أبرمت السودان عقدًا ضخمًا مع شركة "سيبيريا للتعدين" الروسية المتخصصة في استخراج الذهب وذلك لمباشرة أعمال التنقيب عن الذهب في ولايتين سودانيتين هما (البحر الأحمر، نهر النيل)، وصف ذلك الاتفاق بأنه "أكبر" عقد استثماري في تاريخ السودان كله في مجال التعدين والطاقة.

العقد الذي تم توقيعه مع وزارة المعادن السودانية بحضور الرئيس السوداني عمر البشير في قصر الرئاسة يقضي باستخراج احتياطيات ذهب تُقدر بنحو 50 ألف طن بقيمة ترليون و 702 مليار دولار، ومن المقرر البداية في هذا المشروع الاستخراجي بإنتاج قرابة 8 أطنان ذهب خلال الأشهر الستة المقبلة، وهو ما قدرت قيمته السوقية بنحو 248 مليار دولار.

وزير المعادن السوداني أحمد محمد صادق الكاروري أكد أن الشركة الروسية ستحاول في العام الأول إنتاج قرابة 33 طنًا، يرتفع هذا الإنتاج تدريجيًا ليصل إلى 50 طنًا في الأعوام القادمة. اتفق الطرفان أن نصيب الحكومة السودانية في الاتفاق وصل إلى 75% من الاستخراج، بينما نصيب الشركة الروسية سيكون 25%.

الشركة الروسية التي حظت بهذه الصفقة تعتزم العمل في أكثر من منطقة، بالإضافة إلى أنها ستقوم بإنشاء أكبر مصنع بولاية نهر النيل بتكلفة تبلغ 241 مليون يورو، وذلك ليعمل على استخلاص المادة الخام للذهب بطاقة انتاجية كبيرة من هذا الخام، هذا المصنع يُعد الأحدث في القارة الأفريقية لأنه لن يستخدم عنصر الزئبق خلال أعمال الاستخلاص، نظرًا لتأثير الزئبق السلبي على خام الذهب.

حددت الشركة تسعة مربعات للعمل التنقيبي ليست فقط على الذهب ولكن على المعادن الأخرى لكن بخلاف الولايتين المذكورتين في بداية العقد فإن تقديرات الشركة لاحتياطات السودان من المعدن النفيس بشكل أوسع تصل إلى ثمانية آلاف طن. من ناحيته، أكد مدير شركة سيبيريا فلاديمير جوكف، أنهم أجروا دراسة حول أماكن وجود الذهب في القارة الأفريقية، وعثرت دراساتهم على نقطة مهمة موجودة في السودان.

يُعد قطاع المعادن في السودان من أهم القطاعات التي تدعم الاقتصاد السوداني مؤخرًا خاصة معدن الذهب الذي تستغله حكومة الخرطوم في دعم اقتصاد السودان المتعثر بعد فقد ثلاثة أرباع إنتاج البلاد من النفط بعد انفصال جنوب السودان في صيف العام 2011، وكذلك تعويضًا عن خسائر الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد.

فقد أكدت وزارة المعادن قبل ثلاثة أشهر أن السودان يتطلع إلى أن يكون أكبر دولة منتجة للذهب في قارة أفريقيا، أي أن السودان تنتوي أن تتخطى إنتاج دولتي جنوب أفريقيا وغانا وهما أكبر منتجين للذهب في القارة السمراء.

الإنتاج السوداني من الذهب ينمو بسرعة هائلة فقد تزايد إنتاج السودان من الذهب حتى وصل إلى الضعف في العام الماضي، حيث حققت عائدات من الذهب وصلت قيمتها ثلاثة مليارات دولار، بالإضافة إلى الذهب الذي دخل خزينة الدولة كقيمة إضافية.

الشركات العاملة في مجال المعادن بالسودان قفز عددها إلى 120 شركة تنقب في عدد من المعادن منها الشركات الوطنية وأخرى متعددة الجنسيات، عقب الاهتمام الحكومي بهذا القطاع بعد خسارة مورد هام كالبترول بعد انفصال الجنوب، ورغم هذا العدد الكبير من الشركات فإن عدد الشركات التي وصلت مرحلة الانتاج لا يتجاوز عددها عشر شركات باحتياطات وصلت إلى 944 طن من الذهب، ولا يزال الجزء الأكبر من هذه الشركات في مرحلة الاستكشاف نظرًا لعلمهم بالثروة الذهبية الموجودة في البلاد.

الولايات المتحدة فطنت لهذه الثروة مؤخرًا فهي تمثل عائق كبير أمام ازدهارها بسبب فرضها حظرًا تجاريًا على البلاد منذ العام 1997، وهو الأمر الذي يحول دون استثمار معظم الشركات الغربية في السودان، بينما تتواجد بكثافة الشركات الصينية والروسية وهو ما أصاب مجال التعدين بالاختناق بسبب عدم تمكن السودانيين من استيراد المعدات اللازمة لتطوير هذا القطاع بشكل أكثر جدية، ولكن بعد هذه الاكتشافات الضخمة التي لفتت أنظار الغرب إلى السودان أكد القائم بالأعمال الأمريكي في السودان أن العلاقات بين البلدين في مجال التعدين يجب أن تتطور.

وكانت وزارة المعادن السودانية،قد وقعت أيضًا في شهر مايو الماضي، اتفاقيتين مع مجموعة شركات ألمانية، لاستيراد آليات ومعدات للتنقيب واستخلاص الذهب من دون استخدام الزئبق وتحقيق نسبة استخلاص عالية، بجانب تأهيل الكوادر السودانية البشرية.

فالبنظر إلى قطاع المعادن في السودان تجد أن تقرير المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين، يؤكد وجود احتياطي ضخم من الذهب والكروم والمنجنيز، في السودان، بالإضافة إلى توفر كميات من المعادن المتنوعة في السودان، وهو ما جعل المنظمة تصف قطاع التعدين بأن له مستقبل واعد في اقتصاد السودان.

فقد قُدر احتياطي الكروم في السودان بحوالي 700 ألف طن، وكذلك المنجنيز بأكثر من 100 ألف طن، الاسبستوس نحو 53 مليون طن، التلك أكثر من 25 مليون طن، الجبس أكثر من 150 مليون طن، الكاولين أكثر من 1.2 مليون طن ،الماغنزايت أكثر من 15 مليون طن، فالقطاع بشقيه الاثنين الاستخراجي والتحويلي بلغ في عام 2012 نسبة 14بالمائة من الانتاج المحلي الاجمالي.

أما الذهب بالتحديد فله قطاع أهلي للتعدين بعيدًا عن الشركات تسمح به الحكومة السودانية، فقد بلغ عدد مناطق التعدين الأهلى أكثر من 800 موقع في غالبية ولايات السودان الشمالية والغربية، ولكن مع عدم ضبطه يذهب غالبية قيمة الإنتاج إلى المنقبين الأهليين، كما أن أغلب انتاج هذا القطاع يتم تهريبه عبر الحدود المفتوحة مع دول الجوار، وهو ما جعل الحكومة تتخلى إلى حد ما عن هذا التعدين التقليدي وتلجأ للتعاقد مع الشركات لضبط الأمر.

مع ازدهار قطاع استخراج الذهب افتتحت السودان في سبتمبرمن العام 2012 أول مصفاة لإنتاج واستخلاص الذهب في الخرطوم. وتنتج هذه المصفاة حوالى 300 كيلوجرام من الذهب والفضة كل 8 ساعات.

يرى اقتصاديون أن النظام السوداني الآن يحاول جعل الذهب قاطرة رافعة للاقتصاد الذي يُعاني بشكل كبير من ويلات الانفصال، الذي أدى إلى انخفاض إيرادات الموازنة العامة بما يُعادل نسبة الجنوب في الإيرادات النفطية بنسبة تصل إلى 50% حيث توجد معظم حقول النفط السوداني في الجنوب، كذلك انخفض الاحتياطي النقدي لدى حكومة الشمال بعد الانفصال، وبانفصال الجنوب فقد السودان مساحة مقدرة من الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية والغابات، كما فقد الشمال أعدادًا من الثروة الحيوانية.

وبذلك ذهبت كثير من المكاسب الاقتصادية التي كانت قد تحققت خلال العقدين الماضيين وقادت إلى وضعية الاستقرار النسبي قبل الانفصال. فالاقتصاد السوداني عاد خطوات كبيرة إلى الوراء تحت تأثير صدمة الانفصال، ويحاول النظام الآن إنعاشه عن طريق اعتماده على الموارد التعدينية التي بدأ الاهتمام بها كنتيجة لفقدان مورد البترول.

وفي هذا الاتفاق الأخير أيضًا مع الشريك الروسي تطرقت السودان إلى وضع الخطط الاستثمارية المتعلقة باستخراج "اليورانيوم المشع" ، حيث ستعمل الشركة الروسية بالتعاون مع هيئة الأبحاث الجيولوجية بالسودان للقيام بمهمة استخراج كميات من اليورانيوم المشع التي تقول الهيئة السودانية أن بلادها اكتشفت كميات منه، في حين أقبل الروس على مثل هذا الأمر بصفة أن "اليورانيوم" بات مطلبًا عالميًا الآن، وهو ما يوضح اتجاه النظام السوداني للاستثمار في مجال المعادن بشكل أوسع الفترة المقبلة.