لمحة عن مضايا والزبداني

مضايا البلدة السورية التي تتبع منطقة الزبداني في محافظة ريف دمشق التي انتفضت منذ بداية أحداث الثورة السورية ضد الرئيس السوري بشار الأسد، حتى كانت ماضايا والزبداني أول بلدة تنادي صراحةً بإسقاط نظام بشار الأسد، إلى أن تدخل الجيش السوري بقصف مدفعي استمر حتى منتصف يناير من العام 2012، حيث جرت معركة الزبداني بين كتائب حمزة بن عبدالمطلب التابعة للجيش السوري الحر في مقابل نحو 30 ألف من الجيش السوري النظامي مدعومين بـ 50 دبابة و9 قطع مدفعيّة.

 وخلال تلك المعركة شارك حزب الله اللبناني  بقوات قدرت بـ 300 مقاتل، في محاولةً من النظام السوري لاقتحام مضايا والزبداني وإنهاء وجود الجيش السوري الحر في تلك المنطقة الاستراتيجية الهامة، وذلك بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

البلدة التي تقع شمال غرب دمشق في سلسلة جبال لبنان الشرقية، تعتبر هامة من الناحية العسكرية والجغرافية لكلٍ من النظام السوري وداعميه من حزب الله اللبناني لتأمين حدوده السورية مع لبنان، لذا كانت المعركة فاصلة وهامة وخلفت كذلك خسائر فادحة للطرفين، من تدمير حوالي 21 دبابة و15 آلية عسكريّة ومقتل عشرات الجنود، ما دعى الجيش السوري إلى استهدافها براجمات الصواريخ والقصف المدفعي العنيف، وهو الذي تسبب في تدمير قطاع واسع تتضرر منه المدنين الذين راح منهم ما يزيد عن 100 شخص، وعشرات الجرحي بالإضافة إلى تدمير عشرات من منازل المدنيين، كما تضررت البنية التحتية، ونزح مئات من أهالي المدينة إلى البلدان المجاورة.

الجيش الحر الذي كان يسيطر على المدينة هدد الجيش النظامي باستهداف مواقع إستراتيجية وعسكرية هامّة للنظام منها معسكر بردى وأماكن الكهرباء والماء، إلى أن انتهت المعركة باتفاق بين الجيشين بالانسحاب من أبواب البلدة حقنًا للدماء وفرصةً لعودة أهالي المدينة، إلا أن كلا الطرفين كان يريد السيطرة على البلدة لاعتبارها هامة استراتيجيًا، وقد خضعت البلدة خلال الأعوام اللاحقة إلى سيطرة جبهة النصرة، مع شبه حصار يفرضه النظام السوري، حيث كانت ضحية للقصف العشوائي وضربات بالدبابات والمدفعية والبراميل المتفجرة، في محاولاتٍ من الجيش النظامي لضمها إلى سيطرته، وهو الأمر الذي خلف دمارًا هائلًا، وعشرات القتلى من المدنين بينهم نساء وأطفال.

واستمرت تلك الجولات إلى أن حاصر النظام السوري بمعاونة ميلشيات حزب الله اللبناني  المدينة  منذ قرابة الـ 7 أشهر، حيث منع خلالها  سكان المدينة من الخروج لجلب المواد الغذائية التي نفذت سريعًا مع اشتداد وطأة الحصار، كما مُنعت إدخال المساعدات الإنسانية لها، من المواد الغذائية والطبية والأدوية، هذا الحصار المستمر منذ يوليو العام الماضي جاء بالتزامن مع اشتداد القتال في الزبداني،  وهو ما دفع بعض أهالي الزبداني للهروب من القصف في الزبداني إلى الموت جوعًا في مضايا.

بقي نحو  16,780 نسمة من سكان ماضيا، بالإضافة إلى آلاف النازحين من الزبداني، والتي تقول تقارير للأمم المتحدة أن أعداد كل من في المدينة نحو 42 ألف شخص، عرضةً للموت نتيجة نقص الغذاء أو التدهور الصحي نتيجة نقص الأدوية، حيث تحولت أجساد سكان المدينة ألى هياكل عظمية يكسوها الجلد، كما اضطروا إلى أكل القطط والحشائش والقمامة.

 فكل من يحاول الهرب والخروج من المدينة فهو عرضة للقتل بالقنص أو بالألغام، فكان الأهالي بين خياران كلاهما موت، فإما الموت جوعًا، أو الموت برصاص الميلشيا المحاصرة للمدينة حال التفكير في الهرب منها، بينما نجا نحو 7 آلاف من سكان مضايا من هذه المآساة بعد أن نزحوا قبل هذا الحصار المفروض منذ يونيو من العام الماضي، وذلك حسب تعداد عام 2015.

هدن لم تنفذ

الهدن التي طرحت من قبل الأمم المتحدة ولجان الإغاثة، لم تحقق أحلام الجياع في سد جوعهم، كما لم تتحقق شروطها في رفع الحصارعن مضايا بالتزامن مع عمليات إجلاء الجرحى، كما عجزت الهدن  عن وقف براميل نظام الأسد من السقوط على المدينة، فيما لم تفتح أي طرق آمنة لخروج السكان أو عبور مواد غذائية لهم، وسط حملات كثيرة تخرج في محاولةٍ لإنقاذ البلدة المحاصرة وما بقي من أهلها، بعضها حقوقي يطالب الأمم المتحدة بالتدخل الفوري لفك الحصار، وأخرى خيري لجمع التبرعات المالية لسكان المدينة.

 

اتهم بعض النشطاء  فرق الأمم المتحدة  بالتقصير والتخاذل، حيث استطاعت الفرق الدخول للزبداني وإخراج الجرحى بعد قبول النظام باتفاق الهدنة، فيما لم تفعل شيئًا لسكان البلدة  التي تقع على الطريق الذي تمر منه وفود الأمم إلى الزبداني.

 وبالتزامن مع التفاعل الإنساني الكبير الذي أخذته هذه المدينة المحاصرة، أعلن مكتب التنسيق للشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة عن موافقة الحكومة السورية على عبور المساعدات لبلدات مضايا والفوعة وكفريا المحاصرة في سوريا، غير أن مصير هذا الإعلان غير معلوم حتى الآن إذا كان سيدخل حيز التنفيذ أم لا.

البلدة المحاصرة لم تدخلها أية مساعدات إنسانية منذ أكتوبر 2015، كما لم يسمح بإجلاء الحالات الطبية الطارئة منها منذ ديسمبر الماضي، ورغم إعلان الأمم المتحدة إلى توصلها لاتفاق مع النظام السوري لإدخال المساعدات، إلا أنه لم تصل أية مساعدات فعلية إلى البلدة حتى الآن، وإلى أن تصل هذه المساعدات لا يعلم كم مسنًا وطفلًا وامرأة آخرين سيلقوا مصير أكثر من 30 ماتوا جوعًا، وستفصح الأيام القادمة عما إذا كان ذلك الاتفاق سيدخل حيز التنفيذ فعليًا أم سينضم إلى الاتفاق الذي أبرم أواخر أكتوبر من العام الماضي ولم يحقق أيًا من أهدافه في فك الحصار عن المدينة، خاصةً وأن الأمم المتحدة صرحت سابقًا بأن 10 في المئة فقط من مساعداتها الموجهة إلى المناطق الأكثر حاجة هي نسبة ما سمح له بالصول إلى وجهتها.

كم يمكن أن يستمر الإنسان دون طعام؟

الأُسر في مضايا لا تستطيع العثور على وجبة واحدة في اليوم، فأسعار المواد الغذائية التي يتم تهريبها إلى المدينة وصلت إلى250 دولار ثمنًا لكيلو الدقيق، و300 دولار لـ 900 جرام من حليب الأطفال، هذا إن وجدت تلك السلع، فيما يعيش الأهالي على أمل بإدخال المساعدات، لكن حتى دخول المساعدات هل تستطيع الأجسام الهزيلة المريضة التحمل؟ وهل يسطتيع قرابة الألف رضيع الصمود أكثر؟

يتفق معظم الأطباء على أن الإنسان ذو الصحة الجيدة يمكن أن يبقى حوالي ثمانية أسابيع دون طعام، طالما أنه يشرب الماء، وهذا الأمر يرجع إلى قوة الشخص البدنية، أو وجود الدهون في الجسم، حيث أن الدهون والكربوهيدرات والبروتينات تعتبر مخازن طاقة الجسم اللازمة لتبقيه على قيد الحياة، لكن تلك الأجساد الضعيفة لا يمكن تتحمل مدة أطول فمخازن الطاقة استخدمت مع طول مدة الحصار ونقص الطعام، كما أن نقص الأدوية والرعاية الطبية  تدهورت معها أكثر صحة الأهالي المحاصرين، حتى باتت أجسادهم عبارة عن هياكل عظمية مطلية بطبقة رقيقة من الجلد.

كما أن مشكلة أخرى تقابل هؤلاء الأهالي المحاصرين وهي برودة الجو وتساقط الثلوج، فلم يعد هناك نباتات تُأكل بسبب الثلوج، كما أن الدراسات الطبية تشير إلى أن الطقس البادر ليس جيدًا على من يأكل الطعام كالطقس الحار تمامًا،  فالبرد القارص والحرارة الشديدة ستقتل الشخص قبل أن يكون لديه فرصة لأن يموت من الجوع، حيث أن البرودة الشديدة تتسبب في حرق المزيد من الطاقة للحفاظ على درجة حرارة مناسبة للجسم، وفي ظل انعدام مواد التدفئة في البلدة المحاصرة فهذا يعني أن الجسم يحرق مزيدًا من طاقته محاولًا الحفاظ على درجة حرارة تبقيه حيًا، فلم يعد الجوع وحده طريق هلاك أهالي مضايا، فربما برودة الطقس قد تُسرع في موت الأهالي إذا تأخرت عملية إيصال المساعدات.

لم يعد شعار النظام الذي يردده لأهالي مضايا الجوع أو الركوع كما هو، فقد أصبح الموت أو الموت أو الموت أيضًا، فمن لم يمت لنقص الطعام، فسيمت لنقص الدواء، أو من برودة الطقس، أو عند محاولته الهرب من كل تلك المهالك.

 

حزب الله

أهالي ماضيا يملأهم الضغب مما يفعله عناصر حزب الله بهم، فسكان مضايا بالتحديد استقبلوا أهالي جنود حزب الله في منازلهم إبان الحرب الإسرائيلية في العام 2006، والآن الحزب ذاته أقحم نفسه في إراقة دماء الشعب السوري، ويكافىء أهالي تلك البلدة بالتجويع والقتل لدعمهم له في حربه مع الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما وصفه متابعون بأنها نذالة من الحزب لم يشهدها التاريخ، وأكدوا أن الثورة السورية تعد ثورة فاضحة تكشف عن أقنعة وأخلاقيات كل طرف.

حزب الله اللبناني أصدر بيانًا  يلوم فيه من يعيبوا حصار مضايا، ويقول أنها حملة مبرمجة بهدف تشويه صورة المقاومة، وألقى بالمسؤولية في هذا الحصار على "الجماعات المسلحة" بحسب وصفه، قائلًا أنها تتخذ من مضايا رهينة لها ومن أهلها دروعًا بشرية، وقدر الحزب عددهم بنحو 600 مسلح، بينما الحزب نفسه يشترط على سكان البلدة الجائعين تسليم أنفسهم له أو الموت جوعًا، كما حكم على نحو 42 ألفًا بالموت في مقابل حربه مع 600 شخص كما يدعي.

ازدواجية المجتمع الدولي

تستطيع قوات التحالف الدولي التي تحلق في سماء سوريا ليل نهار أن تُلقي بالمساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين في مضايا، مثلما فعلت مع الطائفة الإيزيدية التي حاصرها تنظيم الدولة الإسلامية في شمال العراق، وحينها أطلقت الطائرات الدولية عنان أجنحاتها بالسلاح والمساعدات الغذائية لتنزل على المحاصرين في جبل سنجار حتى استطعوا فك الحصار عنهم.

أما في مضايا فكان الصمت ملاذ المجتمع الدولي والتحالف الدولي أمام الجريمة التي تحدث بحق المدنيين، مما عده البعض تواطؤً مع النظام بشكل غير معلن، لتقع مضايا فريسة أخرى من فرائس الازدواجية الدولية في التعامل مع الصراع السوري.