مزار مولانا جلال الدين الرومي

في مدينة الورد، تلك المدينة الهادئة التي ضمتها الجبال التي تحيطها لتسكن بين أكنافها نسائم تلك المدينة ونسائم أهلها، مدينة قونيا، والتي تعتبر من معاقل الصوفية والتدين لدى الأتراك، وهي أكبر محافظات تركيا من حيث المساحة وتقع في وسط جنوبها، قونيا الغنية بطبيعتها وتاريخها تحتل مكانة مهمة لدى الأتراك، وبها أيضًا واحدة من أقدم التجمعات البشرية في التاريخ وهي "تشاتال هويوك" والتي دخلت قائمة التراث العالمي عام 2012، ويُقال أن سبب تسمية قونيا بهذا الاسم هو نسبة للتصاوير المقدسة "أيكون" فنظرًا لبعض نظريات الميتولوجيا القديمة قام رجل بقتل تنين تردد على المدينة فتكريمًا له قاموا ببناء تذكار له مرسوم عليه رسم يشرح الواقعة وتم إعطاء هذا الأيقون اسم: أيكونيون، ثم مع الوقت تحولت الكلمة إلى "أيكونيوم"، ثم في عهد دولة روما، تم تغيير الاسم وتحريفه كثيرًا إلى أن وصل إلى "كونيا" ثم عندما دخل العرب إلى المدينة أسموها "قونيا أو قونية".

كما ذكرت، فلدى قونيا جذور تاريخية تعود إلى فترة ما قبل التاريخ، قامت عليها حضارات وإمبراطوريات عظيمة مثل إمبراطورية الحيثيون - و ليس الحوثيون -، ثم فريجيا ثم ليديا ثم الفرس ثم احتلها الإسكندر الأكبر ثم تحولت إلى مركز ديني هام أيام الروم والبيزنطة، ويُذكر أن بولس الطرطوسي أهم ثان شخصية مسيحية بعد المسيح عليه السلام قام بزيارتها خلال زياراته لبلاد الأناضول، وتم فتح قونيا بعد واحدة من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي وهي معركة ملاذ كرد وهي من معارك المسلمين والبيزنطيين، وكانت بقيادة الملك العادل سلطان العالم ألب أرسلان، والتي كان من نتائجها فتح العديد من المدن ومنها قونيا التي نتحدث عنها الآن.

وبعد ذلك حكمتها إمارة قرمان تلك الدولة الإسلامية ذات الأصول الأرمنية، وبعد ذلك قام السلطان محمد الثاني بإنهاء حكم إمارة قرمان بها وضم قونيا إلى الإمبراطورية العثمانية، وبعد سقوط الدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية ظلت قونيا محافظة إلى يومنا هذا على مظاهر التدين التي تراها بوضوح عند تجولك في شوارعها، والتي تمتاز بانتشار الإسلاميين بها بكثرة، وظهر بقونيا العديد من الشخصيات الشهيرة تاريخيًا مثل جلال الدين الرومي الشهير في تركيا بـ "مولانا" ونصر الدين خوجة وابن عربي وكذلك أحمد داود أوغلو رئيس وزراء تركيا الحالي.

اتجهت إلى قونيا مساءً من مدينة أنطاليا في رحلة قاربت الست ساعات لنصل إلى قونيا حوالي الساعة الواحدة والنصف ليلاً وانتظرنا كثيرًا المواصلة التي ستنقلنا إلى السكن الحكومي الذي سنسكن فيه في أيامنا التي سنقضيها هنالك، ووصل الباص أخيرًا ونزلنا في المحطة الخاصة، واتجهنا إلى السكن وبعد القيام بإجراءات التسجيل وخلافه، كان من حظنا العثر وجودنا في غرفة بها مدخنين مزعجين، يظلون يشاهدون الأفلام بصوت مرتفع مع أصوات للضحكات بلا اكتراث لمن في الغرفة وبلا اهتمام للوقت صباحًا أو مساءً فيحاصرك الصوت من كل الجهات، جهة الضوء والصوت والازعاج من ناحية والتدخين والرائحة الكريهة الصادرة من جهة أخرى! أذكر أنني كُنت أحاول لف نفسي بأقصى شكل ممكن لكي أتمكن من منع وصول الدخان إلى بلا فائدة، حتى أنني فكرت أن أترك غرفتي وأذهب للنوم في المسجد لأستريح من هذا الهم لولا إدراكي أن النوم في المسجد عادة غير موجودة في الأتراك و لو فعلتها لتعجب الكثيرون وربما لنهروني أيضًا.

لذا كان السكن هو الذي عكر رحلتي الهادئة في واحدة من أكثر المدن التي أحببتها في تركيا، وفي تلك الأيام التي وصلنا فيها إلى قونية في شهر فبراير كان الجو يمتاز بالبرودة الشديدة - بالنسبة إليّ- فكنت أرتدى عدة تيشيرتات وفوقهم معطف ومع ذلك أظل أشعر ببرودة الجو، فالحرارة هناك أحيانًا تصل إلى السالب، وساعدنا في جولتنا في قونية إحدى الطالبات المصريات الدارسات للدكتوراة في مجال الأثار وهي الدكتورة زهراء - جزاها الله عنا خيرًا -  ولأن هذا مجالها فلقد استمتعنا بالجولة كثيرًا معها، فبدأنا جولتنا أول يوم بمسجد علاء الدين كيكوباد من العهد السلجوقي.

مسجد علاء الدين كيكوباد من العهد السلجوقي

والذي انتهى بناؤه عام 1221 ويُعد من التحف المعمارية السلجوقية، ثم اتجهنا إلى المقبرة غير المكتملة والتي تعود إلى عام 1220، ثم اتجهنا إلى منطقة مرتفعة في قونيا لنشاهد منها منظر مدينة قونية من الأعلى وكان منظرًا رائعًا، ولكن مع الوقت تكتشف أن تلك المناظر العليا تتشابه في الكثير من المدن التركية، حيث تتشابه العمارة التركية في الكثير من المدن التي زرتها، اتجهنا لاحقًا للصلاة في مسجد السليمية (مسجد السلطان سليم) والذي انتهى بناؤه عام 1574 ويعد ذلك الجامع من أروع أمثلة العمارة العثمانية في القرن السادس عشر وما تزال الكتابات الحائطية والديكورات الموجودة بالمسجد هي الأعمال الأصلية للمعماري مظفر، ذهبنا بعد ذلك إلى مسجد وتربة شمس الدين التبريزي أستاذ جلال الدين الرومي ورأيت هناك من مظاهر الشرك والتبرك بالقبور ما لم يحتمله قلبي الضعيف، تألمت كثيرًا من ذلك الجهل الصوفي الذي يعم الأتراك - في المجمل - حيث ينتشر المذهب الصوفي هنا، وتعتبر قونية معقل الصوفية والصوفيين في تركيا.

 قبر شمس الدين التبريزي

في اليوم التالى اتجهنا إلى متحف انجي منارة، وهو متحف للأعمال الخشبية والحجرية بني عام 1258 في عهد السلاجقة وكان في الأصل مدرسة لتعليم علم الحديث وتم تحويله إلى متحف في عام 1956، ثم اتجهنا إلى متحف كارتاي والذي يضم العديد من الفخاريات والمفروشات الأثرية بالإضافة لاحتوائه على تربة جلال الدين قرطاي، ومنه اتجهنا إلى متحف مولانا والذي يضم قبره والذي يُعد مزارًا للكثير من الأتراك حيث يعتبر الرومي من أهم الأقطاب الصوفية لديهم والذي يعتبرون كتابه المثنوي كتابًا مقدسًا للغاية بل ويرونه من أقدس الكتب بعد القرآن، وقد أصابني الغم أكثر بعد رؤيتي لكم البكّاءين هنالك، وقارئي القرآن للرومي وقد أبدع الشيخ أبو الفضل القونوي في تأليف كتاب جامع للرد على الرومي وعقائده في كتاب بديع أسماه "أخبار جلال الدين الرومي"، واتجهنا أيضًا في برنامج رحلاتنا إلى مدينة سيلا القديمة وهي أطلال لمدينة قديمة بها كنيسة أثرية ولم نطل البقاء هناك لبُعد المكان وقلة الموصلات، ومن أجمل ما تتميز به مدينة قونيا هو عدم غلاء أسعارها، وتدين أهلها و قلة الانحلال الأخلاقي في شوارعها، وهدوء طبيعتها، وكبر حجمها، وتنوع المزارات السياحية أو الأماكن التي تستطيع زيارتها هناك، لذا أحببت أن أكرر زيارتي ثانية يومًا ما إلى قونية.

رجعنا إلى السكن في آخر ليلة لنا هناك، وكنا قد قررنا أن نذهب من قونيا إلى إسكي شهير باستخدام القطار السريع توفيرًا للوقت والمجهود، لذا حجزنا التذاكر مبكرًا، وقرر صديقي الأفغاني أن يذهب ويبيت تلك الليلة بمسجد السكن حفاظًا على نفسه من السجائر ومن إزعاج رفاق الغرفة، كنت قد قررت كذلك أيضًا ولكن غيرت رأيي ولففت نفسي بالغطاء محاولاً سد كل شيء مع دعائي على رفاق الغرفة المسببين لنا الإزعاج والضرر، وبالفعل استقيظنا مبكرًا وخرجنا سريعًا إلى الشارع حتى نلحق موعد القطار، وبالفعل انتظرنا قليلاً في المحطة ثم ركبنا القطار النظيف جدًا والمريح للغاية والذي يختصر الكثير من الوقت في الذهاب إلى مدينة الطلاب، اسكي شهير، وأترككم أيضًا مع بعض الصور من قونيا إلى أن نلتقي مجددًا - بإذن الله - في رحلتنا القادمة.

تفاصيل الزخرفة في العمارة الاسلامية 

 

قبة الجامع من الداخل 

 

أحد الجسور الأثرية في قونيا

 

من داخل متحف "مولانا" أدوات الطريقة الصوفية المولوية