتشكيل سياسة مشتركة بينهما في هذا الصدد، لا سيما وأن حزب العدالة لا يزال يتحدث عن تطهير القضاء من أنصار كولن، مما يجعل مساعي إعادة الهيكلة مفيدة له أيضًا ولو لحين.

الخلاف الكبير بالطبع سيكون في ملف الاقتصاد، حيث يميل حزب الشعب إلى مواقف يسارية بعض الشيء، وكان قد تعهد بزيادة الحد الأدنى للأجور وإعفاء الفلاحين من دفع ضرائب استخدام الغاز، وتقديم منحة تساوى مرتب شهرين لأي شخص يتقاعد، وهي مطالب رأي حزب العدالة والتنمية أنها غير منطقية ومستحيلة، وأن العلمانيين استخدموها فقط لحشد الأصوات، كما سيكون ملف النمو السريع في السوق العقارية على حساب الاهتمام بالبيئة، خاصة في إسطنبول، على الطاولة، لا سيما ما يخص قصر أق سراي الرئاسي الجديد.

أيضًا، سيحاول حزب الشعب تمرير نطقة أساسية وهي إعادة فتح ملفات الوزراء الأربعة الذين أدينوا في قضايا فساد داخل البرلمان، ورُغم أن موقف الحزب حتى الآن هو رفض خطوة كتلك وإغلاق المسألة، فإن داوود أوغلو قد لا يجد غضاضة في الحقيقة في تمرير المطلب بالنظر لجهود بعض الأجنحة داخل الحزب في تحسين صورته، وربما تقليص نفوذ معسكر أردوغان الذي يدافع باستماتة حتى الآن عن عدم فتح الملفات من جديد. 

أخيرًا، تأتي نقطة الخلاف الرئيسية بين الحزبين فيما يخص السياسة الخارجية، حيث يتفق الحزبان فقط فيما يخص ملف قبرص والانضمام للاتحاد الأوروبي، في حين تمثل سياسات تركيا في السنوات الأخيرة بالشرق الأوسط مشكلة كبيرة لحزب الشعب، والذي يرى ترجيح البراغماتية في التعامل مع النظام المصري الجديد، وتخفيف حدة العداوة مع نظام الأسد مقابل إعطاء أولوية لاحتواء داعش، علاوة على التحفظ على دعم بعض الفصائل السورية مثل جبهة النصرة.

ما إذا كان الحزبان سيتوصلان إلى حل وسط وتشكيل حكومة ائتلافية أم لا، هو أمر سنعرفه في الثالث من أغسطس المقبل، الموعد الذي أعلن عنه الحزبان كنهاية للمفاوضات الجارية حاليًا، ونجاح المفاوضات سيكون إيذانًا بالطبع التغيير طبيعة الدستور الجديد الذي أعلن عنه العدالة والتنمية قبل الانتخابات، وربما التعامل بشكل أهدأ مع النظامين المصري والسوري، حتى يحين موعد الانتخابات المقبلة والتي إما ستُجرى في موعدها عام 2019، أو على الأرجح، كما يقول التاريخ السياسي لتركيا، حين يسقط الائتلاف.