ترجمة وتحرير نون بوست

أوروبا يقودها المهرجون، المتعصبون، والمترددون، هذا جميع ما أستطيع أن أستنتجه من أزمة اللاجئين الجارية على قدم وساق، حيث تم تسليط الضوء على صورة طفل توفي على شواطئ تركيا، لإثارة وعي القارة الأوروبية، الذي لم يستثره موت مئات الأطفال الذين ذبحوا وقتلوا غير ما مرة.

في بريطانيا، شهدت مسابقة قيادة حزب العمال وعدًا حازمًا من جيريمي كوربين لاستقبال عددًا أكبر من اللاجئين، وتمارينًا بالإيماء بالرأس من قِبل المرشحين الآخرين، لذلك يجب أن نكون ممتنين، لأنه لولا وجود كوربين كقوة معادلة وموازنة، لم يكن بإمكاننا أن نضمن بأن أندي بورنهام، إيفيت كوبر، وليز كيندال لن يميلوا لطرح تصريحات مناهضة للهجرة، وذلك بالنظر إلى ليونة "قيمهم" السياسية.

أما بالنسبة لتصريحات المحافظين، فإنها كانت كالعادة عنيدة ومضللة وخبيثة، حيث أظهرت وزيرة الداخلية، تيريزا ماي، مؤخرًا براعة عظيمة في تجنب المحادثات الصعبة أو في تجنب التقاط الصور التذكارية المحرجة من خلال رفضها لقاء اللاجئين أو المهاجرين لأسباب اقتصادية أثناء زيارتها لكاليه في فرنسا، كما وصف وزير الخارجية فيليب هاموند "المهاجرين" بأنهم "غزاة"، ورئيس الوزراء ديفيد كاميرون أومأ إلى "الأسراب" التي تنتظر عبور البحر إلى أوروبا.

جميع الصحف البريطانية تقريبًا، بما في ذلك الديلي ميل والذي الصن، نشرت صورة ذلك الطفل الكردي المتوفى الذي جرفته الأمواج إلى شواطئ تركيا، واستجابة لذلك صرّح رئيس الوزراء البريطاني قائلًا "لقد أخذنا بعض اللاجئين من سورية، وهذا الأمر يخضع للمراجعة باستمرار"، ولكنه لم يذكر بأن عدد اللاجئين الذي "أخذتهم" بريطانيا كان منخفضًا لدرجة يرثى لها.

لكي نكون منصفين، لا صحة للشائعات التي يتم إطلاقها، والتي تشير إلى أن العدد الإجمالي للسوريين الذين وجدوا لهم ملاذًا في بريطانيا يقل عن 200 لاجئ، فهذا الرقم غير دقيق البتة، وعدد اللاجئين الذين تم استقبالهم في بريطانيا يتعلق ببرنامج إعادة التوطين المحدود للغاية الذي وضعته الحكومة البريطانية، ووفقًا لذلك فإن الرقم الحقيقي لطلبات اللجوء المقبولة من سورية منذ بدء الحرب في عام 2011 تقارب حوالي الـ5000 لاجئ، وهذا الرقم يمثل 0.13% من مجموع اللاجئين السوريين، أو 0.007% من تعداد سكان المملكة المتحدة، وعلى النقيض من ذلك على سبيل المثال، استضاف لبنان حوالي ربع إجمالي اللاجئين والمشردين السوريين الذين يبلغ عددهم حوالي 8 ملايين شخص.

في هنغاريا وسلوفاكيا أُتحفنا بقادة دولة مسيحيين يريدون لأوروبا أن تبقى قارة مسيحية، لذا لم تقبل هاتين الدولتين سوى اللاجئين المسيحيين، ولكن ربما يجب على هؤلاء القادة "اللاهوتيين" أن يهتموا بقراءة تعاليم الإنجيل المقدس وفهمها بشكل أفضل؛ حيث جاء في إنجيل متى الإصحاح 25 : 35 "لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني"، وجاء في سفر إشعياء الإصحاح 25 : 4 "لأنك كنت حصنًا للمسكين، حصنًا للبائس في ضيقه، ملجأ من السيل، ظلًا من الحر، إذ كانت نفخة العتاة كسيل على حائط"، ووفقًا لذلك قبول المسيحيين فقط من الشرق الأوسط لا يمت إلى المسيحية بصلة، وفي الواقع يمكن لأعيان وقادة هنغاريا وسلوفاكيا أن يضمنوا طريقًا وعرًا وشائكًا إلى أبواب الجنة إذا كان حبهم ورجاءهم وتسامحهم يمتد فقط ليشمل أتباع المسيح.

هناك حل غير مستغل، يصلح لإيجاد متسعًا لجميع هؤلاء اللاجئين، وهذا الملاذ يقع في الولايات المتحدة، حيث لا تتجاوز نسبة الكثافة السكانية في هذه الدولة الـ84 نسمة لكل ميل مربع واحد، والرقم الموازي للكثافة السكانية في بريطانيا وإيطاليا وألمانيا يتجاوز بأشواط الـ600 نسمة لكل ميل مربع واحد، ومن بين جميع الدول الأوروبية، فقط السويد والنرويج وفنلندا يتمتعون بكثافة سكانية تقل عن الكثافة السكانية التي تتمتع بها دولتنا الصديقة التي تقبع في الطرف الآخر من المحيط الأطلسي، ولكن على الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة، التي يُفترض بها أن تكون قائدة للعالم الحر، حامية للسلام، أرض الميعاد، الموطن الطبيعي للمهاجر الطامح، استقبلت 1000 لاجئ فقط من اللاجئين السوريين!

هذا السيناريو الذي يحدث اليوم مشابه للأحداث التي حدثت بالداخل الأمريكي إبان غزو العراق في عام 2003 وحتى عام 2007، وحينها استسلمت واشنطن في نهاية المطاف إلى غضب الرأي العام والضغط الممارس من قِبل المنظمات الإنسانية لقبول أكثر من مائة ألف لاجئ مضافين على الألوف القليلة التي تلطفت وتكرمت الإدارة الأمريكية بالتخطيط لتقديم الملاذ لهم.

لقد تغير الكثير ضمن الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، عندما رفض الرئيس فرانكلين روزفلت استقبال اللاجئين اليهود حتى عام 1944، وسط تفشي معاداة السامية وكراهية الأجانب، فتاريخ الولايات المتحدة الحديث عامر بأحداث عدة فتحت فيه أمريكا أبوابها استجابة للأزمات الإنسانية المختلفة.

خلال الحرب الباردة، قبلت أمريكا نصف مليون لاجئ من الاتحاد السوفيتي وفيتنام، وفي التسعينيات استقبلت ما ينوف عن مائة ألف لاجئ من البلقان، وفي عام 2007 استضافت أكثر مائة ألف لاجئ بورمي تقطعت بهم السبل على الحدود مع تايلاند.

ولكن مع ذلك واشنطن لم تكن على الدوام حريصة على تلبية الاحتياجات الإنسانية، فحاليًا يوجد أكثر من 2.6 مليون لاجئ أفغاني، وفي العقدين الأخيرين، لم تستقبل الولايات المتحدة منهم أكثر من عشرين ألف لاجئ، ورواندا كانت في عام 1994 حلقة مؤسفة أخرى من الحالات الإنسانية التي شهدها العالم من خلال تهجير أكثر 2.3 مليون نازح، لم تستقبل الولايات المتحدة أكثر من 1500 شخصًا منهم.

ومع ذلك، فإن إمكانية الحل قد تكون موجودة، فمن خلال ممارسة الضغط السياسي الصحيح، يمكن للرئيس الذي قاربت ولايته على الانتهاء، باراك أوباما، أن يأتي بقرارات تاريخية، خاصة مع تصميم الأخير على تمزيق الكتاب التقليدي المُنتهج في السياسة الخارجية الأمريكية من خلال التقارب مع إيران وكوبا، ولكن حتى وإن حصل ذلك، فإن الدول الأوروبية لا تزال بحاجة لتلبية المقتضيات الإنسانية الملقاة على كاهلها.

المصدر: ميدل إيست مونيتور