اعتاد المصريون قبيل كل حدث هام تمر به البلاد خلال السنوات الأخيرة، أن تطفو على السطح بعض الممارسات والأحداث التي ليس لها علاقة - لا من قريب أو بعيد - بالحدث نفسه، لكنها في الغالب تستهدف إثارة البلبلة، وإلهاء الرأي العام عن الظرف الهام الذي يمر به الوطن، كما هو الحال في زيادة وتيرة التفجيرات، والإعلان عن مصالحات مع جماعة الإخوان، والإفراج عن بعض المحبوسين، وذلك على طريقة " بص للعصفورة" كما هو متعارف عليه بين المصريين.

وخلال الساعات القليلة الماضية فاجأتنا بعض وسائل الإعلام بخبر رفع اسم الفريق أحمد شفيق (المرشح الرئاسي الخاسر) من قوائم الترقب، بما يعني اقتراب عودته إلى مصر، وعلى الفور انبرت الأقلام هنا وهناك احتفالاً بعودة الرئيس الهارب، والزعيم الملهم الذي طالما ألهب الصدور بوطنيته المعروفة للجميع، كما يحلو لأنصاره أن يلقبوه.

والمتابع للمشهد يلاحظ أن هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها شفيق عودته لمصر، والمشاركة في الحياة السياسية مرة أخرى بعد ابتعاد عن المشهد دام أكثر من 3 سنوات تقريبًا، إلا أن الطريقة التي أعلن بها شفيق وأنصاره عن عودته، واختيار هذا التوقيت قبيل ذكرى 25 يناير لرفع اسمه من قوائم الترقب، فضلاً عن السيناريوهات المحتملة حال عودته، والدور الذي من الممكن أن يلعبه في المشهد السياسي الراهن، يضع العديد من علامات الاستفهام التي تبحث عن إجابة لفك طلاسم هذا اللغز الذي يظهر ويختفي بين الحين والآخر.

شفيق: أنا شريك كفاح في إسقاط مرسي

أحمد شفيق، وزير الطيران الأسبق في حكومة نظيف، والذي تسبب في تراجع التصنيف العالمي للمطارات المصرية في الوقت الذي كلّف فيه الدولة ملايين الدولارات لتحسين مستوى خدماتها، والمتهم في قضايا فساد، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك من 29 يناير 2011 إلى 3 مارس 2011، والمرشح الرئاسي الخاسر أمام الدكتور محمد مرسي في انتخابات 2012، هاهو يعلن للجميع أنه شريك أساسي في إسقاط جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المنتخب، من خلال اتصالاته المكثفة بالمخابرات العامة المصرية قبل 30 يونيه وذلك خلال تصريحات صحفية له.

شفيق الذي هرب من مصر عقب خسارته الانتخابات الرئاسية، متوجهًا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للعمل بها كمستشار سياسي لرئيس الدولة، وبدأ من هناك مساعيه لإسقاط النظام المدني في مصر، على أمل استدعاءه بعد نجاح مخططاته وإهداءه منصب "رئيس الجمهورية" كما كان يحلم، هاهو يستنكر تجاهل النظام له بعد 30 يونيو و3 يوليو، معبرًا عن ذلك بقوله: "أنا زعلان من جوايا، لأنني كنت متخيل بعد 3 يوليو ألاقي تليفون يقولي تعالى انزل".

ليست الأولى

في قراءة سريعة لتصريحاته منذ هروبه من مصر، يُلاحظ أن هذه ليست المرة الأولى التي يعلن خلالها شفيق عن عودته إلى القاهرة، بل هناك ما يقرب من خمس مرات أعلن خلالها عن عودته، جميعها تقترن بأحداث هامة على الساحة السياسية، ففي يوليو 2013 عقب الانقلاب العسكري أعلن شفيق أنه سيعود لمصر خلال أيام، وأنه مستعد لخدمة البلاد في أي موقع، مستطردًا في تصريحات صحفية: "سأعمل كل ما في وسعي لخدمة مصر وأنا ساجد، بغض النظر عن الأسماء"، وكالعادة تبخرت تصريحاته دون قرار فعلي، إلا أنه في أغسطس 2014، أكد مصدر مقرب منه أن الفريق قرر بشكل نهائي الاستقرار في الإمارات العربية المتحدة، وعدم العودة إلى مصر، مشيرا إلى أن شفيق اتخذ قراره بعد تأكده من عدم الاستعانة بخبراته في مصر خلال الفترة المقبلة، لافتًا إلى أن الأمور في القاهرة مستقرة إلى حد كبير، وكل جهة استقرت على فريق العمل الذي سيتولى رسم سياستها ومتابعة تنفيذ الخطط المستقبلية.

وفي أكتوبر الماضي 2014، خلال تصريح عل لسان المستشار يحيى قدري نائب رئيس حزب الحركة الوطنية، والتي يرأسها أحمد شفيق، حيث وجه الأول حديثه له بأنه يعرض على أحمد شفيق، في مقر إقامته بالإمارات تفاصيل قوة الحزب الخاصة بالانتخابات البرلمانية المقبلة، مؤكدًا عودته إلى مصر خلال أيام قليلة أقل من أسبوع ليرأس الحزب حسب قوله.

وها نحن قبيل الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير المجيدة، يطفو على السطح نبأ عودة شفيق مرة أخرى، وبالرغم من نفى محامي الفريق، صحة الخبر الذي تم تداوله على المواقع المصرية حول رفع اسم المرشح الرئاسي الخاسر من قوائم الترقب، مشيرًا أن تلك الواقعة تكررت أكثر من 5 مرات قبل ذلك، إلا أن السؤال يظل قائمًا: هل ستتحول تلك الشائعة هذه المرة إلى قرار فعلي أم ستظل ورقة يلعب بها شفيق أو النظام قبيل كل حدث مهم؟

لا قيمة لها

في الوقت الذي يُعلي فيه أنصار شفيق من سقف طموحاتهم السياسية حال عودته مرة أخرى، هناك من يقلل من شأن حالة الجدل والاهتمام المبالغ فيه لفكرة العودة من أساسها، كما هو حال رئيس حزب الجيل الديمقراطي، ناجي الشهابي، والذي نفى وجود أي تأثير لعودة شفيق على المشهد السياسي الراهن.

وأشار الشهابي أن خطورة الفريق تلاشت نهائيًا عقب الانتهاء من الانتخابات البرلمانية، إذ بات لا يمثل أي حضور سياسي أو منافسة يُخشى منها، مؤكدًا أن دوره خلال الفترة المقبلة يتوقف على إرادته ورؤيته، وهل سيعيد بناء حزبه من جديد ويشارك بفاعلية وإيجابية مع متطلبات تلك المرحلة، أم سيتوقف على أنه كان فائزًا في انتخابات الرئاسة على مرسى؟ وهل يستطيع أن يتغلب على التحديات ويمضي برؤية واضحة في رسم سياسات جديدة لحزبه تمكنه من التواجد بقوة عل الخريطة الحزبية؟ كل هذه الأسئلة شفيق وحده هو القادر على الإجابة عليها، على حد قول رئيس حزب الجيل.

سيناريوهات على المحك

في المقابل هناك من يرى عودة الفريق في هذا الظرف الاستثنائي لها من الأهمية والخطورة بمكان يؤهلها لأن تتصدر مانشيتات الصحف وشاشات الفضائيات، فضلاً عن كونها لا بد وأن تكون وجبة دائمة على موائد الاهتمام السياسي والمجتمعي في الآونة الأخيرة.

أنصار هذه الرؤية يطرحون ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تكون مبررًا قويًا لعودة شفيق بعد ثلاث سنوات من الهجرة أو الهروب عن بلاده وموطن رأسه.

استعادة شعبية النظام

لا شك أن بساط الجماهيرية الزاحفة التي طالما تشدق به نظام السيسي منذ الإطاحة بالدكتور مرسي في 3 يوليو 2013، بدأ يُسحب من تحت قدميه بصورة مقلقة، فهاهي الأصوات الرافضة للكثير من السياسات بدأت تعلو وتطفو على السطح بعد سبات دام طويلاً، وهاهي الحركات المؤيدة له تنقلب عليه، ورموزه الداعمين له بدأوا هم أيضًا يتوجهون لمقاعد المعارضة.

فالفشل الذريع في الملف الحقوقي والأمني والمائي والاقتصادي فضلاً عن السياسي، بالرغم من كل هذا الدعم من الداخل والخارج أيقظ الكثير من الأعين النائمة، وأفاق الضمائر الميتة، فباتت المظاهرات والاعتصامات والإضرابات الرافضة لتلك السياسات أمرًا عاديًا في الشوارع والطرقات وأمام الهيئات والوزارات، وبدأ القلق من الحشد ليوم 25 يناير القادم كابوسًا يقلق راحة النظام ويهدد استقراره وبقاءه.

ثم جاء الحكم الأخير على مبارك في قضية القصور الرئاسية ليزيد كتلة المعارضين لنظام السيسي، فضلا عن أنصار شفيق وهم ليسوا بالقلة، لاسيما وأن أغلب مؤيدي مبارك هم في نفس مسار الفريق، مما دفع النظام إلى ضرورة البحث عن آليات لاستعادة الشعبية مرة أخرى، ومحاولة إحداث التوازن في الشارع بعد هذا الفشل الملحوظ.

ومن ثم نرى أن رفع اسم الفريق من قوائم الترقب مغازلة صريحة لأنصار مبارك وشفيق، وإعادتهم من جديد إلى كتلة التأييد للسيسي ونظامه، لاسيما بعد تردد أنباء عن احتمالات أن يكون لشفيق دور حال عودته لمصر.

الرئيس الجاهز

السيناريو الثاني الذي طرحه بعض المقربين من الفريق يرون خلاله أن الأمور قد تسير في طريق غير محمود، في ظل زيادة منسوب الفشل وانخفاض معدل الشعبية في مجرى النظام الحالي، وهو ما قد يربك جميع الحسابات، ووقتها لا بد من رئيس جاهز، متفق عليه من الأجهزة المخابراتية والأمنية.

ومن ثم فهناك ضغوط مُمارسة من بعض الجهات لإعادة الفريق مرة أخرى، بالرغم من قلق دولة السيسي لهذه الخطوة، لكن تحسًبا أن يصبح منصب رئيس الجمهورية شاغرًا فيما بين غمضة عين وانتباهها، كان لا بد من تجهيز "الوالي الجديد" بأي صورة ومهما كان الثمن، وحينها لن يكون هناك أقدر من شفيق ليكون الرئيس الجاهز لاسيما وهو المرشح السابق للرئاسة، وابن المؤسسة العسكرية في ذات الوقت، ويمثل الامتداد الحقيقي لمبارك وسياساته.

رئاسة الحكومة

أما السيناريو الثالث فهو البديل للسيناريو الثاني، ففي حال استمرار الوضع على ما هو عليه، هل من الممكن أن نرى الفريق على حلبة الصراع السياسي من جديد؟ لاسيما وهو الذي أعلن أكثر من مرة نيته في العودة للحياة السياسية واستعداده لخدمة الوطن تحت أي مسمى، على حد قوله.

الصفحة الرسمية لشفيق على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" طرحت سؤالاً للنقاش وطالبت من الجميع المشاركة في الإجابة عنه، وإبداء الرأي في موقف الشارع من تعيين أحمد شفيق رئيسًا للحكومة القادمة، حيث كتبت "إذا قام الرئيس عبد الفتاح السيسى بتعيين الفريق أحمد شفيق رئيسًا للحكومة القادمة، هل ستوافق أم لا؟ ياريت الكل يشارك ويتفاعل مع البوست".

وهذا يرجح ما طرحة البعض من أن هذه المحاولات ليست سوى مساعٍ لاستئناسه، والاستفادة من جماهيرية الرجل في دعم النظام الحالي، وفي نفس الوقت إذا سارت الأمور إلى طريق مسدود، يكون هناك الرئيس الجاهز حسبما أشار السيناريو الثاني.