أسبوع مر على إعلان زعيم جبهة العدالة والتنمية الجزائرية، الشخ عبد الله جاب الله، عن مبادرته التي أسماها "مبادرة التعاون: لمّ شمل أبناء المشروع الإسلامي" ، إعلان اتم من خلال مُؤتمر انعقد في الجزائر العاصمة. وقد شارك في مُؤتمر الإعلان شخصيات سياسية نشطة في التيار الإسلامي، من بينها شخصيات كانت تنشط مع جاب الله في أحزاب سابقة أسسها في التسعينات.

وعند الرجوع بالتاريخ إلى الوراء، تسهُل مُلاحظة التشتت كسمة طالما ارتبطت بالحركات الإسلامية في الجزائر، فبالإضافة إلى اختلاف الرؤى السياسية التي رافقت العشرية السياسية خصوصا فيما يتعلق بالموقف من النظام والسلطة، كان صراع الزعامة حاضرا بقوة في مختلف المفاصل التاريخية؛ في التسعينات من القرن الماضي، أسست رابطة "الدعوة الإسلامية، بقيادة الشيخ أحمد سحنون، وضمت كافة القوى والتنظيمات والأحزاب الإسلامية التي كانت تنشط حينها، بما فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجمعية الإرشاد والإصلاح، وحركة النهضة وتنظيمات أخرى، لكن الرابطة فشلت بعد أن أصرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على التفرد بالساحة.

فحوى المبادرة

وفي كلمته التي ألقاها في افتتاح المُؤتمر، أكد جاب الله في كلمة له أمام المشاركين في هذا اللقاء أن تدخله سيكون بصفته الشخصية بعيدا عن صفته الحزبية وأن مساعي إطلاق هذه المبادرة هي لأفراد وليس لتنظيمات أو أحزاب سياسية، مقرا في ذات الوقت أن مساعي التنظيمات والأحزاب في مثل هذه المبادرات عرفت الفشل.

ووصّف جاب الله المبادرة بأنها جاءت إمتدادا للمبادرات المماثلة التي عرفتها الجزائر منذ السبعينات من القرن الماضي ولم تكلل بالنجاح، مؤكّدا أنها لم تأت كمسعى لتحقيق الزعامة وأنها ليست دعوة حزبية بل هي دعوة مجردة من كل هذه الاعتبارات وتسعى للتحسيس من أجل التعاون في تشخيص الواقع وخدمة المستقبل.

وأضاف جاب الله أن خدمة مستقبل الوطن والأمة لا يمكن تحقيقه إلا بفضل إرساء حوار في المسائل الفكرية والتصورية حول معالم الحركة بالإضافة إلى التفكير في الشكل التنظيمي لتمكين التيار الإسلامي هذه المرة من أن يجد لنفسه أمثل الصيغ الهيكلية والتنظيمية لخدمة الأهداف المراد الوصول لها.

وتوافق أصحاب مبادرة " لمّ الشمل" على ضرورة التفتح على كل العاملين في الحقل الإسلامي والسهر على التواصل معهم للانخراط جماعيا في هذا الحوار والتشاور وعلى "التسامح والتراحم والتغافر والتواد والتعاون على البر والتقوى" مع الابتعاد عن التجريح والتخصيص والنبش في الماضي والنظر إلى ما حصل من اختلاف في الرأي على أنه اختلاف تنوع وتخصص يفضي إلى ثراء الفكر واِغناء ساحة العمل والنضال ونبذ الفرقة والاختلاف وإيثار الوحدة والائتلاف، حسب تصريحات القائمين عليها على هامش الإعلان.

فالمبادرة إذن تهدف، وفق ما أُعلن،  إلى إعادة تجميع القوى والنشطاء السياسيين المحسوبين على التيار الإسلامي الذين حصلت بينهم انشقاقات في وقت سابق لظروف سياسية عامة.

حضور مُحتشم وغياب بارز لبعض مكونات المشهد الإسلامي

الحضور خلال إطلاق المبادرة كان محتشماً ولم يكن في مستوى انتظارات أصحاب المُبادرة، وهو ما يعكس فيما يبدو فقدان "فكرة الوحدة" لجاذبيتها خاصة مع توالي التجارب الفاشلة التي خاضت في المسألة من قبل، ويرى البعض أيضا أن هذا الفتور قد يكون نتيجة لصورة مُطلقها، جاب الله، الذي طالما تعلقت به تهم محاولة تنصيب نفسه زعيما على التيار الإسلامي وأيضا عدم قدرته على إنشاء كيانات حزبية لها صفة الدوام، فهو من أسس النهضة والإصلاح قبل أن يُنقلب عليه في الأولى ويعيش تمرّدا عليه في الثانية.

وبالرجوع إلى إلى مواقف الأحزاب الإسلامية من المبادرة، نجد أن أغلبها ورد مُتحفّظا، بل إن بعض الردود شككت في نواياها المُبيتة مثلما ورد على لسان الرئيس السابق لحمس، أبو جرة السلطاني، الذي قال إن المبادرة "ليست في وقتها وغير مرحب بها أيضا"، قبل أن يضيف"أن الأيام ستميط اللثام عن النوايا الكامنة من ورائها، ومن يدعمها ويقودها والهيئة التي تشرف على إدارتها".

في السياق ذاته، أعلنت  حركة النهضة أن المبادرة لا تعني الحزب لا من بعيد ولا من قريب، معتبرة إياها مبادرة حزبية خاصة في إطار حراك سياسي تعيشه الجزائر وأنه لا وجود لتقاطعات بين أجندتها وأجندة الحركة، وأنها تأتي في وقت لم تتشكل فيه أرضية توافق وطني، بعد.

من جهتها، نفت حركة مجتمع السلم يكون الحزب قد تلقى دعوة للانضمام إلى المبادرة، مُعربة عن دعمها لأي مبادرة لجمع الشمل  شريطة أن تكون واضحة المعالم وغير غامضة ويكون الإطلاع على مضمونها ومناقشتها مسبقا وليس بعد الإعلان عنها في وسائل الإعلام، مُتسائلة عن مضمون المبادرة إن كان سياسيا أم دعويا. واعتبرت حمس أن المبادرة إن كانت تهدف لخلق غطاء سياسي جامع فمصيره سيكون الفشل، بالنظر إلى التجارب السابقة.

كيف تُقرأ هذه المُبادرة في سياقها الرّاهن؟

تنوّعت القراءات والتحليلات لهذه المُبادرة التي أُعلن عنها في موسم الرّكود السياسي الجزائري، إذ اعتبر بعض المُحلّلين أن رئيس جبهة العدالة والتنمية، عبدالله جاب الله، يحاول نقل الأزمة القائمة ضمن نسيقية الانتقال الديموقراطي منذ اللقاء المنفرد في بداية الشهر الماضي بين حمس ومدير الديوان الرئاسي أحمد أويحيى، إلى موقع آخر، في حراك قد يؤدي لإنهاء العمر السياسي للتنسيقية القائمة منذ عام ونصف تقريباً، احتجاجاً على ترشح الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، لولاية رابعة.

آخرون اعتبروا أن المبادرة تنطلق من الضعف الذي تشهده جبهة العدالة والتنمية وتنتهي بأهدافها غير المعلنة للإستعداد للاستحقاقات الإنتخابية القادمة سنة 2017، أي أن  فكرة الفضاء التجميعي هو البديل الممكن، لاستقطاب الطاقات العاطلة، وتعبئة اليائسين من جدوى الفعل السياسي في ظل المشهد القائم، بما يعطي قوة إضافية للجبهة في علاقاتها مع أحزاب المعارضة، ويتيح لهاهامش أوسع للمناورة مع السلطة، وهو ما سيُحوّل المبادرة تدريجيا إلى تكتل سياسي إسلامي يوازي وينافس تحالف "الجزائر الخضراء".

لا تزال مبادرة لم شمل "أبناء المشروع الإسلامي" غامضة برغم الإعلان الرسمي عنها وهو ما عبر عنه أغلب الطيف الجزائري وخاصة مكوناته الإسلامية، وإلى حين توضّح أجنداته، قد يكون يتبين مُستقبلها في الحراك الداخلي الجزائري.

البداية يبدو أنها كانت سيئة الإخراج، بالنظر إلى ردود الفعل، إلا أن السياسة لا ثوابت فيها وقد تتغير المواقف بتغير المُعطيات وهوما ستكشفه الأيام القليلة القادمة.