صرح رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو منذ أيام بأن بلاده على استعداد للدخول برًا إلى سوريا في إطار العمليات العسكرية التي يقوم بها التحالف الأمريكي بوجه داعش لوقف عجلة توسعها الأخير، والذي أتى بعد إضعاف المعارضة السورية بالأساس نتيجة العملية العسكرية الروسية التي استهدفتها، وهي تصريحات تشي بوضوح بأن الخيار العسكري التركي على الطاولة، وأن الدخول لأرض سوريا برًا تحت غطاء دولي ليس أمرًا مستبعدًا مثله مثل التدخل التركي المنفرد الذي يرفضه الجيش التركي نفسه ولا ترجحه موازين المعارك الجارية الآن.

أهداف تركيا الثلاثة

لماذا يطلق أوغلو تلك التصريحات الآن إذن؟ أولًا لأن فوز حزبه في الانتخابات وتشكيل حكومة مستقرة لأربع سنوات قد أعطى دفعة قوية للموقف التركي في سوريا، والذي اتهمته أطراف عدة في الداخل والخارج سابقًا بعدم الواقعية، وبكونه واحدًا من أسباب تراجع رصيد حزب العدالة والتنمية بين مؤيديه في يونيو الماضي، وثانيًا فإن السياسة التي اعتمدتها تركيا بغض الطرف عن داعش لتحدث توازنًا مع القوات الكردية بشمال سوريا والمرتبطة بحزب العمال الكردستاني، لم تعد ذات فائدة بانقلاب الموقف في أنقرة ضد داعش، مما يخلق حاجة لمواجهة أكثر فاعلية للاثنين معًا.

ثالثًا وهو الأهم على المدى البعيد، أن أية تواجد تركي برّي بشمال سوريا سيعطي ظهيرًا قويًا للمعارضة السورية التي تقاتل منذ أسابيع في محيط حلب يوجه نيران جيش الأسد المدعوم على الأرض بميليشيات حزب الله وإيران، وعن طريق الجو بالضربات الجوية الروسية، وهي معركة فاصلة استراتيجيًا ستحدد مصير الحل النهائي نظرًا لأهمية حلب كمدينة للسيطرة على الشمال الغربي بالكامل، والذي يُعَد بشكل أو آخر "نصف سوريا"، في مقابل نصفها الآخر المرتكز لدمشق الواقعة تحت قبضة النظام، فدمشق وحلب كولايتين سابقًا تحت الحكم العثماني ثم الاستعمار الأوروبي شكلتا باتحادهما سوريا اليوم.

لذلك فإن فوز الأسد بحلب يعني أنه نجح في توحيد سوريا بشكل أو آخر، تاركًا داعش فقط، المعزولة عن أي دعم دولي، إلى شرقه، ويعني أيضًا وصول الهيمنة الإيرانية والروسية للحدود مع تركيا بشكل غير مقبول لا في أنقرة ولا أوروبا ولا واشنطن، أما استمرار هيمنة المعارضة على حلب فهو يعني أن البلد منقسم إلى شمال وجنوب، وأن هناك فصيل سوري يحظى بدعم دولي لا يزال ضاغطًا بوجه كل من الأسد وداعش، كما يعني أن تركيا تحفظ عمقها الاستراتيجي إلى جنوبها، أو ما سماه أوغلو "ممر حلب،" نتيجة التحالف الوثيق بينها وبين المعارضة بكافة فصائلها.

حتى الآن تحاول تركيا في المقام الأول تحقيق كل تلك الأهداف معًا بشكل غير مباشر عن طريق المطالبة بمنطقة عازلة، على غرار كردستان العراق أثناء حرب الخليج، ممتدة بين حدودها مع سوريا إلى جنوبها الغربي وحتى نهر الفرات، وهي منطقة ستساعدها على دعم المعارضة على الأرض دون التدخل المباشر، ومحاصرة داعش عن الضغط على المعارضة في حلب، في حين ستحجز تمامًا الوجود الكردي إلى ما وراء الفرات، والذي أكد عليه داوود أغلو منذ أيام أيضًا حين صرح بأن القوات الجوية التركية تقصف بالفعل أية تحركات لأكراد سوريا تتجاوز الفرات باعتبار ذلك خط أحمر.

جيش الأسد بالأحمر، المعارضة بالأصفر، جبهة النصرة بالبُني، داعش بالرمادي، المناطق المتنازع عليها بين المعارضة وداعش مخططة بالأصفر والبني، تواجد حزب الله مخطط بالأسود والأحمر، سيطرة الأكراد بالبنفسجي، ضربات روسيا الجوية بالنقاط السوداء والحمراء خلال الأسبوع الماضي، وبالنقاط الصفراء والرمادية خلال الأسابيع السابقة

لو لم تنجح تركيا في مساعيها تلك فإن الخيار الثاني سيكون على الأرجح التدخل تحت غطاء دولي لتحقيق التواجد العسكري المباشر بدون الظهور رسميًا في صورة القيام بعملية تركية خالصة على غرار التدخل الروسي، وهو تدخل قد يكون مفيدًا في الحقيقة للأمريكيين نظرًا لحاجتهم لمساند على الأرض بوجه داعش في تلك اللحظة التي يعاني فيها التنظيم من فقدان زخم الزحف السريع الذي تمتع به سابقًا في العراق، لا سيما بعد انسحابه من أراضٍ حول مدينة البيجي، والضغط الذي يتعرض له في الرمادي، علاوة على مواجهته للقصف الروسي في مواقعه بشرق حلب وتدمر.

إما المنطقة العازلة أو التواجد العسكري

بالنظر لمحدودية الدور الكردي المدعوم أمريكيًا، واقتصاره على أماكن تواجد الأكراد بالشمال مع تحفظ الأتراك عليه أصلًا، فإن الدخول في عملية موسعة لاحتواء داعش وحصرها في صحراء "بادية الشام" بعيدًا عن المدن الكبرى لن يتم إذن بدون تركيا، فشمال حلب الواقعة الآن بيد داعش تُعَد النقطة الوحيدة التي تربطها بالعالم الخارجي بشكل فعال وتجلب لها مقاتلين وموارد عبر الحدود التركية، عدا ذلك فإن المدن الأصغر الواقعة تحت سيطرتها لا تملك نفس السهولة في الحركة والتواصل والثقل الاقتصادي الذي تمثله حلب، مما يشير لأهمية إبعاد داعش عن حلب في الفترة المقبلة كأولولية للتحالف الغربي المواجه لها، وبالتالي الحاجة للتنسيق مع تركيا.

كيف سيكون شكل التدخل التركي البري لو حدث بالفعل في إطار عملية دولية مدعومة أمريكيًا؟ على الأغلب فإن ذلك سيتضمن بعضًا من القوات البرية التقليدية، ولكن ليس بشكل كبير خوفًا من تحفظ الرأي العام التركي والانزلاق بشكل غير محسوب لصراع تشارك فيه إيران وروسيا على الناحية الأخرى، وبالتالي فإن القوات الخاصة هي التي ستقوم بنصيب الأسد من النشاطات العسكرية التركية إذا وقعت، مع حماية قوات برية محدودة، وغطاء جوي غربي بالطبع، بشكل يعزز عمليات المعارضة في كل من حلب واللاذقية، والقريبتين من الحدود التركية.

لن يجلب كل ذلك بطبيعة الحال أية مواجهات مباشرة بين القوى الكبرى كما يتصور البعض، إذ أن تحركاتها ستكون منسقة بالتواصل الدبلوماسي ولو اختلفت الأهداف لضمان عدم تحول سوريا لساحة حرب مفتوحة على مستوى أكبر، وهو ما يحدث الآن بالفعل بين موسكو وواشنطن رغم تضارب مصالحهما بشكل واضح، إذ يقوم الطرفان بالتنسيق بين عملياتهما الجوية والإبلاغ بأماكنها لكيلا يصطدما بالأجواء السورية، وهو ما يتوقع أن يحدث أيضًا بين تركيا وروسيا إذا ما دخل الأتراك للساحة عسكريًا.

لا يمكن إنكار فعالية عملية تركية كتلك في تحقيق أهداف أنقرة بالطبع، فالتواجد المباشر سيوفر على تركيا الكثير من المتاعب التي تتكبدها نتيجة تشرذم المعارضة السورية أولًا، وغياب الدعم الحاسم الأمريكي لمطلب المنطقة العازلة ثانيًا، وهو ما يعني أن تشكيل تلك المنطقة بالقوة التركية مباشرة سيتيح لتركيا استقلالية أكبر عوضًا عن الصعوبات الدبلوماسية التي تواجهها الآن، والدخول أمر مغري استراتيجيًا في الحقيقة، لا سيما وأن أيًا من الأمريكيين والروس لم ولن يتواجد على الأرض برًا بنفس الدرجة، في حين ستظل الميليشيات المدعومة من جانب إيران أضعف من أن تواجه قوى المعارضة ومن خلفها دعم عسكري تركيا مباشر.

كما ذكرنا، يظل ذلك السيناريو على الطاولة كأولوية ثانية نتيجة تخوف الكثيرين داخل الحكومة والجيش التركي من ردود الفعل في داخل تركيا، وفتح جبهة واسعة في ساحة معقدة بشكل غير مسبوق ربما منذ حرب الاستقلال التركية التي وقعت قبل مائة عام، وانشغال الجيش حاليًا بمواجهة حزب العمال الكردستاني في الداخل، علاوة على الحاجة إلى التنسيق مع الأمريكيين لتتمكن عملية كتلك من تحقيق أهدافها، وهي أهداف إن أذعنت لها الولايات المتحدة فإنها لن تختلف كثيرًا عن الموافقة على المنطقة العازلة على أي حال، وهو ما تحاول أنقرة أن تقنع به صناع القرار في واشنطن لتفادي حتمية تدخلها لحماية مصالحها في وقت لاحق قد تكون ساحة المعارك فيه تغيّرت بشكل لا يجعل المنطقة العازلة كافية كما كانت.