بعد صلاة التراويح لليوم السابع عشر من رمضان ، في واحد من أشهر وأقدم مساجد اسطنبول ، مسجد السلطان محمد الفاتح ، الذي تجمتع فيه جميع مكونات الشعب التركي للصلاة والجلوس في حديقته بعد الصلاة حتى منتصف الليل يتسامرون فيما بينهم ، المسجد في تركيا - وخاصة تلك القديمة منها- ليست للصلاة وحسب .. وليست للمتدينين وحدهم بطبيعة الحال .

لمحت من طرف المسجد أضواء وأصوات أطفال يغنون بلغة ليست بالتركية ولا العربية ، أرخيت بصير وسمعي أكثر لأجد ١٠ أطفال ببشرة سمراء جميلة يغنون على السلم الموسيقي الخماسي - وهو وزن موسيقي يشتهر به أهل افريقيا وغيرهم على عكس السلم السباعي الذي  يُشتهر في الشام والخليج ومصر - اكتشفت لاحقاً أنهم من الصومال ، اقتربت أكثر لأجد منصة احتفال بأضواء وسماعات وكاميرات ، عريشة للنخيل تشبه تماماً تلك التي في الصومال ، بنات صغار أخريات يجلسون كما لو أنها جلسة لنساء من الصومال يتسامرون في ما بينهم ، وأطفال أتراك آخرون في الخلف ينتظرون دورهم للغناء ، كل ذلك وجمع مهيب من الأتراك وغيرهم محتشدين حول المسرح على أرجهلم مستمتعين بكل هذا - رغم أن الغناء غير مفهوم كونه بلغة أهل الصومال اضافة الى اللغة العربية - .

على الصورة في خلف المسرح كان مكتوباً احتفال نادي أطفال الجالية الصومالية ، اذن تركيا تقيم احتفالاً لنادي أطفال من جالية أخرى لدولة بعيدة لا تربطها بها لا حدود ولا لغة ولا هوية في واحد من أهم أهم مساجد اسطنبول ، وبتفاصيل حياتهم وألوانهم ولغتهم ، ومعظم الحاضرين من الأتراك الذين كانوا متعاطين مع الحفل وبعضهم يسجل ذلك على هاتفه رغم أنه لا يفهم لغة الغناء كونها كانت باللغة السواحيلية .

اذن تركيا تنجح مرة أخرى في عرض صورة للتعايش وتقبّل الآخر واندماج المجتمعات ببعضها البعض رغم حاجز العرق واللغة ، في الوقت الذي قد لا يجد الصومالي دولة عربية في استقباله سواء بتأشيرة أو بلا تأشيرة  ، أو يحتاج لطائرتين او أكثر ليصل لدولة عربية بينما هناك رحلة جوية مباشرة من الصومال الى تركيا،  تركيا التي ذهبت الى الصومال في الوقت الذي نسيها كل العرب ، ولو أن ثمة أبيضاً يمشي في شوارع الصومال فهو تركي بالطبع بالنسبة للصوماليين كونهم لم يعهدوا غير الأتراك يزورهم خلال السنوات الأخيرة بعد الحرب .

في الوقت الذي تتبارز بعض الدول العربية في خلق الفتن بين أبناء الدم والهوية والديانة واللغة الواحدة ليس ذنبهم الا أن سايكس أو بيكو أياً منهم أزاح يده قليلاً ففرق بين الأخوة وأصبحوا مصدراً للارهاب والدعارة والفتن ، وتخلق التأشيرات لأجلهم ويحرض الاعلام ضدهم ، تفتح تركيا الأبواب للجميع وتعرض التعايش في أبهى صوره .