الاقتصاديين الأكثر تأثيراً في عالم الاقتصاد

يفرق علماء الاقتصاد بين الفكر الاقتصادي وعلم الاقتصاد، فالفكر الاقتصادي قديم قدم الإنسان ذاته،الذي واجه مشكلة إشباع الحاجات (المشكلة الاقتصادية) بالتفكير والاهتمام منذ نشأة المجتمعات، ولم يكن الفكر الاقتصادي في ذلك الوقت منفصل كعلم بحد ذاته بل كان ضمن مجموعة علوم منها الفلسفية والدينية والسياسية، كما لم يستطع الإنسان في ذلك العصر أن يفصل البحث في الاقتصاد عن بقية العلوم والمعارف.

سنحاول في سلسلة مقالات التبحر في تاريخ الفكر الاقتصادي (بالاعتماد على عدة مصادر منها كتاب تاريخ الفكر الاقتصادي للدكتور حازم الببلاوي)، كيف بدء؟ وكيف تطور؟ ومن هم رجالات الاقتصاد  الذين ساهموا بإثراء علم الاقتصاد خلال التاريخ؟ ما هي النشاطات الاقتصادية التي كانت الحضارات القديمة تزاولها؟ حتى نصل إلى الثورة الصناعية، وكيف كانت الثروة توزع بين السكان في ذلك الوقت كلٌ حسب حضارته؟

وقد يتساءل البعض ما فائدة دراسة تاريخ الفكر الاقتصادي، والجواب هو أن الإنسان كائن تاريخي وفهم الحاضر يبدأ من فهم الماضي من خلال دراسةٍ تاريخيةٍ عميقة، لذلك ستساعدنا هذه السلسلة في فهم مستويات تطور الاقتصاد حتى آل للشكل الحالي في وقتنا الحاضر، وقد يصبح بمقدورنا التنبؤ بشكل الاقتصاد في المستقبل، بالإضافة إلى ذلك تساعدنا هذه الدراسة على فهم الكثير من التصرفات التي قامت بها تلك الحضارات لمعالجة الأزمات الاقتصادية التي واجهتها، علاوة على ذلك الفائدة العلمية والنقدية التي يستقيها القارئ بعد إطلاعه على تطور هذا العلم.

حتى يتكون لديك معرفة علمية فإن عليك أن تقوم بعملية بحثية منظمة وفقًا لمنهج علمي (المدرسة التاريخية، الواقعية، الاستشرافية.. وغيرها) لظاهرة معينة، ويعد البحث العلمي علم حديث و الأكثر منه حداثة هو دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية بعيدة عن الاعتبارات الفلسفية والأخلاقية، وكون الاقتصاد هو أحد العلوم الاجتماعية فهو علم حديث.

حيث يعد كتاب أدم سميث عن "ثروة الأمم" THE WEALTH OF NATIONS عام 1776 أول دراسة علمية منظمة في علم الاقتصاد تعنى بدراسة الاقتصاد السياسي، في حين يرى البعض أن دراسة الاقتصاد وفقًا لمنهج علمي تعود إلى كتابات الطبيعيين في القرن الثامن عشر أي قبل أدم سميث، وأيًا كان الخلاف الدائر بين علماء الاقتصاد فهم متفقون على أن هذا العلم (علم الاقتصاد) هو حديث النشأة لا يتجاوز عمره 200 سنة على أبعد تقدير.

يختلف التاريخ الاقتصادي من دولة إلى أخرى؛ فالتاريخ الاقتصادي لإنجلترا يختلف عنه في مصر مثلًا، والظروف الاقتصادية في منطقة ما في فترة معينة لابد أن تؤثر في الأوضاع المحيطة بها لتنتقل عن طريق الحرب أو التجارة أو طرق أخرى، وعليه فإن اكتشاف الزراعة قبل 10 آلاف عام في وادي النيل أو في وادي النهرين على خلاف بين المؤرخين بمن له فضل السبق،الذي لم يلبث أن أصبح النشاط الرئيسي للشعوب والحضارات المخلتلفة على مر العصور، وكذلك ركوب البحر واكتشاف البحار أصبح أيضًا ظاهرة عامة بعد مرور الوقت.

لذلك فإن أشكال التنظيم الاقتصادي وإن اختلفت من مكان إلى آخر لها اتجاهات عامة هي: مرحلة الاقتصاد البدائي، ومرحلة الإقطاع، ومرحلة الرأسمالية التجارية ثم الرأسمالية الصناعية، فضلاً عن أشكال التدخل والنظم الاشتراكية.

الفكر الاقتصادي في الحضارات القديمة

الحضارات الشرقية

لا توجد وثائق كافية نستطيع من خلالها التعرف على الفكر الاقتصادي السائد في تلك الحضارات؛ وردت بعض الأفكار في قانون حمورابي الذي يعتبر أقدم قانون على الإطلاق لكنه احتوى على تنظيمات قانونية ودينية ولم يتعرض للجانب الاقتصادي، كما اقتصرت الكتابات المصرية القديمة كذلك على تسجيل بعض الأفكار الفلسفية والدينية ونظام الحكم.

بالنسبة للحضارات القديمة في الشرق فقد شهدت ازدهارًا كبيرًا، فالحضارة المصرية القديمة وحضارة البابليين والحضارة الصينية كانت مجتمعات منظمة شديدة المركزية تعرف نوعًا من الزراعة المتقدمة والمنظمة، سيطرت الدولة على أمور الحياة الاقتصادية وبوجه خاص تنظيم الري في مصر والعراق.

وأرسى الفينيقيون الذين اخترعوا الحروف الأبجدية تقاليد مستقرة للتجارة والملاحة، حيث إن تقدم التجارة ارتبط بتقدم الأساليب التجارية التي برعوا في فنها.

الاقتصاد اليهودي (العبري) في مصر قام على حياة القبيلة التي تستند على سيطرة الأب على أمورالحياة عندهم، وكان النفوذ الديني والسياسي للأنبياء والحكماء اليهود كبيرًا.

في ظل هذا المجتمع البدائي اعتبرت الأرض المظهر الرئيسي للثروة، والزراعة هي النشاط الاقتصادي الرئيسي؛ فقامت الملكية الخاصة على الأرض واُعترف بحق الإرث للابن الأكبر فإن لم يوجد أبناء فللبنت ثم للإخوة والأعمام.

أجاز القانون الموسوي والعهد القديم العمل بالتجارة، حيث أقام العبرانيون في أرض كنعان التي سكنها قبلهم الفينيقيون الذين برعوا في التجارة، والجدير بالذكر أن القانون الموسوي حرّم الفائدة على القروض فيما بين العبرانيين ولكنه أجازها مع غير العبراني "لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يُقرض برياه، للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب". ( تثنية 23- العهد القديم).

في المقالة القادمة سنعرف عن حضارة اليونان وما هو الفكر الاقتصادي السائد آنذاك.