تونسيون يطالبون بالحرية

مثلت سنة 2015 بالنسبة للتونسيين سنة القطع مع الفترة الانتقالية؛ فقد تسلم الحكم بداية السنة برلمان انتخب لمدة خمس سنوات ورئيس دولة وحكومة أوكلت إليها مهمة إنجاز الإصلاحات الكبرى في البلاد واستكمال بناء مؤسسات الدولة والانتقال من المؤقت إلى الدائم.

غير أن هذه السنة كانت صعبة، حسب قول وزير التنمية التونسية ياسين إبراهيم، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والأمني؛ فقد شهدت فيها البلاد عمليات إرهابية استهدفت السياح والأمنيين والعسكريين، ولم يتجاوز خلالها نمو اقتصاد البلاد 0.5%، وعرفت تونس خلال هذه السنة تدهورًا للسلم الاجتماعي، ويرى العديد من المتابعين أن الوضع خلال السنة المقبلة سيظل كما هو ولن يسجل تحسنًا ملحوظًا نظرًا للعديد من المؤشرات، ورغم توقع وزير التنمية ياسين إبراهيم بلوغ النمو الاقتصادي للبلاد سنة 2016 نسبة تتراوح بين 2 و2.5%، فإن هذه النسبة تبقى دون المأمول ولن تساهم في خروج البلاد من أزمتها.

بلوغ النمو الاقتصادي نسبة 2% سنة 2016 حسب العديد من المراقبين لن يتحقق إلا إذا بقي سعر البترول في الأسواق العالمية منخفظَا، ومرتبط أيضًا بتواصل انتعاش القطاع الفلاحي (الأمر المستبعد السنة القادمة إذا ما نظرنا لأزمة قطاع التمور وتراجع سعره وانخفاض إنتاج الزيت إمكانية تسجيل عام جفاف نظرًا لتقلص الأمطار)، تجاوز القطاع السياحي أزمته (مرتبط بتحسن الوضع الأمني والاستقرار السياسي والاجتماعي للبلاد)، ارتفاع نسق الاستثمار الأجنبي والمحلي، وتوقف الإضرابات ولو وقتيًا، ومع ذلك فإن كل هذه المؤشرات يصعب تحققها مجتمعة، وهو ما يعني صعوبة السنة المقبلة اقتصاديًا وتواصل ارتفاع نسب البطالة نظرًا لافتقار الحكومة والدولة لحلول ناجعة في هذا الخصوص.

إضافة إلى القطاع الاقتصادي نجد الجانب الاجتماعي الذي لن تكون فيه البلاد أوفر حظًا خلال السنة القادمة، فبداية هذه السنة ستكون شاهدة على موجة جديدة من الإضرابات العامة في القطاع الخاص، وبالتالي ستتواصل خلالها الأزمة الحادة بين الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعة التقليدية (منظمة الأعراف) حول نسبة الزيادة في الأجور في القطاع الخاص، فكل طرف متشبث بموقفه وقراراته ولا وجود لبوادر اتفاق بينهما على المستوى القريب على الأقل.

كما يتوقع أن يشهد العام الجديد العديد من التحركات الاجتماعية المطالبة بالتشغيل والتنمية الاجتماعية خاصة في المناطق الداخلية في ظل عدم تحسن الظروف الاجتماعية في تلك المناطق وعدم تحقق المطالب التي طالبوا بها ولا الوعود التي قدمها السياسيون.

في الجانب الأمني يتوقع أن تشهد السنة المقبلة هجمات إرهابية انتقامية من الجماعات المسلحة كرد فعل من هذه الجماعات على الضربات الاستباقية التي نفذتها القوات الأمنية والعسكرية ضد قياداتها الأولى، وتبقى الحدود الشرقية بين تونس وليبيا وأيضًا الغربية مع الجزائر من أشد المناطق خطورة؛ ففيها تتحصن الجماعات المسلحة.

وبالنظر إلى الوضع الأمني في الجارة ليبيا وإمكانية تدخل عسكري دولي هناك فإن نتائجه ستكون سلبية على تونس؛ فإن حصل هذا التدخل فإن هذه الجماعات وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية ستحاول الانتقال لتونس من أجل توسيع مناطق نفوذه.

بالنسبة للأحزاب فستكون سنة 2016 مسرحًا للعديد من التحولات الحزبية؛ فنهاية 2015 سجلت انقسام حزب الأغلبية في البرلمان التونسي "نداء تونس" واستقالة أمينه العام من منصبه، بالإضافة إلى إعلان ميلاد حزب سياسي جديد "تونس الإرادة" بقيادة رئيس الجمهورية السابق محمد المنصف المرزوقي، وتحديد حركة النهضة الإسلامية موعد مؤتمرها العاشر، وانطلاقا مما حدث نهاية 2015، فإن سنة 2016 ستشهد وفاة أحزاب وولادة أخرى، سواء في الحكم أو في المعارضة على حد سواء.

فمن المنتظر إذا تواصلت الأزمة داخل حركة نداء تونس أن يتم الإعلان عن حزب جديد، الأمر الذي سيضعف الحزب الأول، في مقابل ذلك يؤكد المحللون أن تحديد حركة النهضة لموعد مؤتمرها العاشر إنجاز في حد ذاته، فقد تأخر موعد انعقاد هذا المؤتمر لعدم انتهاء الحركة من حسم الخلافات داخلها، وما تحديد الموعد إلا حسم لتلك الخلافات؛ الأمر الذي سينعكس إيجابًا عليها.

وبالنظر إلى انقسام حزب نداء تونس الفائز في الانتخابات التشريعية سنة 2014، واستقالة عشرات النواب من كتلته البرلمانية؛ فستصبح حركة النهضة الإسلامية حزب الأغلبية في البرلمان والمتحكم فيه ولا يمكن للحكومة ولا البرلمان أن يمررا شيئًا دون استشارتها وموافقتها وبالتالي ستتغير موازين القوى السياسية في البلاد، وفي مقابل ذلك من المنتظر أن يأخذ الحزب الجديد "حركة تونس الإرادة" للرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي مكانة هامة في صلب المعارضة التونسية نظرًا للشعبية التي يتمتع بها مؤسسوه وضعف المعارضة الحالية والتجاذبات بينها، فالمعارضة فشلت في توحيد صفوفها ولو نسبيًا للتصدي لسياسات الحكومة التي اعتبروا أنها لا ترتقي لمستوى تطلعات الشعب، حتى وإن حصل إجماع على ضرورة الاتفاق في مسائل معينة فإن هذا الإجماع لا يتجاوز مجرد الحديث في البلاتوهات التلفزيونية والندوات الصحفية.