بدأت معدلات الأمراض التي عادة ما تصيب البالغين تظهر بشكل متزايد لدى الأطفال، مثل ارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع الدهون الثلاثية، كما أصبح الأطفال يصابون اليوم بأمراض لم تكن تصيبهم سابقًا، مثل مرض السكري من النوع 2 ومرض الكبد الدهني، فلماذا يحدث هذا؟

يفترض الجميع بأن هذا نتيجة لوباء السمنة - أي ازدياد عدد السعرات الحرارية التي يتم تناولها مقارنة مع انخفاض معدلات النشاط البدني - فعلى اعتبار أن الأطفال والكبار يزدادون سمنةً، فإنهم سيصابون بالمرض، وعمومًا، يفترض بأنه لا يوجد طعام معين يسبب ذلك بشكل خاص، لأن السعرات الحرارية توجد في كل شيء.

كان الباحثون قد قاموا بدراسة الدور الذي يلعبه السكر في المساهمة في الأمراض المزمنة لسنوات، وقد قامت مجموعة باحثين من جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو بنشر بحث في مجلة (Obesity) تدعم فرضية أن السعرات الحرارية التي تأتي من السكر ليست مماثلة لغيرها من السعرات الحرارية.

مرض السكري يزداد بوتيرة أسرع من السمنة

من الواضح أن سبب ارتفاع معدلات الحالات الصحية مثل السكري من النوع 2 ليس ناتجًا عن تناول مجموعة من الأشخاص الكثير من السعرات الحرارية وحسب، فمعدلات السمنة تتزايد عالميًا بنسبة 1% سنويًا، في حين أن مرض السكري يتزايد عالميًا بمعدل 4% سنويًا، فإذا كان السكري نتيجة فرعية للسمنة، فكيف يمكن تفسير كون زيادة معدلات الإصابة بمرض السكري أسرع من زيادة معدلات السمنة؟

من جهة ثانية، هناك بعض البلدان التي يعاني سكانها من السمنة المفرطة دون أن يعانوا من السكري (مثل أيسلندا ومنغوليا وميكرونيزيا)، في حين أن هناك بلدان أخرى يعاني سكانها من السكري دون أن يكونوا مصابين بالسمنة (مثل الهند وباكستان والصين)، فعلى سبيل المثال، هناك 12% من سكان الصين يعانون من مرض السكري، في حين أن معدلات السمنة في ذلك البلد أقل من ذلك بكثير، ولكن على الجانب الآخر، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعتبر أسمن أمة على الأرض، إلّا أن نسبة انتشار مرض السكري لديها لا يتعدى الـ9.3%.

في حين أن 80% من السكان الذين يعانون من السمنة المفرطة في الولايات المتحدة يعانون أيضًا من مشاكل في عملية الأيض (أي أن لديهم حالات مرضية مثل مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، ومشاكل مع الدهون وأمراض القلب)، إلّا أن 20% منهم لا يعانون منها، وعلى العكس من ذلك، فإن 40% من السكان الذين يمتلكون أوزانًا طبيعية يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي، فإذا كان الأشخاص الذين يمتلكون أوزانًا طبيعية يعانون من هذه الحالات، فما هي صلتهم بالسمنة؟ في الواقع، إن العلماء يعلمون الآن بأن السمنة هي علامة على وجود هذه الأمراض وليست مسببًا لها.

مؤخرًا، كشفت الدراسات الوبائية عن وجود علاقة بين استهلاك السكر المضاف والحالات الصحية مثل أمراض القلب والشرايين، فهل يمكن لخفض نسبة استهلاك السكر الزائدة في وجباتنا الغذائية أن يعكس متلازمة الأيض؟

ماذا يحدث عندما تتوقف عن إعطاء الأطفال الأطعمة التي تحتوي على السكر المضاف؟

قامت مجموعة باحثين من جامعة كاليفورنيا، سان فرنسيسكو، بدراسة 43 طفلًا من ذوي الأصول اللاتينية والأفريقية يعانون من السمنة ومتلازمة الأيض خلال فترة امتدت لـ 10 ايام، وخلالها قام الباحثون بتقييم وضع عمليات التمثيل الغذائي لديهم، مثل مستويات الأنسولين والجلوكوز، وكذلك معدلات الدهون في الدم وعلامات أخرى للمرض، مثل اللاكتات والأحماض الدهنية الحرة، مع النظام الغذائي الذي يتناولونه في منازلهم.

خلال الأيام التسعة التي تلت ذلك، كان كل طفل يتناول نظام غذائي مصمم خصيصًا له، بشكل تحتوي فيه وجباتهم على ذات عدد السعرات الحرارية والبروتينات والدهون التي تحتويها أنظمتهم الغذائية المعتادة التي يتناولونها في المنزل، وعلى الرغم من أن الباحثين قاموا بإعطاء الأطفال المقدار ذاته من الكربوهيدرات، إلّا أنهم استبدالوا النشاء بالسكر، وكانت النتائج تحمل فروقًا كبيرة، فهذا النظام الغذائي الخاص لم يكن يحتوي على أي سكريات مضافة، وهذا يعني بأن نظامهم الغذائي كان لا يحتوي على السكريات القادمة من قصب السكر أو شراب الذرة عالي الفركتوز، بل كان الأطفال يحصلون على السكر عن طريق استهلاك الأطعمة مثل الفواكه والأطعمة الكاملة الأخرى التي تحتوي بطبيعة الحال على بعض السكريات، بالإضافة أيضًا إلى الألياف التي تقلل من معدل امتصاص السكر، لذلك فهي لا تؤثر على الجسم بنفس الطريقة التي يفعلها السكر المضاف.

خلال الدراسة، قام الباحثون باستبدال ترياكي الدجاج، بهوت دوغ الحبش، واستبدال الزبادي المحلى برقائق البطاطس المخبوزة، واستبدال الدونات بالخبز المحلى، أي بمعنى آخر، فقد قدم الباحثون للأطفال أغذية مصنعة غير صحية، ولكنها خالية من السكر المضاف، وفي حال ملاحظة انخفاض وزن الأطفال، كان الباحثون يقدمون لهم المزيد من الأطعمة.

بشكل عام، كان الأطفال يتناولون المقدار ذاته من السعرات الحرارية ولم يفقدوا أي وزن على الإطلاق، ولكن مع هذا فقد شهد كل جانب من جوانب التمثيل الغذائي لديهم تحسنًا ملحوظًا، فمع خفض نسبة السكريات المضافة في النظام الغذائي لمدة 10 أيام، شهد كل من ضغط الدم، ونسبة الدهون الثلاثية، والبروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL أو "الكولسترول السيء")، وحساسية الأنسولين والجلوكوز تحسنًا كبيرًا.

على الرغم من هذه النتائج المذهلة، إلّا أن الباحثين يشيرون إلى ضرورة إجراء المزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كان هذا الأمر يمكن أن ينطبق أيضًا على البالغين، وفيما إذا كانت فوائده قصيرة الأجل أو طويلة الأجل.

السكر كالكحول

توضح هذه الدراسة بأن هناك أنواع مختلفة من السعرات الحرارية، وأن السكر هو المساهم الأساسي في متلازمة الأيض، وأن هذه المتلازمة لا علاقة لها بالسعرات الحرارية أو زيادة الوزن، فعن طريق إزالة السكر المضاف من الوجبات الغذائية، يمكن تحسين الصحة الأيضية.

قد لا يكون السكر هو المساهم الوحيد بهذا المرض المزمن، ولكنه لا يزال المكون الأسهل الذي يمكن تجنبه، حيث يمكن للأطفال أن يحسنوا من صحة عملية التمثيل الغذائي لديهم حتى ولو استمروا في تناول الأغذية المصنعة، فقط من خلال التخلي عن تناول السكريات المضافة.

من جهة ثانية، قد يقول المعارضون لهذه النتائج بأن السكر في الأساس هو مادة طبيعية، وأن البشرية كانت تستهلك السكريات منذ آلاف السنين، وعلى اعتبار أن السكر هو في الأساس طعام، فكيف يمكن للطعام أن يكون سامًا؟

لهؤلاء الأشخاص نقول، أنه وتبعًا لقاموس قاموس وبستر، فإن الغذاء هو المواد التي تتكون أساسًا من البروتين، والكربوهيدرات، والدهون المستخدمة في جسم الكائن الحي لدعم عمليات النمو، والإصلاح الحيوية، وتوفير المزيد من الطاقة.

وبالنظر إلى أن الوظيفة الأساسية للسكر هي توفير الطاقة ليس إلّا، فبهذا المعنى، السكر مثل الكحول، فالكحول يحتوي على سعرات حرارية، ولكنه ليس بالمادة المغذية، وليس هناك أي رد فعل كيميائي حيوي يتطلب وجوده، وعند تناول جرعات عالية من الكحول، فإنه يمكن أن يحدث أضرارًا جسيمة لللكبد، والأمر نفسه ينطبق على السكر، فالفركتوز، وهو الجزئ الذي يعطي المذاق الحلو في السكر، يحتوي على السعرات الحرارية التي يمكن حرقها للحصول على الطاقة، ولكنه ليس مادة مغذية، لأنه لا يوجد أي رد فعل كيميائي حيوي يتطلب وجوده، كما أن الجرعات الزائدة منه يمكن أن تحدث أضرارًا جسيمة بالكبد، تمامًا مثل الكحول، وهذا أمر منطقي، لأننا في الأساس نحصل على الكحول من تخمير السكر.

بالنتيجة، فإن الإكثار من السكر يسبب مرض السكري، وأمراض القلب، وأمراض الكبد الدهنية وتسوس الأسنان، وعند الإفراط في استهلاكه فإنه يتحول ليصبح مادة سامة، ويمكن أن يسبب الإدمان، تمامًا كالكحول، وهذا هو السبب الذي يجعل الأطفال يصابون بالأمراض التي تسببها الكحول عادة مثل السكري من النوع 2 وأمراض الكبد الدهنية من دون أن يتناولوا الكحول، لكن الأبحاث تشير إلى أنه يمكن عكس هذه النتيجة خلال 10 أيام، وهذا أمر يبعث على الاطمئنان نوعًا ما.