في حلقة جديدة من مسلسل العزف على آمال وأحلام الغلابة، والتلاعب بمشاعر المقهورين من أبناء هذا الشعب، الذي طالما وقع فريسة لمنظومة من المشاريع عَلّق عليها أماني السنين وطموحات المستقبل، هاهي الملايين من أبناء أرض الكنانة تتعرض لصدمة جديدة تزلزل خيالها الواسع في أن تكون "التفريعة الجديدة" لقناة السويس والتي تم افتتاحها أغسطس الماضي، الحل السحري الذي ينتشلهم من واقعهم المعيشي المؤلم، وذلك عقب تصريحات الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس بشأن تراجع إيرادات المجرى الملاحي العالمي في عام 2015 إلى 5.175 مليار دولار، بهبوط بلغت قيمته 289 مليون دولار أي بنسبة 5.3% عن العام الماضي، ليضع العديد من التساؤلات التي تطل برأسها وتبحث عن إجابة: أين ذهبت الـ 64 مليار جنيه التي جُمعت من الشعب لتمويل التفريعة الجديدة على أمل استردادها من إيرادات القناة بفائدة هي الأعلى محليًا والتي بلغت 12%؟ وأين ذهبت المليارات التي تم اقتراضها من البنوك والتي تجاوزت 1.4 مليار دولار لتمويل هذا المشروع؟ ويبقى السؤال الأخطر الذي يداعب أذهان الملايين من المصريين: هل تحولت تفريعة قناة السويس الجديدة إلى "فنكوش" آخر يضاف إلى منظومة المشروعات الوهمية التي تلاعبت فيها دولة السيسي بأحلام الشعب؟!

ليست الخدعة الأولى

لم تكن التفريعة الجديدة لقناة السويس هي الخدعة الأولى التي تعرض لها المصريون في الآونة الأخيرة، بل أن المتابع للمشهد المحلي المصري منذ الإطاحة بالدكتور محمد مرسي في يوليو 2013 يلاحظ أن هناك عددًا من المشروعات التي روج لها نظام السيسي، بهدف كسب أرضية وشعبية ترسخ أركانه، بعد حالة الفوضى التي انتابت شوارع مصر بعد رحيل أول رئيس مدني منتخب.

البداية كانت بمشروع المليون وحدة سكنية التي أعلنت عنها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بالاشتراك مع شركة "أرابتك" العقارية الإماراتية، حيث عزف الإعلام طويلاً على أوتار توفير شقق سكنية لمحدودي الدخل من خلال هذا المشروع الضخم، لكن سرعان ما تبخر الحلم عقب انسحاب الشركة الإماراتية من المشروع، وإحالته لوزارة الإسكان، ثم غلق الملف نهائيًا بعد تقليص الوحدات السكنية المزمع إقامتها من مليون وحدة إلى 13 ألف فقط.

ثم جاء الوهم الأكبر في تاريخ مصر كلها، والذي داعب أحلام الملايين من المرضى في الشفاء العاجل، وهو الإعلان عن جهاز قادر على الكشف على فيروس c والإيدز، وعلاجهما في نفس الوقت، حيث أعلن مخترع الجهاز وهو لواء بالقوات المسلحة أن هذا الجهاز قادر على كشف المرض، وعلاج المريض من خلال تحويل الفيروس إلى "كفتة" يتم تغذية المريض بها بعد ذلك على حد قوله، وهو ما دفع البعض لإطلاق اسم "جهاز الكفتة" على الاختراع الذي تحول هو الآخر في النهاية إلى وهم كبير تسبب في سخرية العالم أجمع منه ومن المستوى العلمي الذي وصلت إليه مصر.

وما لبث الشعب المغلوب على أمره من الاستفاقة من أوهام ما سبق، حتى جاء المؤتمر الاقتصادي العالمي مارس الماضي، والذي قدمه النظام - من خلال آلته الإعلامية - على أنه الأمل الذي سينقذ مصر من أزمتها الاقتصادية، وبات الجميع يتحدث عن العاصمة الإدارية الجديدة، واكتشافات بترولية متعددة، وشراكات اقتصادية عالمية، وضخ استثمارات من هنا وهناك، ومابين غمضة عين وانتباهتها تبخرت هذه الأحلام هي الأخرى، ليستيقظ المصريون من جديد على تفريعة قناة السويس القادرة على تعويض كل ماسبق.

8.2 مليار ردولار تكلفة التفريعة الجديدة

بالرغم من الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر في السنين الأخيرة، إلا أن البحث عن مشروع قومي يمهد الطريق لمزيد من الحضور الجماهيري دفع نظام السيسي لبذل الغال والنفيس من أجل إنجاز أي مشروع يحسب له، دون أي اعتبار لما يمكن أن يحققه من نتائج.

وفي تصريح لمصدر ملاحي بهيئة قناة السويس، أكد خلاله أن التكلفة التقديرية لـ "التفريعة الجديدة" بلغت 8.2 ملياردولار، أي ما يعادل 64 مليار جنيه للمخطط الإجمالي للتفريعة، والتي يبلغ طولها 72 كيلومترًا، ويشمل حفر المجرى الملاحي الجديد بطول 35 كيلومترًا وبعمق 24 مترًا وعرض 320 مترًا، وبغاطس 66 قدمًا، بالإضافة إلى توسيع وتعميق مناطق التفريعات الغربية الحالية بطول إجمالي يبلغ 37 كيلومترًا وبعمق 24 مترًا بغاطس 66 قدمًا.

ومن الأمور الغريبة في هذا الشأن تضارب تصريحات عبدالفتاح السيسي، ورئيس هيئة قناة السويس، مهاب مميش، بشأن تكلفة التفريعة الجديدة، وعدد السفن التي من الممكن أن تعبرها، حيث قال السيسي خلال ندوة نظمها الجيش المصري، إن تكلفة التفريعة بلغت 20 مليار جنيه (ما يعادل 2.52 مليار دولار)، مضيفًا أن بلاده تمكنت من استرجاع تكلفة القناة بمرور 60 إلى 63 سفينة عبر القناة، حيث قال: "إذا كان على الـ20 مليار اللي إحنا دفعناهم، إحنا جبناهم تاني".

وفي المقابل أكد رئيس هيئة قناة السويس أن تكلفة التفريعة الجديدة حتى الوقت الراهن بلغت 3.2 مليار دولار، ما يعادل 24.9 مليار جنيه، بفارق كبيرعن الرقم الذي أعلن عنه السيسي، فضلاً عن 400 مليون دولار أقرضهم التحالف الذي يضم بنوك مصر والعربي الأفريقي والتجاري الدولي والأهلي لصالح الهيئة العامة لقناة السويس، وبحصولها على هذا القرض وصلت القروض الدولارية التي حصلت عليها الهيئة من البنوك خلال العام الحالي 1.4 مليار دولار.

بالرغم من التفريعة الجديدة إيرادات القناة تتراجع

على مدار العشر سنوات الأخيرة تباينت فيها إيرادات القناة ما بين الصعود والهبوط لأسباب محلية وإقليمية وعالمية، حيث سجلت أدنى مستوياتها خلال عام 2004 - 2005، مقارنة بأعلى إيردات لها في 2009 - 2010، وبالرغم من حفر التفريعة الجديدة وما عُلق عليها من أحلام في زيادة دخل القناة، إلا أن الأرقام الواردة في الجدول التالي توضح الفجوة الكبيرة بين ما كان متوقع وما تحقق بالفعل.

العام

حجم الإيرادات بالدولار

ملاحظات

2004-2005

3.3 مليار دولار

أدنى مستوى إيرادات للقناة

2009-2010

5.5 مليار دولار

أعلى مستوى إيرادات للقناة

2011-2012

5.2 مليار دولار

ارتفعت عن العام الذي يليها بنسبة 3.6%

2012-2013

5.2 مليار دولار

 

2013-2014

5.4 مليار دولار

بارتفاع قدره 6% مُقارنةً بالعام السابق مُباشرة

2014-2015

5.17 مليار دولار

بهبوط بلغت قيمته 289 مليون دولار أي بنسبة 5.3%.

 

 

وتبعًا للإحصائيات الرسمية، تراجعت إيرادات قناة السويس بنسبة 6.5% منذ افتتاح التفريعة الجديدة حتى نهاية ديسمبر الماضي، لتصل إلى 2.197 مليار دولار، مقارنة بـ 2.350 مليار خلال الفترة نفسها من 2014، بما يعادل 153 مليون دولار، لتستحوذ على 52.7% من إجمالى خسائر العام الماضي.

انتقادات عنيفة ومبررات واهية

وبالرغم من مبررات رئيس هيئة قناة السويس، لانخفاض إيرادات القناة هذا العام كونها ضمن تراجع حركة نمو الاقتصاد العالمي، علاوة على تراجع الاستهلاك العالمي للبترول، فضلاً عن انخفاض قيمة وحدات حقوق السحب الخاصة مقابل الدولار خلال عام 2015، إلا أن هذه المبررات لم تقنع الخبراء والسياسيين، حيث شنّوا هجومًا شديدًا على الحكومة المصرية لاسيما بعد حفر التفريعة الجديدة التي كان يُنتظر أن تكون سببًا في زيادة الدخل.

هاهو الدكتور حازم عبد العظيم، أحد أبرز الرموز الداعمة للنظام الحالي، والعضو السابق في حملة السيسي الانتخابية، قد وجّه سهام النقد اللاذعة للحكومة، متهمًا إياها بإهدار المال العام، داعيًا إلى ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذا المشروع.

وأضاف عبدالعظيم في تغريدة له على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الأرقام المعلنة بشأن تراجع إيرادات القناة هذا العام إذا كانت صحيحة فلا بد من محاسبة كل من تورط في هذه الجريمة لو كانت هناك دولة محترمة، على حد قوله.

وقال عبد العظيم، في تغريدة على تويتر: "بناءً على نموذج التنبؤ الرياضي: المتوقع للعائدات بدون حفر التفريعة (5.8 - 6.1) مليار جنيه هل فعلًا العائد بعد الحفر5.1؟".

من جانبها اتهمت خبيرة النقل الدولي، الدكتورة سلوى المهدي، هيئة قناة السويس بـ "عدم الشفافية" مع المصريين منذ بداية تعمير محور القناة، مضيفة أن الحكومة أوهمت الجميع أن هذا المشروع سيكون المخرج والمنقذ للاقتصاد المصري من كبوته الحالية، في حين أن حفر تفريعة جديدة سيجعل السفن تمر في الاتجاهين، دون تحقيق نهضة اقتصادية كبيرة كما تردد، خاصة أن مرور السفن في قناة السويس يرتبط بالتجارة العالمية وليس المصرية وحدها.

وفي سياق متصل، أكد الخبير الاقتصادي محمد دشناوي، أن التفريعة الجديدة للقناة بما تكلفته من مليارات طائلة، ساهمت بشكل كبير في إحداث تضخمًا في الاقتصاد المصري، وأنه يجب أن يتم الحفاظُ على سوق القناة في ظل منافسة من قناة بنما وطريق قناة السويس البري.

وأشار في تصريحات صحفية له، إلى أنه كان من الأفضل تأجيل المشروع، خصوصًا وأنه من المتوقع أن تواجه التجارة العالمية مزيدًا من الانخفاضات في المستقبل.

كما أكدت الدكتورة بسنت فهمي، الخبيرة الاقتصادية، أن الرؤية لاتزال ضبابية، وأن إيرادات القناة هذا العام وضعت رئيس الهيئة في حرج كبير أمام خبراء النقل البحري في العالم أجمع.

واستنكرت فهمي ما أدلى به مميش لبعض وسائل الإعلام، من أن إيرادات القناة ستصبح 13.5 مليار دولار في عام 2023، قائلة: لا أعلم على أي أساس تم هذا التقييم في الوقت الذي لم تتجاوز فيه إيرادات القناة هذا العام 5.3 مليار دولار.

وقد أيّد هذا الرأي  المهندس جلال الديب مستشار رئيس هيئة قناة السويس الأسبق والخبير الملاحي المتخصص في شؤون قناة السويس، والذي أشار إلى أن التفريعة الجديدة لن تستطيع أن تصل بالإيردات إلى 13.5 مليار دولار عام 2023 بأي حال من الأحوال، من خلال بمرور السفن وحدها، مطالبًا بضرورة إعادة النظر في المشروعات الخدمية اللوجستية الأخرى حتى يمكن تحقيق عائد إضافي.

المواطنون: نخشى أن تكون خدعة كبيرة

أبدى عدد من المواطنين المؤيدين للمشروع منذ الوهلة الأولى قلقهم مما يمكن أن تسفر عنه نتائجه، لاسيما بعد تراجع الإيرادات هذا العام عما كان متوقعًا، وأشاروا أن الأرقام التي أعلن عنها رئيس هيئة قناة السويس أصابتهم بالصدمة الشديدة، حيث إنها جاءت على غير ما تم الإعلان عنه عند بداية التفكير في المشروع.

من جانبها قالت نجوى عطية، صحفية: لقد اشتريت شهادات استثمار بقيمة عشرة آلاف جنيه دعمًا للمشروع على أمل أن ينتشل مصر من كبوتها الاقتصادية التي تمر بها، معتقدة أن هذه الشهادات ستحقق عوائد مجزية، لاسيما وأن نسبة الفائدة المعلن عنها فاقت النسبة المتفق عليها داخل كافة البنوك.

وأضافت نجوى لـ "نون بوست" أنها إلى الآن لم تتقاض فوائد هذا المبلغ إلا شهرًا واحدًا فقط، ومن بعده أكدوا لها أن الفوائد بالكامل سيتم صرفها نهاية العام، وفي ظل هذا التراجع لا تتوقع أن يتم صرف أي فوائد، على حد قولها.

وفي السياق نفسه، أكد شعبان محمود، أستاذ جامعي، أنه يخشى أن تكون التفريعة الجديدة للقناة خدعة كبرى كما هو حال جهاز الكشف عن فيروس الكبد الوبائي والإيدز، ومشروع المليون وحدة سكنية، لاسيما وأن آراء خبراء النقل البحري كلها تأتي متناقضة مع تصريحات الهيئة بشأن زيادة إيرادات القناة بالنسبة المأمولة خلال الخمسة أعوام المقبلة.

وأشار شعبان لـ "نون بوست" أن هذ المشروع يمثل بارقة أمل للملايين من المصريين، وفي حالة فشلة سيأتي بنتيجة عكسية على النظام الحالي، محذرًا من خطورة خداع المواطنين، وابتزازهم باسم حب الوطن.