خطوة لم يتوقعها أحد من هذه الائتلافات السورية المعارضة المتنافرة المسلحة والغير مسلحة التي لم تنجح في بلورة موقف مشترك منذ اندلاع الثورة السورية قبل أربع سنوات وأكثر، إلى أن أصدرت الفصائل المعارضة المقاتلة في سوريا والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بيانًا مشتركًا رفضت فيه اقتراحات المبعوث الدولي، ستيفان دي ميستورا،  للحل السياسي في سوريا، معتبرةً أن صياغتها الحالية "مرفوضة من الناحية العملية والقانونية".

المعارضة السورية وصلت إلى هذه النقطة بعد أن اتحدت على رفض التدخل الروسي العسكري في سوريا مؤخرًا، في نفس الوقت التي تزايدت فيه الأحاديث عن الحل السياسي في سوريا بجانب محاولات دولية وإقليمية لإدماج نظام الأسد في عملية سياسية جديدة بالمستقبل السوري، وهو ما يعصف بقرابة خمس سنوات من الدماء السورية المهدرة على يد النظام الأسدي.

فبعد أن تخلى كل فصيل منهم حاليًا عن عملية عرض نفسه كبديل مقترح للأسد، وأيقنت غالبية هذه المعارضة أن ثمة التفاف على الحد الأدنى من مطالبهم ما سيعرضهم جميعًا لخطر كرّة نظام بشار الأسد عليهم في حال نجاحه في الظفر بتسوية سياسية.

كان مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، قد دعا الجانبين في سوريا للمشاركة في ما يُعرف بـ"مجموعات عمل" مشتركة تبحث قضايا المعتقلين والأمن وتوفير الخدمات الطبية للمدنيين، وذلك كخطوة أولية تفتح الطريق أمام إجراء محادثات سلام شاملة بين الأطراف المتناحرة.

قامت المكاتب السياسية للفصائل المعارضة المقاتلة الموقعة على هذا البيان المشترك والهيئة السياسية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بدراسة لمقترحات المبعوث الأممي، دي ميستورا، فيما يخص مبادرة "مجموعات العمل"، وانتهوا إلى رفض "إطلاق أي عملية سياسية جديدة فاشلة تكلف السوريين الألاف من الشهداء والمزيد من الدمار لما تبقى من البنى التحتية للبلاد كما حدث سابقًا" بحسب البيان المشترك للفصائل المعارضة.

رفض هذه الفصائل لهذا الحل الأممي نابع بالأساس عن تخوفهم من إعادة إنتاج النظام السوري الحالي بصورة جديدة أو إعطاء الأسد وأركان نظامه أي دور في عملية سياسية انتقالية ولو على المدى البعيد.

كما أدركت الفصائل السورية المعارضة أن التدخل الروسي الحالي ما هو إلا محاولة لإنقاذ نظام بشار المتهاوي في وجهة نظرهم، وكذلك محاولة لفرضه بالقوة على العملية السياسية المستقبلية في سوريا بالقوة الروسية، وقد يُقابل هذا بصمت دولي لعدم ثقتهم في مرحلة ما بعد بشار الأسد، لذلك اعتبرت القوى السياسية السورية المعارضة أن "مجموعات العمل" بصيغتها الحالية والآليات غير الواضحة التي تم طرحها توفر البيئة المثالية لإعادة إنتاج النظام الأسد، بسبب غياب المبادئ الأساسية الواضحة المتعلقة بالمشاركين في هذه المجموعات وكيف سيتم اختيارهم، وفي النهاية كيف ستكون مآلات الأمور.

كما تسائلت القوى عن مصير قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالشأن السوري التي لم تنفذ، لا سيما القرارات 2118 و 2165 و 2139، بهذا قد انعدمت الثقة بين الوسيط المتمثل في الأمم المتحدة وطرف المعارضة، فأي عملية سياسية يمكن الوثوق بها تحت رعاية أممية في وجهة نظر المعارضة والقرارات السابقة للأمم المتحدة لم تنفذ حتى الآن من قبل نظام بشار الأسد.

هذه الخطوة المفاجئة من المعارضة تُعد رسالة إلى الغرب الذي تراجع عن مسألة إسقاط بشار الأسد جزئيًا، حيث أكدت الفصائل السورية أن عملية انتقال السلطة الكاملة لا مكان فيها لبشار الأسد ورموز وأركان نظامه، وهو اصطدام ضمني مع الرؤية الغربية الحالية للحل في سوريا التي بدأت تتحدث عن ضرورة إدماج الأسد في الحل السياسي.

كما خشي الموقعون على البيان المشترك من معضلة الأجهزة الأمنية الأسدية وأعلنوا تمسكهم بحلها بالإضافة إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية بالكامل، كأحد الشروط الأساسية لبدء أي حل سياسي، وهو ما لم تحتوي عليه المبادرة الأممية.

فقد أعلنت الفصائل الموقعة على البيان المشترك بشكل صريح وفعلي عن استثناء رأس النظام في سوريا وأركانه من أي دور في أي عملية سياسية قادمة، وهو ما يعني فقدان الثقة تمامًا بقدرة المجتمع الدولي على دعم القضية السورية بعد خمس سنوات من الحرب مع النظام الذي ارتكب فيها الجرائم ضد الشعب السوري بدعم عسكري إيراني وغطاء سياسي روسي وشرعية دولية، وترى المعارضة بحسب بيانها أنه ما زال المجتمع الدولي مصرًا على توفير هذه الشرعية للنظام الأسدي بمثل هذه المبادرات.

كذلك أكد البيان على تعامل قوى الثورة والمعارضة دائمًا بإيجابية كاملة مع المبعوث الأممي على الرغم من غياب أي نتائج عملية على الأرض، وهذا الرفض المجدد لمبادرة "مجموعات العمل" يؤكد أن ثمة دعم سياسي للائتلافات السورية يُرجحه البعض أن يكون خليجيًا لرفض الحل السياسي الذي لا يطيح بالأسد من سدة الحكم، في ظل حديث دولي الآن عن ضرورة بقاء الأسد لفترة قادمة حتى يتثنى للغرب ترتيب أوراقه بالداخل السوري.

الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تفشل فيها مساعي "دي ميستورا" داخل سوريا، حيث رفضت مسبقًا القوى العسكرية والسياسية المعارضة في محافظة حلب خطة الموفد الدولي إلى سوريا المتعلقة بهدنة مؤقتة في مدينة حلب، معتبرةً أنها جزئية وتتناقض مع المقررات الدولية ومع مطلب رحيل بشار الأسد، إذ أصرت المعارضة في حلب على وجوب أن يكون الحل شاملًا على مستوى سوريا ككل متضمًا رحيل الأسد، وهو الأمر الذي يتجاهله المبعوث الأممي، دي ميستورا، ما دفع بعض الفصائل لاتهامه بمحاولة الالتفاف على هذا الرفض عبر مبادرات جديدة تدمج الأسد في عملية سياسية مستقبلية في سوريا.

ومؤخرًا أكد البيان المشترك الذي وقعه أكثر من 70 فصيلًا عسكريًا وسياسيًا عاملًا على الأراضي السورية رفض هذا النوع من المبادرات التي تحاول الالتفاف على مطالب الثورة السورية بطريقة أممية، وهو الأمر الذي ربما يدفع نحو صدام بين هذه الفصائل السياسية والعسكرية مع التصور الغربي المضطرب لحل الأزمة السورية، بعدما كان يعول على بعضها كفصائل معتدلة  في وجهة نظر الغرب.