ترجمة :عمار السيد

"كيف ترى تركيا تنظيم الدولة"؟ لطالما كانت إجابة هذا السؤال مثارًا للجدل بين الأتراك والمراقبين للشأن التركي، ففي حين يزعم حزب العدالة والتنمية AKP  أنه لم يدعم أبدًا هذا التنظيم وأنه اعتبره منذ البداية تنظيمًا إرهابيًا، يتهم آخرون حكومة الرئيس أردوغان بأنها كانت - على الأقل حتى وقت قريب - متساهلة للغاية معه، وأن العدالة والتنمية رأى في التنظيم حائط صد ضد المكاسب الكردية في سوريا، فيما ذهبت بعض الأصوات الحامية في المعارضة - بما فيها حزب الشعوب الديمقراطي HDP الموإلى للأكراد -، بعيدًا في اتهامها للحكومة بخلق وتسليح واستخدام التنظيم لأغراضها الخاصة.

لكن اهتمامًا أقل بكثير قد اتجه إلى محاولة الإجابة عن السؤال المقابل "كيف يرى تنظيم الدولة تركيا وحزب العدالة والتنمية"؟ يريدنا التنظيم أن نسمع منه في هذا الصدد، وعلى موقعه الناطق بالتركية ومجلاته الإلكترونية وحساباته على تويتر، يكرر التنظيم إداناته للقادة الأتراك معتبرًا أنهم ليسوا سوى مجموعة من "المرتدين"، ويهدد كذلك بمعاقبة الشعب التركي قريبًا بسبب الهجوم الذي يقوده "الشيطان أردوغان" على التنظيم.

يحمل الموقع اسم "دار الخلافة"، وتمت استضافته على الرابط Darulhilafa.com ، قبل أن تغلقه السلطات التركية في يوليو بجانب عدد آخر من المواقع الجهادية، ثم أُعيد فتحه سريعًا على الرابط Darulhilafa.net  وظل متاحًا حتى لحظة كتابة هذه السطور، يجدر بنا بالطبع أن نتساءل عن السبب الذي يجعل السلطات التركية - وهي التي بإمكانها أن تكون سريعة جدًا في حجب المواقع إذا ما تعلق الأمر بإزعاج السلطات العليا شخصيًا - متمهلة عندما يتعلق الأمور بالمسائل الأخرى.

في 8 أغسطس، وصف دار الخلافة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو بـ "الشيطان الصغير"، "(مصطلح طاغوت) الذي يستخدم في القرآن للإشارة إلى الشيطان الميتافيزيقي هو لفظ شائع الاستخدام في الأدبيات الإسلامية للإشارة إلى الشخصيات السياسية المحتقرة"، وأدانت المقالة الساخرة أوغلو لأنه حاول تهديد التنظيم بزيارته لموقع عسكري تركي قرب الحدود مع سوريا، كما سفهت منه بسبب ظهوره بين قادة العالم الآخرين أو الطواغيت في مسيرة باريس التي نظّمت عقب مذبحة شارلي إبيدو والتي امتدحها - بالطبع - تنظيم الدولة.

وفي حين يرى التنظيم في أوغلو "شيطانًا أصغر"، فإن أردوغان هو "الشيطان الأكبر"، وفي 7 اغسطس اتهم دار الخلافة، الطاغوت أردوغان، بمحاولة غسل أدمغة الشعب التركي عبر آلته الإعلامية لتبرير تحالفه مع "أمريكا الكافرة " بعد سماحه باستخدام القاعدة العسكرية الأمريكية في إنجرليك ضد التنظيم، واعتبرت المقالة أن هذا التحرك هو بمثابة هدية كبيرة إلى حزب العمال الكردستاني (PKK ) المصنف كجماعة إرهابية من قِبل الحكومتين الأمريكية والتركية، وطبقا للمقالة فإن أردوغان يرتكب خطأ بالتحالف مع الـ PKK  ضد تنظيم الدولة "الذي لم يطلق بعد رصاصة واحدة على أي جندي تركي"، وبعد الاتفاق الأمريكي التركي على استخدام إنجرليك، فإن تنظيم الدولة بإمكانه ألا يصبح مجددا ذلك الشخص اللطيف تجاه تركيا.

كان هذا التهديد أكثر وضوحًا على تويتر حيث يمتلك التنظيم حسابًا باسم @DarulHilafe6، وفي تغريدة يوم 5 أغسطس يقول: "أيها الشعب التركي، لا تدعوا الشيطان أردوغان يسوقكم إلى الموت، تذكروا أنكم أنتم من سيدفع الثمن"، وفسرت تغريدات أخرى سابقاتها بالقول إن "أسود الخلافة مستعدون لضرب تركيا بشاحناتهم الاستشهادية التي تنتظر التفجير في أي وقت".

يتهم تنظيم الدولة تركيا بالتحالف مع (PKK)، وتصف إحدى مقالات "دار الخلافة الحزب بـ "العصابة الملحدة التي يغذيها أردوغان"، ومن المثير للسخرية أنه في ذات الوقت يُتّهم أردوغان من قِبل حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي بدعم التنظيم في مواجة الأكراد، ويتضح جليًا كيف تقع حكومة العدالة والتنمية بين مطرقة الأكراد وسندان تنظيم الدولة.

وبالإضافة إلى هذه الأخبار والتعلىقات اليومية، عمد التنظيم إلى نشر مجلات إلكترونية وفرت المزيد من الحجج النظرية للقراء الأتراك، إحدي هذه المجلات حملت اسم "فتح القسطنطينية"، وفي إصدارها الأول في يونيو، استشهدت بحديث شهير للرسول محمد - صلي الله عليه وسلم - عن الجيش المبارك الذي يفتح القسطنطينية ملمحة بالطبع إلى الدولة الإسلامية، وأوردت في العدد ذاته قصيدة شعرية تقول "إسطنبول، لقد سمحتِ بالكفر في ربوعك، وامتلأت شوراعك بالخطايا، لكنك ستُفتحين بالتأكيد، ولسوف تعلوك التكبيرات".

واشتمل العدد ذاته على مقالة تشرح ماهية "الردة " في الإسلام، وتعتبر أن كل الشيعة والعلويين هم مرتدون يجب قتلهم، وتناقش - بشكل مخيف - ما إذا كان الأمر يجب أن يشمل أطفالهم أم لا، وتتهم الديمقراطية بأنها "دين" بديل عن الإسلام، وأولئك الذين يقبلون النظام الديمقراطي بأنهم "مشركون"، وتتوعد المجلة "أيها الديمقراطيون، سنقاتلكم جميعًا حتى لن يبقَ ديمقراطي واحد على ظهر الأرض، فإما أن تعودوا إلى دين الله، أو أننا - بعون الله - سنضعكم جميعا تحت حد السيف".

وبتكفيرالتنظيم للديمقراطية، فإن تركيا (رغم ديمقراطيتها المنقوصة) هي بالطبع أرض عدو له، ولا عجب في أن "فتح القسطنطينية" تعتبر لحوم الحيوانات المذبوحة في تركيا لحومًا نجسة، (في الشريعة الإسلامية تُعتبر اللحوم المذبوحة في البلدان الكافرة لحومًا نجسة كما في شريعة كوشير في اليهودية الأرثوذكسية).

وفي العدد الثاني من "فتح القسطنطينية" الذي صدر في يوليو، تتوسع المجلة في تعريفها للمرتدين بأنهم "أولئك الذين يقاتلون دولة الخلافة"، واعتبر أردوغان من ضمن هؤلاء، وفي مقالة أخرى حملت عنوان "دولة أردوغان الكردية"، اتهمت الحكومة التركية مجددًا بدعم "العصابة الملحدة" إشارة إلى حزب العمال الكردستاني وهذه "العصابة" بحسب ما تضيف المقالة "تنشر الأكاذيب حول دعم أردوغان للدولة الإسلامية فقط لتحشد لنفسها المزيد من الدعم".

بشكل عام، يبدو من الواضح جدًا أن التنظيم ينظر إلى الحكومة التركية - بغض النظر عن كونها إسلامية في عيون العلمانيين - كأحد الشياطين الأزلية الذين يتوجب عليه قتالها، ورغم ذلك فإن قاعدة "عش، ودع الآخرين يعيشون" ظلت تحكم العلاقة بين "الخلافة" وأنقرة حتى وقت قريب، فلم يحاول أي طرف - نظرًا لأولوياته الأخرى - استفزاز الطرف الآخر، لكن التفجير الانتحاري الذي وقع في مدينة "سروج" يوم 20 يوليو وأودى بحياة 33 من المواطنين الأتراك جعل أنقرة أكثر يقظة تجاه تنظيم الدولة، ومن ثم جاء القرار بفتح قاعدة إنجرليك للضربات ضد تنظيم الدولة، وفي المقابل، يبدو التنظيم اليوم متحفزًا ضد تركيا أكثر من أي وقت مضى ليضيف المزيد من التعقيد إزاء الموقف المتوتر أصلاً في تركيا نتيجة انحراف قطار السلام مع الأكراد عن مساره.

المصدر: المونيتور